الجزء ١ — ص ٤٤٢–٤٥١
حيث الإعجاز حجة النبى المبعوث وتلك الكتب لم تكن معجزة ولا كانت حجج أولئك الأنبياء بل كانت دعوتهم والحجج غيرها وكان ذلك أيضا نظير ما مضى
وقد يقال إن سورة أفضل من سورة لأن الله تعالى اعتد قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها وإن كان المعنى الذى لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا كما يقال إن قوما أفضل من قوم وشهرا أفضل من شهر بمعنى أن العبادة فيه تفضل على العبادة فى غيره والذنب يكون أعظم من الذنب منه فى غيره وكما يقال إن الحرم أفضل من الحل لأنه يتأدى فيه من المناسك مالا يتأذى فى غيره والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة مما تقام فى غيره والله أعلم
فصل
فى أعظمية آية الكرسى
قال ابن العربى إنما صارت آية الكرسى أعظم لعظم مقتضاها فإن الشىء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته وهى فى آى القرآن ك قل هو الله أحد فى سوره إلا أن سورة الإخلاص تفضلها بوجهين أحدهما أنها سورة وهذه آية فالسورة أعظم من الآية لأنه وقع التحدى بها فهى أفضل من الآية التى لم يتحد بها والثانى أن سورة الإخلاص اقتضت التوحيد فى خمسة عشر حرفا وآية الكرسى اقتضت التوحيد فى خمسين حرفا فظهرت القدرة فى الإعجاز بوضع معنى معبر عنه مكتوب مدده السبعة الأبحر لا ينفد عدد حروفه خمسون كلمة ثم يعبر عن معنى الخمسين كلمة خمسة عشر كلمة وذلك كله بيان لعظم القدرة والانفراد بالوحدانية
وقال أبو العباس أحمد بن المنير المالكى كان جدى رحمه الله يقول اشتملت آية الكرسى على ما لم يشتمل عليه اسم من أسماء الله تعالى وذلك أنها مشتملة على سبعة عشر
موضعا فيها اسم الله ظاهرا فى بعضها ومستكنا فى بعض ويظهر للكثير من العادين فيها ستة عشر إلا على حاد البصيرة لدقة استخراجه 1 الله 2 هو 3 الحى 4 القيوم 5 ضمير لا تأخذه ضمير له 7 ضمير عنده 8 ضمير إلا بأذنه 9 ضمير يعلم 10 ضمير علمه 11 ضمير شاء 12 ضمير كرسيه 13 ضمير يؤوده 14 وهو 15 العلى 16 العظيم فهذه عدة الأسماء
وأما الخفى فى الضمير الذى اشتمل عليه المصدر فى قوله حفظهما فإنه مصدر مضاف إلى المفعول وهو الضمير البارز ولا بد له من فاعل وهو والله ويظهر عند فك المصدر فتقول ولا يؤوده أن يحفظهما هو
قال وكان الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل المرسى قد رام الزيادة على هذا العدد لما أخبرته عن الجد فقال يمكن أن تعد ما فى الآية من الأسماء المشتقة كل واحد منها باثنين لأن كل واحد منها يحمل ضميرا ضرورة كونه مشتقا وذلك الضمير إنما يعود إلى الله وهو باعتبار ظهورها اسم وقد اشتملت على آخر مضمر فتكون جملة العدد على هذا أحدا وعشرين اسما فأجريت معه وجها لطيفا وهو أن الاسم المشتق لا يحتمل الضمير بعد صيرورته بالتسمية علما على الأصح وهذه الصفات كلها أسماء الله تعالى ثم ولو فرضناها محتملة للضمائر بعد التسمية على سبيل التنزل فالمشتق إنما يقع على موصوفه باعتبار تحمله ضميره ألا تراك إذا قلت زيد كريم إذا وجدت كريما إنما يقع على زيدلأن فيه ضميره حتى لو جردت النظر إليه لم تجده مختصا بزيد بل لك أن توقعه على كل موصوف بالكرم من الناس ولا تجده مختصا بزيد إلا باعتبار اشتماله على ضميره فليس المشتق إذا مستقلا بوقوعه على موصوفه إلا بضميمة الضمير إليه فلا يمكن أن تجعله له حكم الانفراد عن الضمير مع الحكم برجوعه إلى معين البتة قال فرضى عن هذا البحث وصوبه
وقال الغزالى فى قوله صلى الله عليه وسلم إن لكل شىء قلبا وقلب القرآن يس إن ذلك لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر والنشر وهو مقرر فى هذه السورة بأبلغ وجه فجعلت قلب القرآن لذلك واستحسنه فخر الدين الرازى
قال الجوينى سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام
وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه آل حم ديباج القرآن
وقال ابن عباس لكل شىء لباب ولباب القرآن آل حم أو قال الحواميم
وقال مسعر بن كدام كان يقال لهن العرائس
روى ذلك كله أبو عبيد فى كتاب فضائل القرآن
وقال حميد بن زنجويه حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله قال إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن وإن مثل هذه الروضات الدمثات مثل آل حم فى القرآن أورده البغوى
وروى أبو عبيد عن بعض السلف منهم محمد بن سيرين كراهة أن يقال الحواميم وإنما يقال آل حم
وفى الترمذى عن ابن عباس قال قال أبو بكر رضى الله عنه للنبى صلى الله عليه وسلم يا رسول الله قد شبت قال شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت خص هذه السور بالشيب لأنهن أجمع لكيفية القيامة وأهوالها
من غيرهن ولهذا قال فى حديث آخر من أحب أن يرى القيامة رأى العين فليقرأ إذا الشمس كورت
وروى الترمذى من حديث ابن عباس ومن حديث أنس إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وقل يأيها الكافرون تعدل ربعه وقال فى كل منهما غريب
وقد تكلم ابن عبد البر على حديث قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وحكى خلاف الناس فيه فقيل لأنه سمع شخصا يكررها تكرار من يقرأ ثلث القرآن فخرج الجواب على هذا
وفيه بعد عن ظاهر الحديث
قيل لأن القرآن يشتمل على قصص وشرائع وصفات وقل هو الله أحد كلها صفات فكانت ثلثا بهذا الاعتبار واعترض على ذلك باستلزام كون آية الكرسى وآخر الحشر ثلث القرآن ولم يرد فيه
وقيل تعدل فى الثواب وهو الذى يشهد لظاهر الحديث
قلت ضعف ابن عقيل هذا وقال لا يجوز أن يكون المعنى فله أجر ثلث القرآن
لقوله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات
ثم قال ابن عبد البر على أنى أقول السكوت فى هذه المسألة أفضل من الكلام فيها وأسلم ثم أسند إلى إسحاق بن منصور قلت لأحمد بن حنبل قوله صلى الله عليه وسلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ما وجهه فلم يقم لى فيها على امر وقال لى إسحاق بن راهويه معناه أن الله لما فضل كلامه على سائر الكلام جعل لبعضه أيضا فضلا
فى الثواب لمن قرأه تحريضا على تعلمه لا أن من قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن جميعه هذا لا يستقيم ولو قرأها مائتى مرة
قال أبو عمرو وهذان إمامان بالسنة ما قاما ولا قعدا فى هذه المسألة
قلت وأحسن ما قيل فيه أن القرآن قسمان خبر وإنشاء والخبر قسمان خبر عن الخالق وخبر عن المخلوق فهذه ثلاثة وسورة الإخلاص أخلصت الخبر عن الخالق فهى بهذا الاعتبار ثلث القرآن
فائدة
فى أى آية فى القرآن أرجى
اختلف فى أرجى آية فى القرآن على بضعة عشر قولا
الأول آية الدين ومأخذه أن الله تعالى أرشد عباده إلى مصالحهم الدنيوية حتى انتهت العناية بمصالحهم إلى أن أمرهم بكتابة الدين الكبير والحقير فبمقتضى ذلك يرجى عفو الله تعالى عنهم لظهور أمر العناية العظيمة بهم حتى فى مصلحتهم الحقيرة
الثانى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم وهذا رواه مسلم فى الصحيح أثر حديث الإفك عن الإمام الجليل عبد الله بن المبارك
الثالث قال الشبلى فى قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
فالله تعالى لما أذن الكافرين بدخول الباكل إذا أتوا بالتوحيد والشهادة أتراه يخرج الداخل فيها والمقيم عليها
الرابع قوله تعالى وهل نجازي إلا الكفور
الخامس قوله إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى
السادس قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير
السادس قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته
الثامن قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى
حكى هذه الأقوال الخمسة الأخيرة الشيخ محيى الدين فى رءوس المسائل
التاسع رأيت فى مناقب الشافعى للإمام أبى محمد إسماعيل الهروى صاحب الحاكم بإسناده عن ابن عبد الحكم قال سألت الشافعى أى آية أرجى قال قوله تعالى يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة قال وسألته عن أرجى حديث للمؤمن قال حديث
إذا كان يوم القيامة يدفع إلى كل مسلم رجل من الكفار فيذهب به إلى النار
العاشر والحادى عشر روى الحاكم فى مستدركه عن محمد بن المنكدر قال التقى ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص فقال ابن عباس أى آية فى كتاب الله أرجى عندك فقال عبد الله بن عمرو يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم قال
لكن قول إبراهيم قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي هذا لما فى الصدور من وسوسة الشيطان فرضى الله تعالى من إبراهيم بقوله أو لم تؤمن قال بلى وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه
وقال النحاس فى سورة الأحقاف فهل يهلك إلا القوم الفاسقون فقال إن هذه الآية من أرجى آية فى القرآن إلا أن ابن عباس قال أرجى آية فى القرآن وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم
وأما أخوف آية فعن الإمام أبى حنيفة أنه قال هى قوله تعالى واتقوا النار التي أعدت للكافرين ولو قيل إنها سنفرغ لكم أيها الثقلان لكان له وجه ولهذا قال بعضهم لو سمعت هذه الكلمة من خفير الحارة لم أنم
النوع التاسع والعشرن
فى آداب تلاوته وكيفيتها
اعلم أنه ينبغى لمح موقع النعم على من علمه الله تعالى القرآن العظيم أو بعضه بكونه أعظم المعجزات لبقائه ببقاء دعوة الاسلام ولكونه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين فالحجة بالقرآن العظيم قائمة على كل عصر وزمان لأنه كلام رب العالمين وأشرف كتبه جل وعلا فلير من عنده القرآن أن الله أنعم عليه نعمة عظيمة وليستحضر من أفعاله أن يكون القرآن حجة له لا عليه لأن القرآن مشتمل على طلب أمور والكف عن أمور وذكر أخبار قوم قامت عليهم الحجة فصاروا عبرة للمعتبرين حين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم وأهلكوا لما عصوا وليحذر من علم حالهم أن يعصى فيصير مآله مآلهم فإذا استحضر صاحب القرآن علو شأنه بكونه طريقا لكتاب الله تعالى وصدره مصحفا له انكفتت نفسه عند التوفيق عن الرذائل وأقبلت على العمل الصالح الهائل وأكبر معين على ذلك حسن ترتيله وتلاوته وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ورتل القرآن ترتيلا فحق على كل امرىء مسلم قرأ القرآن أن يرتله وكمال ترتيله تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه والإفصاح لجميعه بالتدبر حتى يصل بكل ما بعده
وأن يسكت بين النفس والنفس حتى يرجع إليه نفسه وألا يدغم حرفا فى حرف لأن أقل ما فى ذلك أن يسقط من حسناته بعضها وينبغى للناس أن يرغبوا فى تكثير حسناتهم فهذا الذى وصفت أقل ما يجب من الترتيل
وقيل أقل الترتيل أن يأتى بما يبين ما يقرأ به وإن كان مستعجلا فى قراءته وأكمله أن يتوقف فيها ما لم يخرجه إلى التمديد والتمطيط فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله فإن كان يقرأ تهديدا لفظ به لفظ المتهدد وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم
وينبغى أن يشتغل قلبه فى التفكر فى معنى ما يلفظ بلسانه فيعرف من كل آية معناها ولا يجاوزها إلى غيرها حتى يعرف معناها فإذا مر به آية رحمة وقف عندها وفرح بما وعده الله تعالى منها واستيشر إلى ذلك وسأل الله برحمته الجنة وإن قرأ آية عذاب وقف عندها وتأمل معناها فإن كانت فى الكافرين اعترف بالإيمان فقال آمنا بالله وحده وعرف موضع التخويف ثم سأل الله تعالى أن يعيذه من النار
وإن هو مر بآية فيها نداء للذين آمنوا فقال يأيها الذين آمنوا وقف عندها وقد كان بعضهم يقول لبيك ربى وسعديك ويتأمل ما بعدها مما أمر به ونهى عنه فيعتقد قبول ذلك فإن كان من الأمر الذى قد قصر عنه فيما مضى اعتذر عن فعله فى ذلك الوقت واستغفر ربه فى تقصيره وذلك مثل قوله يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا
وعلى كل أحد أن ينظر فى أمر أهله فى صلاتهم وصيامهم وأداء ما يلزمهم فى طهاراتهم
وجناياتهم وحيض النساء ونفاسهن وعلى كل أحد أن يتفقد ذلك فى أهله ويراعيهم بمسألتهم عن ذلك فمن كان منهم يحسن ذلك كانت مسألته تذكيرا له وتأكيدا لما فى قلبه وإن كان لا يحسن كان ذلك تعليما له ثم هكذا يراعى صغار ولده ويعلمهم إذا بلغوا سبعا أو ثمانى سنين ويضربهم إذا بلغوا العشر على ترك ذلك فمن كان من الناس قد قصر فيما مضى اعتقد قبوله والأخذ به فيما يستقبل وإن كان يفعل ذلك وقد عرفه فإنه إذا مر به تأمله وتفهمه
وكذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا فإذا قرأ هذه الآية تذكر أفعاله فى نفسه وذنوبه فيما بينه وبين غيره من الظلامات والغيبة وغيرها ورد ظلامته واستغفر من كل ذنب قصر فى عمله ونوى أن يقوم بذلك ويستحل كل من بينه وبينه شىء من هذه الظلامات من كان منهم حاضرا وأن يكتب إلى من كان غائبا وأن يرد ما كان يأخذه على من أخذه منه فيعتقد هذا فى وقت قراءة القرآن حتى يعلم الله تعالى منه أنه قد سمع وأطاع فإذا فعل الإنسان هذا كان قد قام بكمال ترتيل القرآن فإذا وقف على آية لم يعرف معناها يحفظها حتى يسأل عنها من يعرف معناها ليكون متعلما لذلك طالبا للعمل به وإن كانت الآية قد اختلف فيها اعتقد من قولهم أقل ما يكون وإن احتاط على نفسه بأن يعتقد أوكد ما فى ذلك كان أفضل له وأحوط لأمر دينه
وإن كان ما يقرؤه من الآى فيما قصص الله على الناس من خبر من مضى من الأمم فلينظر فى ذلك وإلى ما صرف الله عن هذه الأمة منه فيجدد لله على ذلك شكرا
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر