الجزء ١ — ص ٤١٢–٤٢١
والمائدة وفى إبراهيم موضعان والنحل ثلاثة مواضع وفى لقمان وفاطر والطور
والحكمة فيها ما ذكرنا أن الحاصلة بالفعل فى الوجود تمد نحو قوله فى إبراهيم وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها بدليل قوله إن الإنسان لظلوم كفار فهذه نعمة متصلة بالظلوم الكفار فى تنزيلهما وهذا بخلاف التى فى سورة النحل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها كتبت مقبوضة لأنها بمعنى الاسم بدليل قوله إن الله لغفور رحيم فهذه نعمة وصلت من الرب فهى ملكوتية ختمها باسمه عز وجل وختم الأولى باسم الإنسان
ومن ذلك الكلمة مقبوضة إلا فى موضع فى الأعراف وتمت كلمة ربك الحسنى هو ما تم لهم فى الوجود الأخروي بالفعل الظاهر دليله فى الملك وهو
الاختلاف وتمامها أن لها نهاية تظهر فى الوجود بالفعل فمدت التاء
ومنها السنة مقبوضة إلا فى خمسة مواضع حيث تكون بمعنى الإهلاك والانتقام الذى فى الوجود
أحدها فى الانفال فقد مضت سنة الأولين ويدل عليها أنها من الانتقام قوله قبلها إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقوله بعدها وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة
وفى فاطر فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ويدلك على أنها بمعنى الانتقام قوله تعالى قبلها ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وسياق ما بعدها
وفى المؤمن فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله أما إذا كانت السنة بمعنى الشريعة والطريقة فهى ملكوتية بمعنى الاسم تقبض تاؤها كما فى الأحزاب سنة الله في الذين خلوا من قبل أى حكم الله وشرعه
وفى الاسراء سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا
ومنه بقية الله فرد مدت تاؤه لأنه بمعنى ما يبقى فى أموالهم من الربح المحسوس لأن الخطاب إنما هو فيها من جهة الملك
ومنه فطرة الله فرد وصفها بأنها فطر الناس عليها فهى فصل خطاب فى الوجود كما جاء كل مولود يولد على الفطرة الحديث
ومنه قرة عين لي ولك فرد مدت تاؤه لأنه بمعنى الفعل إذ هو خبر عن موسى وهو موجود حاضر فى الملك وهذا بخلاف قرة أعين فإنه هنا بمعنى الاسم وهو ملكوتى إذ هو غير حاضر
ومنه ومعصية الرسول مدت فى موضعين فى سورة المجادلة لأن معناها الفعل والتقدير ولا تتناجوا بأن تعصوا الرسول ونفس هذا النجو الواقع منهم فى الوجود هو فعل معصية لوقوع النهى عنه
ومنه اللعنة مدت فى موضعين فى آية المباهلة وفى آية اللعان وكونهما بمعنى الفعل ظاهر
ومنه الشجرة فى موضع إن شجرة الزقوم لأنها بمعنى الفعل اللازم وهو تزقمها بالأكل بدليل قوله تعالى في البطون فهذه صفة فعل كما فى الواقعة لآكلون من شجر من زقوم وهذا بخلاف قوله أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم
فإن هذه وصفها بأنها فتنة للظالمين وأنها شجرة تخرج في أصل الجحيم فهو حلية للاسم فلذلك قبضت تاؤها
ومنه الجنة مدت فى موضع واحد فى الواقعة وجنة نعيم لكونها بمعنى فعل التنعم بالنعيم بدليل اقترانها بالروح والريحان وتأخرها عنهما وهما من الجنة فهذه جنة خاصة بالمنعم بها وأما من ورثة جنة النعيم و أن يدخل جنة نعيم فإن هذا بمعنى الاسم الكلى
ولم تمد وتصلية جحيم لأنها اسم ما يفعل بالمكذب فى الآخرة أخبرنا الله بذلك فالمؤمن يعلمه تصديقا ولا يحذف لفعل أبدا والضابط لذلك أن ما كان بمعنى الاسم لم تمد تاؤه مثل زهرة الحياة الدنيا و صبغة الله و زلزلة الساعة و تحلة أيمانكم و رحلة الشتاء والصيف و حمالة الحطب
ومنه ومريم ابنة عمران مدت التاء تنبيها على معنى الولادة والحدوث من النطفة المهينة ولم يضف فى القرآن ولد إلى الد ووصف به اسم الولد إلا عيسى وأمه عليهما السلام لما اعتقد النصارى فيهما أنهما إلهان فنبه سبحانه بإضافتهما الولادية على جهة حدوثهما بعد عدمهما حتى أخبر تعالى فى موطن بصفة
الإضافة دون الموصوف وقال وجعلنا ابن مريم وأمه آية لما غلوا فى إلاهيته أكثر من أمه كما نبه تعالى على حاجتهما وتغير أحوالهما فى الوجود بلحقهما ما يلحق البشر قال الله تعالى كانا يأكلان الطعام
ومنه امرأة هى فى سبعة مواضع وهى خمس من النساء امرأت عمران و امرأت فرعون وامرأت نوح وامرأت لوط وامرأت العزيز كلها ممدودة تنبيها على فعل التبعل الصحبة وشدة المواصلة والمخالطة والائتلاف فى الموجود والمحسوس وأربع منهن منفصلات فى بواطن أمرهن عن بعولتهن بأعمالهن وواحدة خاصة واصلت بعلها باطنا وظاهرا وهى امرأت عمران فجعل الله لها ذرية طيبة وأكرمها بذلك وفضلها على العالمين وواحدة من الأربع انفصلت بباطنها عن بعلها طاعة لله وتوكلا عليه وخوفا منه فنجاها وأكرمها وهى امرأت فرعون واثنتان منهن انفصلتا عن أزواجهما كفرا بالله فأهلكهما الله ودمرهما ولم ينتفعا بالوصلة الظاهرة مع أنها أقرب وصلة بأفضل أحباب الله كما لم تضر امرأت فرعون وصلتها الظاهرة بأخبث عبيد الله وواحدة انفصلت عن بعلها بالباطن اتباعا للهوى وشهوة نفسها فلم تبلغ من ذلك مرادها مع تمكنها من الدنيا واستيلائها على ما مالت إليه بحبها وهو فى بيتها وقبضتها فلم يغن ذلك عنها شيئا وقوتها وعزتها إنما كانا لها من بعلها العزيز ولم ينفعها ذلك فى الوصول إلى إرادتها مع عظيم كيدها كما لم يضر يوسف ما امتحن به منها ونجاه الله من السجن ومكن له فى الأرض وذلك بطاعته لربه ولا سعادة إلا بطاعة الله ولا شقاوة إلا بمعصيته فهذه كلها عبر وقعت بالفعل فى الوجود فى شأن كل امرأة منهن فلذلك مدت تاءاتهن
فصل
فى الفصل والوصل
اعلم أن الموصول فى الوجود توصل كلماته فى الخط كما توصل حروف الكلمة الواحدة والمفصول معنى فى الوجود يفصل فى الخط كما تفصل كلمة عن كلمة
فمنه إنما بالكسر كله موصول إلا واحدا إن ما توعدون لآت لأن حرف ما هنا وقع على مفصل فمنه خير موعود به لأهل الخير ومنه شر موعود به لأهل الشر فمعنى ما مفصول فى الوجود والعلم
ومنه أنما بالفتح كله موصول إلا حرفان وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن ما يدعون من دونه الباطل وقع الفصل عن حرف التوكيد إذ ليس لدعوى غير الله وصل فى الوجود إنما وصلها فى العدم والنفى بدليل قوله تعالى عن المؤمن أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة فوصل أنما فى النفى وفصل فى الإثبات لا لانفصاله عن دعوة الحق
ومنه كلما موصول كله إلا ثلاثة
فى النساء كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فما ردوا إليه ليس شيئا واحدا فى الوجود بل أنواع مختلفة فى الوجود وصفة مردهم ليست واحدة بل متنوعة فانفصل ما لأنه لعموم شىء مفصل فى الوجود
وفى سورة إبراهيم وآتاكم من كل ما سألتموه فحرف ما واقع على أنواع مفصلة فى الوجود
وفى قد أفلح كل ما جاء أمة رسولها كذبوه والأمم مختلفة فى الوجود فحرف ما وقع على تفاصيل موجودة لتفصل
وهذا بخلاف قوله كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون فإن هؤلاء هم بنو إسرائيل أمة واحدة بدليل قوله فلم تقتلون أنبياء الله والمخاطبون على عهد النبى صلى الله عليه وسلم لم يقتلوا الأنبياء إنما باشره آباؤهم لكن مذهبهم فى ذلك واحد فحرف ما إنما يشمل تفاصيل الزمان وهو تفصيل لا مفصل له فى الوجود إلا بالفرض والتوهم لا بالحس فوصلت كل لاتصال الأزمنة فى الوجود وتلازم أفرادها المتوهمة
وكذلك كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا هذا موصول لأن حرف ما جاء لتعميم الأزمنة فلا تفصيل فيها فى الوجود وما رزقوا هو غير مختلف لقوله تعالى وأتوا به متشابها
ومنه أينما موصول إذا كانت ما غير مختلفة الأقسام فى الفعل الذى بعدها مثل أينما يوجهه فأينما تولوا أينما ثقفوا أخذوا أينما تكونوا يدرككم الموت فهذه كلها لم تخرج عن الأين الملكى وهو متصل حسا ولم يختلف فيه الفعل الذى مع ما وتفصل أين حيث تكون ما مختلفة الأقسام فى الوصف الذى بعدها مثل أين ما كنتم تعبدون وهو معكم أين ما كنتم أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس
ومنه بئسما موصول إلا ثلاثة أحرف اثنان فى البقرة بئسما اشتروا به أنفسهم بئسما يأمركم به إيمانكم وفى الأعراف بئسما خلفتموني
فحرف ما ليس فيه تفصيل لأنه بمعنى واحد فى الوجود من جهة كونه باطلا مذموما على خلاف حال ما فى المائدة وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون فحرف ما يشتمل على الأقسام الثلاثة التى ذكرت قبل وكذلك لبئس ما قدمت لهم أنفسهم حرف ما مفصول لأنه يعمل ما بعده من الأقسام
ومنه يوم هم على النار يفتنون
يوم هم بارزون حرفان فصل الضمير منهما لأنه مبتدأ وأضيف اليوم إلى الجملة المنفصلة عنه
و يومهم الذي فيه يصعقون و يومهم الذي يوعدون وصل الضمير لأنه مفرد فهو جزء الكلمة المركبة من اليوم المضاف والضمير المضاف إليه
ومنه فى ما مفصول أحد عشر حرفا
فى البقرة في ما فعلن في أنفسهن من معروف وذلك لأن ما يقع على فرد واحد من أنواع ينفصل بها المعروف في الوجود [ و ] على البدلية أو الجمع يدل على ذلك تنكيره المعروف ودخول حرف التبعيض عليه فهو حسى يقسم وحرف ما وقع على كل واحد منهما على البدلية أو الجمع وأما قوله فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف فهذا موصول لأن ما واقعة على شىء واحد غير مفصل يدلك عليه وصفه بالمعروف
وكذلك في ما اشتهت أنفسهم خالدون وهو مفصول لأن شهوات الأنفس مختلفة أو مفصلة فى الوجود كذلك فتدبره فى سائرها
ومنه لكيلا موصول فى ثلاثة مواضع وباقيها منفصل وإنما يوصل حيث يكون حرف النفى دخل على معنى كلى فيوصل لأن نفى الكلى نفى لجميع جزئياته فعلة نفيه هى علة نفى أجزائه وليس للكلى المنفى أفراد فى الوجود وإنما
@ 421 ذلك فيه بالتوهم ويفصل حيث يكون حرف النفى دخل على جزئى فإن نفي الجزئى لا يلزم منه نفى الكلى فلا تكون علته علة نفى الجمع
لكيلا يعلم من بعد علم شيئا فى الحج وفى الأحزاب لكيلا يكون عليك حرج وفى الحديد لكي لا تأسوا على ما فاتكم
فهذه هى الموصولة وهى بخلاف لكي لا يعلم بعد علم شيئا فى النحل لأن الظرف فى هذا خاص الاعتبار وهو فى الأول عام الاعتبار لدخول من عليه وهذا كقوله تعالى عن أهل الجنة إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين اختص المظروف بقبل فى الدنيا ففيها كانوا مشفقين خاصة وقال تعالى إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم فهذا الظرف عام لدعائهم بذلك فى الدنيا والآخرة فلم يختص المظروف بقبل بالدنيا
وكذلك لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا فهذا المنفى هو حرج مقيد بظرفين
وكذلك كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم فهذا النفى هو كون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولة بين الأغنياء من المؤمنين وهذه قيود كثيرة
ومن ذلك هم ونحوه من الضمائر تدل على جملة المسمى من غير تفصيل والإضمار حال لا صفة وجود فلا يلزمها التقسيم الوجودى إلا الوهمى الشعرى والخطأ بما يرسم على العلم الحق
ومن ذلك مال أربعة أحرف مفصولة وذلك أن اللام وصلة إضافية فقطعت حيث تقطع الإضافة فى الوجود
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر