علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٤٣ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٤٢٢–٤٣١

فأولها فى سورة النساء فما لهؤلاء القوم هذه الإشارة للفريق الذين نافقوا من القوم الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة فقطعوا وصل السيئة بالحسنة فى الإضافة إلى الله ففرقوا بينهما كما أخبر سبحانه والله قد وصل ذلك وأمر به فى قوله قل كل من عند الله فقطعوا فى الوجود ما أمر الله به أن يوصل فقطع لام وصلهم فى الخط علامة لذلك وفيه تنبيه على أن الله يقطع وصلهم بالمؤمنين وذلك فى يوم الفصل يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم

والثانى فى سورة الكهف ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة وهؤلاء قطعوا بزعمهم وصل جعل الموعد لهم بوصل إحصاء الكتاب وعدم مغادرته لشىء من أعمالهم فى إضافتها إلى الله فلذلك ينكرون على الكتاب فى الآخرة ودليل ذلك ظاهر من سياق خبرهم فى تلك الآيات من الكهف

والثالث فى سورة الفرقان وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام فقطعوا وصل الرسالة لأكل الطعام فأنكروا فقطعوا قولهم هذا ليزول عن اعتقادهم أنه رسول فقطع اللام علامة لذلك

والرابع فى المعارج فمال الذين كفروا قبلك مهطعين هؤلاء الكفار تفرقوا جماعات مختلفات كما يدل عليه عن اليمين وعن الشمال عزين قطعوا وصلهم فى قلوبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فقطع الله طمعهم فى دخول الجنة ولذلك قطعت اللام علامة عليه

ومن ذلك ابن أم فى الأعراف مفصول على الأصل وفى طه يا ابن أم موصول لسر لطيف وهو أنه لما أخذ موسى برأس أخيه اعتذر إليه فناداه من قرب على الأصل الظاهر فى الوجود ولما تمادى ناداه بحرف النداء ينبهه لبعده عنه فى الحال لا فى المكان مؤكدا لوصلة الرحم بينهما بالربط فلذلك وصل فى الخط ويدل عليه نصب الميم ليجمعهما الاسم بالتعميم

ومن ذلك ستة أحرف لا توصل بما بعدها وهى الألف والواو والدال والذال والراء والزاى لأنها علامات لانفصالات ونهايات وسائر الحروف توصل فى الكلمة الواحدة

فصل

فى بعض حروف الإدغام

فمنه عن ما نهوا عنه فرد ظهر فيه النون وقطع عن الوصل لأن معنى ما عموم كلى تحته أنواع مفصلة فى الوجود غير متساوية فى حكم النهى عنها ومعنى عن المجاوزة للكلى مجاوزة لكل واحد من جزئياته ففصل علامة لذلك

وكذلك من ما ثلاثة أحرف مفصولة لا غير

فى النساء من ما ملكت أيمانكم وفى الروم هل لكم من ما ملكت أيمانكم وفى المنافقين وأنفقوا من ما رزقناكم

وحرف ما فى هذه كلها مقسم فى الوجود بأقسام منفصلة غير متساوية فى الأحكام وهى بخلاف قوله مما كتبت أيديهم فإنها وإن كان تحتها أقسام كثيرة فهى غير مختلفة فى وصفها بكتب أيديهم فهو نوع واحد يقال على معنى واحد من تلك الجهة هو فى إفراده بالسوية

وكذلك أم من بالفصل أربعة أحرف لا غير

فى النساء أم من يكون عليهم وكيلا وفى التوبة أم من أسس بنيانه وفى الصافات أم من خلقنا وفى السجدة أم من يأتي

فهذه الأربعة الأحرف من فيها تقسم فى الوجود بأنواع مختلفة فى الأحكام بخلاف غيرها مثل أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي فهذا موصول لأنه من نوع واحد حيث يمشى على صراط مستقيم وكذا أم من جعل الأرض قرارا لا تفاصيل تحتها فى الوجود

وكذلك عن من مفصول

حرفان فى النور عن من يشاء وفى النجم عن من تولى حرف من فيهما كلى وحرف عن للمجاوزة عن الكلى مجاوزة لجميع جزئياته دون العكس فلا وصلة بين الجزأين فى الوجود فلا يوصلان فى الخط

وكذلك ممن موصول كله لأن من بفتح الميم جزئى بالنسبة إلى ما فمعناه أزيد من جهة المفهوم ومعنى ما أزيد من جهة العموم والزائد من جهة المفهوم منفصل وجودا بالحصص والحصة منه لا تنفصل والزائد من جهة المفهوم لا ينفصل وجودا

وكذلك وإما نرينك بعض الذي نعدهم فى سورة الرعد فردة مفصولة ظهر فيها حرف الشرط فى الخط لوجهين أحدهما أن الجواب المرتب عليه بالفاء ظاهر فى موطن الدنيا وهو البلاغ بخلاف قوله فإما نرينك فإنه أخفى فيه حرف الشرط فى الخط لأن الجواب المرتب عليه بالفاء خفى عنا وهو الرجوع إلى الله والثانى أن القصة الأولى منفصلة من الشرط وجوابه وانقسم الجواب إلى جزأين أحدهما الترتيب بالفاء وهو البلاغ والثانى المعطوف عليه وهو الحساب وأحدهما فى الدنيا والآخر فى الآخرة والأول ظاهر لنا والثانى خفى عنا

وهذا الانقسام صحيح فى الوجود فقد انقسمت هذه الشرطية إلى شرطين لانفصال

جوابها إلى قسمين متغايرين ففصل حرف الشرط علامة لذلك وإذا انفصلت لزم كتبه على الوقف والشرطية الأخرى لا تنفصل بل هى واحدة لإيجاد جوابها فانفصال حرف الشرط علامة لذلك

وكذلك فإن لم يستجيبوا لك فرد فى القصص ثابت النون وفى هود فإن لم يستجيبوا لكم فرد بغير نون أظهر حرف الشرط فى الأول لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو فاعلم متعلق بشىء ملكوتى ظاهر سفلى وهو اتباعهم أهواءهم وأخفى فى الثانى لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو علم متعلق بشىء ملكوتى خفى علوى وهو إنزال القرآن بالعلم والتوحيد

ومن ذلك أن لن كله مفصول إلا حرفان ألن نجعل لكم موعدا فى الكهف ألن نجمع عظامه فى القيامة سقطت النون منهما فى الخط تنبيها على أن ما زعموا وحسبوا هو باطل فى الوجود وحكم ما ليس بمعلوم نسبوه إلى الحى القيوم فأدغم حرف توكيدهم الكاذب فى حرف النفى السالب هو بخلاف قوله زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا فهؤلاء لم ينسبوا ذلك لفاعل إذ ركب الفعل لما لم يسم فاعله وأقيموا فيه مقام الفاعل فعدم بعثهم تصوروه من أنفسهم وحكموا به عليها توهما فهو كاذب من حيث حكموا به على مستقبل الآخرة ولكونه حقا بالنسبة إلى دار الدنيا الظاهرة ثبت التوكيد ظاهرا وأدغم فى حرف النفى من حيث الفعل المستقبل الذى هو فيه كاذب

@ 427

ومن ذلك كل ما فى القرآن أن لا فهو موصول إلا عشرة مواضع فهى مفصولة تكتب النون فيها باتفاق وذلك حيث ظهر فى الوجود صحة توكيد القضية ولزومها

أولها فى الأعراف أن لا أقول على الله إلا الحق و أن لا يقولوا على الله إلا الحق

و أن لا ملجأ من الله فى التوبة

وأن لا إله إلا هو و أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف فى هود

و أن لا تشرك بي شيئا فى الحج

و أن لا تعبدوا الشيطان فى يس

و وأن لا تعلوا على الله فى الدخان

و أن لا يشركن بالله شيئا فى الممتحنة

و أن لا يدخلنها فى القلم

وواحد فيه خلاف أن لا إله إلا أنت فى الأنبياء

فتأمل كيف صح فى الوجود هذا التوكيد الأخير فلم يدخلها عليهم مسكين على غير ما قصدوا وتخيلوا فيه

وكذلك لام التعريف المدغمة فى اللفظ فى مثلها أو غيرها لما كانت للتعريف وشأن المعرف أن يكون أبين وأظهر لا أخفى وأستر ظهرت فى الخط ووصلت بالكلمة لأنها صارت جزءا منها حيث هى معرفة بها هذا هو الأصل وقد حذف حيث يخفى معنى الكلمة مثل اليل فإنه بمعنى مظلم لا يوضح الأشياء بل يسترها ويخفيها وكونه واحدا إما للجزئى أو للجنس فأخفى حرف تعريفه فى مثله فإن تعين للجزئى بالتأنيث رجع إلى الأصل ومثل الذى والتى وتثنيتهما وجمعهما فإنه مبهم فى المعنى والكم لأن أول حده للجزئى وللجنس للثلاث أو غيرها ففيه ظلمة الجهل كالليل ومثل الئى فى الإيجاب فإن لام التعريف دخلت على لا النافية وفيها ظلمة العدم كالليل ففى هذه الظلمات الثلاث يخفى حرف التعريف

وكذلك الأيكة نقلت حركة همزتها على لام التعريف وسقطت همزة الوصل لتحريك اللام وحذفت ألف عضد الهمزة ووصل اللام فاجتمعت الكلمتان فصارت ليكه علامة على اختصار وتلخيص وجمع فى المعنى وذلك فى حرفين أحدهما فى الشعراء جمع فيه قصتهم مختصرة وموجزة فى غاية البيان وجعلها جملة فهى آخر قصة فى السورة بدليل قوله إن في ذلك لآية فأفردها والثانى فى ص جمع الأمم فيها بألقابهم وجعلهم جهة واحدة هم آخر امة فيها ووصف الجملة قال تعالى أولئك الأحزاب وليس الأحزاب وصفا لكل منهم بل هو وصف جميعهم

وجاء بالانفصال على الأصل حرفان نظير هذين الحرفين أحدهما فى الحجر وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين أفردهم بالذكر والوصف والثانى فى ق وأصحاب الأيكة جمعوا فيه مع غيرهم ثم حكم على كل منهم لا على الجملة قال تعالى كل كذب الرسل فحيث يعتبر فيهم التفضيل فصل لام التعريف وحيث يعتبر فيهم التوصيل وصل للتخفيف

وكذلك لاتخذت عليه أجرا حذفت الألف ووصلت لأن العمل فى الجدار قد حصل فى الوجود فلزم عليه الأجر واتصل به حكما بخلاف لاتخذوك خليلا ليس فيه وصلة اللزوم

فصل

فى حروف متقاربة تختلف فى اللفظ

لاختلاف المعنى

مثل وزاده بسطة في العلم والجسم وزادكم في الخلق بسطة يبسط الرزق لمن يشاء والله يقبض ويبسط فبالسين السعة الجزئية كذلك علة التقييد وبالصاد السعة الكلية بدليل علو معنى

الإطلاق وعلو الصاد مع الجهارة والإطباق

وكذلك فأتوا بسورة في أي صورة

فضرب بينهم بسور ونفخ في الصور فبالسين ما يحصر الشىء خارجا عنه وبالصاد ما تضمنه منه

وكذلك يعلم ما يسرون وكانوا يصرون فبالسين من السر وبالصاد من التمادى

وكذلك يسحبون في النار و منا يصحبون فبالسين من الجر وبالصاد من الصحبة

وكذلك نحن قسمنا بينهم وكم قصمنا بالسين تفريق الأرزاق والإنعام وبالصاد تفريق الإهلاك والإعدام

وكذلك وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة بالضاد منعمة بما تشتهيه الأنفس وبالظاء منعمة بما تلذ الأعين وهذا الباب كثير يكفى فيه اليسير

فصل

فى كتابة فواتح السور

كتبوا آلم و آلمر و آلر موصولا

إن قيل لم وصلوه والهجاء مقطع لا ينبغى وصله لأنه لو قيل لك ما هجاء زيد قلت زاى ياء دال وتكتبه مقطعا لتفرق بين هجاء الحروف وقراءته

قيل إنما وصلوه لأنه ليس هجاء لاسم معروف وإنما هى حروف اجتمعت يراد بكل حرف معنى

فإن قيل لم قطعوا حم عسق ولم يقطعوا آلمص و كهيعص

قيل حم قد جرت فى أوائل سبع سور فصارت اسما للسور فقطعت مما قبلها

وجوزوا فى ق والقرآن و ص والقرآن وجهين من جزمهما فهما حرفان ومن كسر آخرهما فعلى أنه أمر كتب على لفظهما

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر