الجزء ١ — ص ٤٣٢–٤٤١
النوع السادس والعشرون
معرفة فضائله
وقد صنف فيه أبو بكر بن أبى شيبة وأبو عبيد القاسم بن سلام والنسائى وغيرهم وقد صح فيه أحاديث باعتبار الجملة وفى بعض السور بالتعيين وأما حديث أبى كعب رضى الله عنه فى فضيلة سورة سورة فحديث موضوع
قال ابن الصلاح ولقد أخطأ الواحدى المفسر ومن ذكره من المفسرين فى إيداعه تفاسيرهم
قلت وكذلك الثعلبى لكنهم ذكروه بإسناد فاللوم عليهم يقل بخلاف من ذكره بلا إسناد وجزم به كالزمخشرى فإن خطأه أشد
وعن نوح بن أبى مريم أنه قيل له من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس فى فضائل القرآن سورة سورة فقال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبى حنيفة ومغازى محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة
ثم قد جرت عادة المفسرين ممن ذكر الفضائل أن يذكرها فى أول كل سورة لما فيها من الترغيب والحث على حفظها إلا الزمخشرى فإنه يذكرها فى أواخرها
قال مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرمانى سألت الزمخشرى عن العلة فى ذلك فقال لأنها صفات لها والصفة تستدعى تقديم الموصوف
وقد روى البخارى رحمه الله حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه وروى أصحاب السنن فى حديث إلهى من شغله القرآن عن ذكرى ومسألتى أعطيته أفضل
ما أعطى السائلين و فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه وقال عليه السلام ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه قال أبو النضر يعنى القرآن
وروى أحمد من حديث أنس رضى الله عنه أهل القرآن هم أهل الله وخاصته وروى مسلم من حديث عمر رضى الله عنه إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين وقدم صلى الله عليه وسلم فى قتلى أحد فى القبر أكثرهم قرآنا
النوع السابع والعشرون
معرفة خواصه
وقد صنف فيه جماعة منهم التميمي وأبو حامد الغزالى قال بعضهم وهذه الحروف التى فى أوائل السور جعلها الله تعالى حفظا للقرآن من الزيادة والنقصان قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
وذكر بعضهم أنه وقف على أن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه كان يكتبها على ما يريد حفظه من الأموال والمتاع فيحفظ
وأخبر رجل من أهل الموصل قال كان الكيا الهراسى الإمام رحمه الله إذا ركب فى رحلة يقول هذه الحروف التى فى أوائل السور فسئل عن ذلك فقال ما جعل ذلك فى موضع أو كتب فى شىء إلا حفظ تاليها وماله وأمن فى نفسه من التلف والغرق
وحكى عن الشافعى رحمه الله أنه شكا إليه رجل رمدا فكتب إليه فى رقعه بسم الله الرحمن الرحيم فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد للذين آمنوا هدى وشفاء فعلق الرجل ذلك عليه فبرأ
وكان سفيان الثورى يكتب للمطلقة رقعة تعلق على قلبها إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت
فاخرج منها فخرج على قومه
وروى ابن قتيبة قال كان رجل من الصالحين يحب الصلاة بالليل وتثقل عليه فشكا ذلك لبعض الصالحين فقال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي إلى قوله مددا ثم أضمر فى أى وقت أضمرت فإنك تقوم فيه قال ففعلت فقمت فى الوقت المعين
قال الغزالى وكان بعض الصالحين فى اصبهان أصابه عسر البول فكتب فى صحيفة البسملة وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة دكا دكا وألقى عليه الماء وشربه فيسر عليه البول وألقى الحصى
وحكى الثعلبى فى تفسيره أن قوله تعالى لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون يكتب على كاغد ويوضع على شق الضرس الوجع يبرأ بإذن الله تعالى
ويحكى أن الشيخ أبا القاسم القشيرى رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مالى أراك محزونا فقال ولدى قد مرض واشتد عليه الحال فقال له أين أنت عن آيات الشفاء ويشف صدور قوم مؤمنين وشفاء لما في الصدور فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون
وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وإذا مرضت فهو يشفين قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء فقرأ هذه الآيات عليه ثلاث مرات فبرأ
وحكى ابن الجوزى عن ابن ناصر عن شيوخه عن ميمونة بنت شاقولة البغدادية رضى الله عنها قالت آذانا جار لنا فصليت ركعتين وقرأت من فاتحة كل سورة آية حتى ختمت القرآن وقلت اللهم اكفنا أمره ثم نمت وفتحت عينى وإذابه قد نزل وقت السحر فزلت قدمه فسقط ومات
وحكى عن ابنها أنه كان فى دارها حائط له جوف فقالت هات رقعة ودواة فناولتها فكتبت فى الرقعة شيئا وقالت دعه فى ثقب منه ففعلت فبقى نحوا من عشرين سنة فلما ماتت ذكرت ذلك القرطاس فقمت فأخذته موقع الحائط فإذا فى الرقعة إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا يا ممسك السموات والأرض أمسكه
تنبيه
هذا النوع والذى قبله لن ينتفع به إلا من أخلص لله قلبه ونيته وتدبر الكتاب فى عقله وسمعه وعمر به قلبه واعمل به جوارحه وجعله سميره فى ليله ونهاره وتمسك به وتدبره هنالك تأتيه الحقائق من كل جانب وإن لم يكن بهذه الصفة كان فعله
مكذبا لقوله كما روى أن عارفا وقعت له واقعة فقال له صديق له نستعين بفلان فقال أخشى أن تبطل صلاتى التى تقدمت هذا الأمر وقد صليتها قال صديقه وأين هذا من هذا قال لأنى قلت فى الصلاة إياك نعبد وإياك نستعين فإن استعنت بغيره كذبت والكذب فى الصلاة يبطلها وكذلك الاستعاذة من الشيطان الرجيم لا تكون إلا مع تحقق العداوة فإذا قبل إشارة الشيطان واستنصحه فقد كذب قوله فبطل ذكره
النوع الثامن والعشرون
هل فى القرآن شىء أفضل من شىء
وقد اختلف الناس فى ذلك فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعرى والقاضى أبو بكر وأبو حاتم بن حبان وغيرهم إلى أنه لا فضل لبعض على بعض لأن الكل كلام الله وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينهما وروى معناه عن مالك قال يحيى بن يحيى تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها احتجوا بأن الأفضل يشعر بنقص المفضول وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه
قال ابن حبان فى حديث أبى بن كعب رضى الله عنه ما أنزل الله فى التوارة ولا فى الإنجيل مثل أم القرآن إن الله لا يعطى لقارىء التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطى لقارىء أم القرآن إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه اكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه قال وقوله أعظم سورة أراد به فى الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض
وقال قوم بالتفضيل لظواهر الأحاديث ثم اختلفوا فقال بعضهم الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها عند ورود أوصاف العلا وقيل بل يرجع لذات اللفظ وأن ما تضمنه قوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وآية الكرسى وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا فى تبت يدا أبي لهب
وما كان مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعانى العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة وهذا هو الحق
وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء
وتوسط الشيخ عز الدين فقال كلام الله فى الله أفضل من كلام الله فى غيره ف قل هو الله أحد أفضل من تبت يدا أبي لهب وعلى ذلك بنى الغزالى كتابه المسمى بجواهر القرآن واختاره القاضى أبو بكر بن العربى
لحديث أبى سعيد بن المعلى فى صحيح البخارى إنى لأعلمك سورة هى أعظم السور فى القرآن قال الحمد لله رب العالمين
ولحديث أبى بن كعب فى الصحيحين قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أى آية فى كتاب الله أعظم قلت الله ورسوله أعلم قال يا أبى اتدرى أى آية فى كتاب الله أعظم قال قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم قال فضرب فى صدرى وقال ليهنك العلم أبا المنذر
وأخرج الحاكم فى مستدركه بسند صحيح عن أبى هريرة سيدة آي القرآن آية الكرسى
وفى الترمذى غريبا عنه مرفوعا لكل شىء سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة فيها آية الكرسى
وروى ابن عيينة فى جامعه عن أبى صالح عنه فيها آية الكرسى وهى سنام آى القرآن ولا تقرأ فى دار فيها شيطان إلا خرج منها وهذا لا يعارض ما قبله بأفضلية الفاتحة لأن تلك باعتبار السور وهذه باعتبار الآيات
وقال القاضى شمس الدين الخويى كلام الله أبلغ من كلام المخلوقين وهل يجوز
أن يقال بعض كلامه أبلغ من بعض جوزه بعضهم لقصور نظرهم وينبغى أن يعلم أن معنى قول القائل هذا الكلام أبلغ من هذا الكلام أن هذا فى موضعه له حسن ولطف وذاك فى موضعه له حسن ولطف وهذا الحسن فى موضعه أكمل من ذاك فى موضعه فإن من قال إن قل هو الله أحد أبلغ من تبت يدا أبي لهب يجعل المقابلة بين ذكر الله وذكر أبى لهب وبين التوحيد والدعاء على الكافرين وذلك غير صحيح بل ينبغى أن يقال تبت يدا أبي لهب دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه وكذلك فى قل هو الله أحد لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها فالعالم إذا نظر إلى تبت يدا أبي لهب وتب فى باب الدعاء والخسران ونظر إلى قل هو الله أحد فى باب التوحيد لا يمكنه أن يقول أحدهما أبلغ من الآخر وهذا القيد يغفل عنه بعض من لا يكون عنده علم البيان
قلت ولعل الخلاف فى هذه المسألة يلفت عن الخلاف المشهور إن كلام الله شىء واحد أولا عند الأشعرى أنه لا يتنوع فى ذاته إنما هو بحسب متعلقاته
فإن قيل فقد قال تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فجعله شيئين وأنتم تقولون بعدمه وأنه صفة واحدة
قلنا من حيث أنه كلام الله لا مزية لشىء منه على شىء ثم قولنا شىء منه يوهم التبعيض وليس لكلام الله الذى هو صفته بعض ولكن بالتأويل والتفسير وفهم السامعين اشتمل على جميع أنواع المخاطبات ولولا تنزله فى هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شىء منه
وقال الحليمى قد ذكرنا أخبار تدل على جوار المفاضلة بين السور والآيات وقال الله تعالى نأت بخير منها أو مثلها ومعنى ذلك يرجع إلى أشياء
أحدها أن تكون آيتا عمل ثابتتان فى التلاوة إلا أن إحداهما منسوخة والأخرى ناسخة فنقول إن الناسخ خير أى أن العمل بها أولى بالناس وأعود عليهم وعلى هذا فيقال آيات الأمر والنهى والوعد والوعيد خير من آيات القصص لأن القصص إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهى والتبشير ولا غنى بالناس عن هذه الأمور وقد يستغنون عن القصص فكل ما هو أعود عليهم وانفع لهم مما يجرى مجرى الأصول خير لهم مما يحصل تبعا لما لا بد منه
والثانى أن يقال إن الآيات التى تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته والدلالة على عظمته وقدسيته أفضل أو خير بمعنى أن مخبراتها أسنى وأجل قدرا
والثالث أن يقال سورة خير من سورة أو آية خير من آية بمعنى أن القارىء يتعجل بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل ويتأدى منه بتلاوتها عبادة كقراءة آية الكرسى وسورة الإخلاص والمعوذتين فإن قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله جل ثناؤه ويتأدى بتلاوتها منه لله تعالى عبادة لما فيها من ذكر اسم الله تعالى جده بالصفات العلا على سبيل الإعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل الذكر وبركته فأما آيات الحكم فلا يقع بنفس تلاوتها إقامة حكم وإنما يقع بها علم
قال ثم لو قيل فى الجملة إن القرآن خير من التوراة والإنجيل والزبور بمعنى أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها والثواب بحسب بقراءته لا بقراءتها أو أنه من
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر