علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٤١ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٤٠٢–٤١١

وكذلك فيقول ربي أكرمن ربي أهانن هذا الإنسان يعتبر منزلته عند الله فى الملكوت بما يبتليه فى الدنيا وهذا من الإنسان خطأ لأن الله تعالى يبتلى الصالح والطالح لقيام حجته على خلقه

والقسم الثانى من الضرب الأول إذا كانت الياء لام الكلمة سواء كانت فى الاسم أو الفعل نحو أجيب دعوة الداع حذفت تنبيها على المخلص لله الذى قلبه ونهايته فى دعائه فى الملكوت والآخرة لا فى الدنيا

وكذلك الداع إلى شيء نكر هو داع ملكوتى من عالم الآخرة

وكذلك يوم يأت هو إتيان ملكوتى أخروى آخره متصل بما وراءه من الغيب

وكذلك المهتد

وكذلك والباد حذف لأنه على غير حال الحاضر الشاهد وقد جعل الله لها سرا

وكذلك كالجواب من حيث التشبيه فإنه ملكوتى إذ هو صفة تشبيه لا ظهور لها فى الإدراك الملكى

وكذلك يوم التلاق و التناد كلاهما ملكوتى أخروى

وكذلك والليل إذا يسر وهو السرى الملكوتى الذى يستدل عليه بآخره من جهة الانقضاء أو بمسير النجوم

وكذلك ومن آياته الجوار تعتبر من حيث هى آية يدل ملكها على ملكوتها فآخرها بالاعتبار يتصل بالملكوت بدليل قوله إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد

وكذلك حذف ياء الفعل من يحيى إذا انفردت وثبتت مع الضمير مثل / < من يحى العظام > / قل يحييها لأن حياة الباطن أظهر فى العلم من حياة الظاهر وأقوى فى الإدراك

الضرب الثانى الذى تسقط فيه الياء فى الخط والتلاوة فهو اعتبار غيبة عن باب الإدراك جملة واتصاله بالإسلام لله فى مقام الإحسان وهو قسمان منه ضمير المتكلم ومنه لام الفعل

فالأول إذا كانت الياء ضمير المتكلم فإنها إ ن كانت للعبد فهو الغائب وإن كانت للرب فالغيبة للمذكور معها فإن العبد هو الغائب عن الإدراك فى ذلك كله فهو فى هذا المقام مسلم مؤمن بالغيب مكتف بالأدلة فيقتصر فى الخط لذلك على نون الوقاية والكسرة ومنه من جهة الخطاب به الحوالة على الاستدلال بالآيات دون تعرض لصفة الذات ولما كان الغرض من القرآن جهة الاستدلال واعتبار الآيات وضرب المثال دون التعرض لصفة الذات كما قال ويحذركم الله نفسه وقال فلا تضربوا لله الأمثال

كان الحذف فى خواتم الآى كثيرا مثل فاتقون فارهبون وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وما أريد أن يطعمون وهو كثيرا جدا

وكذلك ضمير العبد مثل إن يردن الرحمن غائب عن علم إرادته الرحمن إنما علمه بها تسليما وإيمانا برهانيا

وكذلك قوله فى العقود فلا تخشوا الناس واخشون الناس كلى لا يدل على ناس بأعيانهم ولا موصوفين بصفة فهم كلى ولا يعلم الكلى من حيث هو كلى بل من حيث أثر البعض فى الإدراك ولا يعلم الكلى إلا من حيث هو أثر الجزئى فى الإدراك فالخشية هنا كلية لشىء غير معلوم الحقيقة فوجب أن يكون الله أحق بذلك فإنه حق وإن لم نحط به علما كما أمر الله سبحانه بذلك ولا يخشى غيره وهذا الحذف بخلاف ما جاء فى البقرة فلا تخشوهم واخشوني ضمير الجمع يعود على الذين ظلموا من الناس فهم بعض لا كل ظهروا فى الملك بالظلم فالخشية هنا جزئية فأمر سبحانه أن يخشى من جهة ما ظهر كما يجب ذلك من جهة ماستر

وكذلك حذفت الياء من فبشر عباد و قل يا عباد فإنه خطاب لرسوله عليه السلام على الخصوص فقد توجه الخطاب إليه فى فهمنا وغاب العباد كلهم عن علم ذلك فهم غائبون عن شهود هذا الخطاب لا يعلمونه إلا بوساطة الرسول

وهذا بخلاف قوله يا عباد لا خوف عليكم فإنها ثبتت لأنه خطاب لهم فى الاخرة غير محجوبين عنه جعلنا الله منهم إنه منعم كريم وثبت حرف النداء فإنه أفهمهم نداءه الأخروى في موطن الدنيا في يوم ظهورهم بعد موتهم وفي محل أعمالهم إلى حضورهم يوم ظهورهم الأخروى بعد موتهم وفى محل جزائهم

وكذلك يا عبادي الذين أسرفوا على ثبت الضمير وحرف النداء فى الخط فإنه دعاهم من مقام إسلامهم وحضرة امتثالهم إلى مقام إحسانهم ومثله يا عبادي الذين آمنوا فى العنكبوت فإنه دعاهم من حضرتهم فى مقام إيمانهم إلى حضرتهم ومقام إحسانهم إلى ما لا نعلمه من الزيادة بعد الحسنى

وكذلك سقطتا فى موطن الدعاء مثل رب اغفر لي حذفت الياء لعدم الإحاطة به عند التوجه إلى الله تعالى لغيبتنا نحن عن الإدراك وحذف حرف النداء لأنه أقرب إلينا من أنفسنا وأما قوله وقيله يا رب فأثبت حرف النداء لأنه دعا ربه من مرتبة حضوره معهم فى مقام الملك لقوله إن هؤلاء وأسقط حرف ضميره لمغيبه عن ذاته فى توجهه فى مقام الملكوت ورتبة إحسانه فى إسلامه

وكذلك فى مثل يا قوم دلالة على أنه خارج عنهم فى خطابه كما هو ظاهر فى الإدراك وإن كان متصلا بهم فى النسبة الرابطة بينهم فى الوجود العلوية من الدلائل

والقسم الثانى إذا كانت الياء لام الكلمة فى الفعل أو الاسم فإنها تسقط

من حيث يكون معنى الكلمة يعتبر من مبدئه الظاهر شيئا بعد شىء إلى ملكوتية الباطن إلى ما لا يدرك منه إلا إيمانا وتسليما فيكون حذف الياء منبها على ذلك وإن لم يكمل اعتباره فى الظاهر من ذلك الخطاب بحسب عرض الخطاب مثل وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما هو ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقد ابتدأ ذلك لهم فى الدنيا متصلا بالآخرة

وكذلك وإن الله لهاد الذين آمنوا حذفت لأنه يهديهم بما نصب لهم فى الدنيا من الدلائل والعبر إلى الصراط المستقيم برفع درجاتهم فى هدايتهم إلى حيث لا غاية قال الله تعالى ولدينا مزيد وكذلك وما أنت بهادي العمي فى الروم هذه الهداية هى الكلية على التفصيل بالتوالى التى ترقى العبد فى هدايته من الأرباب إلى ما يدركه العيان ليس ذلك للرسول عليه السلام بالنسبة إلى العيان ويدل على ذلك قوله قبلها فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها الآية فهذا النظر من عالم الملك ذاهبا فى النظر إلى عالم الملكوت إلى ما لا يدرك إلا إيمانا وتسليما وهذا بخلاف الحرف الذى فى النمل وما أنت بهادي العمي فثبتت الياء لأن هذه الهداية كلية كاملة بدليل قوله إنك على الحق المبين

وكذلك بالواد المقدس و الوادي الأيمن هما مبدأ التقديس

الذى وصفا به فانتقل التقديس واليمن منهما إلى الجمال ذاهبا بهما إلى ما لا يحيط بعلمه إلا الله

وكذلك وادي النمل هو موضع لابتداء سماع الخطاب من أخفض الخلق وهى النملة إلى أعلاهم وهو الهدهد والطير ومن ظاهر الناس وباطن الجن إلى قول العفريت إلى قول الذى عنده علم من الكتاب إلى ما وراء ذلك من هداية الكتاب إلى مقام الإسلام لله رب العالمين

وكذلك وله الجوار المنشآت في البحر سقطت الياء تنبيها على أنها لله من حق إنشائها بعد أن لم تكن إلى ما وراء ذلك مما لا نهاية له من صفاتها

وكذلك الجوار الكنس حذفت الياء تنبيها على أنها تجرى من محل اتصافها بالخناس إلى محل اتصافها بالكناس وذلك يفهم لأنه اتصف بالخناس عن حركة تقدمت كالنجوم الجارية داخل تحت معنى الكلمة

فصل

فى حذف النون

ويلحق بهذا القسم حذف النون الذى هو لام فعل فيحذف تنبيها على صغر مبدأ الشىء وحقارته وأن منه ينشأ ويزيد إلى ما لا يحيط بعلمه غير الله مثل ألم يك نطفة حذفت النون تنبيها على مهانة مبتدأ الإنسان وصغر قدره بحسب ما يدرك هو

من نفسه ثم يترقى فى أطوار التكوين فإذا هو خصيم مبين فهو حين كان نطفة كان ناقص الكون كذلك كل مرتبة ينتهى إليها كونه هى ناقصة الكون بالنسبة لما بعدها فالوجود الدنيوى كله ناقص الكون عن كون الاخرة كما قال الله تعالى وإن الدار الآخرة لهي الحيوان

كذلك وإن تك حسنة يضاعفها حذفت النون تنبيها على أنها وإن كانت صغيرة المقدار حقيرة فى الاعتبار فإن اليه ترتيبها وتضاعيفها ومثله إن تك مثقال حبة من خردل

وكذلك أولم تك تأتيكم رسلكم جاءتهم الرسل من أقرب شىء فى البيان الذى أقل من مبدأ فيه وهو الحس إلى العقل إلى الذكر ورقوهم من أخفض رتبة وهى الجهل إلى أرفع درجة فى العلم وهي اليقين وهذا بخلاف قوله تعالى ألم تكن آياتي تتلى عليكم فإن كون تلاوة الآيات قد أكمل كونه وتم

وكذلك ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها هذا قد تم كونه

وكذلك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب هذا قد تم كونهم غير منفكين إلى تلك الغاية المجعولة لهم وهى مجىء البينة

وكذلك فلم يك ينفعهم إيمانهم انتفى عن إيمانهم مبدأ الانتفاع وأقله فانتفى أصله

فصل فيما كتبت الأف فيه واوا على لفظ التفخيم

وذلك فى أربعة أصول مطردة وأربعة أحرف متفرعة

فالأربعة الأصول هى الصلاة و الزكاة و الحياة و الربوا

والأربعة الأحرف قوله فى الأنعام والكهف بالغدوة والنور كمشكاة وفى المؤمن النجاة وفى النجم ومناة

فأما قوله وما كان صلاتهم إن صلاتي حياتنا الدنيا وما آتيتم من ربا فالرسم بالألف فى الكل

والقصد بذلك تعظيم شأن هذه الأحرف فإن الصلاة والزكاة عمودا الإسلام والحياة قاعدة النفس ومفتاح البقاء وترك الربا قاعدة الأمان ومفتاح التقوى ولهذا قال اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إلى قوله فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ويشتمل على أنواع الحرام وأنواع الخبائث وضروب المفاسد وهو نقيض الزكاة ولهذا قوبل بينهما فى قوله يمحق الله الربا ويربي الصدقات واجتنابه أصل فى التصرفات المالية وإنما كتبت بالألف

فى سورة الروم لأنه ليس العام الكلى لأن الكلى منفى فى حكم الله عليه بالتحريم وفى نفى الكلى نفى جميع جزئياته

فإن قلت فلم كتب الزكاة هنا بالواو وهلا جرت على نظم ما قبلها من قوله وما آتيتم من ربا

قلت لأن المراد بها الكلية فى حكم الله ولذلك قال فأولئك هم المضعفون

وأما كتاب النجاة بالواو فلأنها قاعدة الطاعات ومفتاح السعادات قال الله تعالى ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة

وأما الغدوة فقاعدة الأزمان ومبدأ تصرف الإنسان مشتقة من الغدو

وأما المشكوة فقاعدة الهداية ومفتاح الولاية قال الله تعالى يهدي الله لنوره من يشاء

وأما منوة فقاعدة الضلال ومفتاح الشرك والإضلال وقد وصفها الله بوصفين أحدهما يدل على تكثيرهم الإله من مثنى ومثلث والثانى يدل على الاختلاف والتغاير فمن معطل ومشبه تعالى الإله عما يقولون

فصل

فى مد الياء وقبضها

وذلك أن هذه الأسماء لما لازمت الفعل صار لها اعتباران أحدهما من حيث هى

أسماء وصفات وهذا تقبض منه التاء والثانى من حيث أن يكون مقتضاها فعلا وأثرا ظاهرا فى الوجود فهذا تمد فيه كما تمد فى قالت وحقت وجهة الفعل والأمر ملكية ظاهرة وجهة الاسم والصفة ملكوتية باطنة

فمن ذلك الرحمة مدت فى سبعة مواضع للعلة المذكورة

بدليل قوله فى أحدها إن رحمة الله قريب من المحسنين فوضعهما على التذكير فهو الفعل

وكذلك فانظر إلى آثار رحمة الله والأثر هو الفعل ضرورة

والثالث أولئك يرجون رحمة الله

والرابع فى هود رحمة الله وبركاته

و الخامس ذكر رحمة ربك

والسادس أهم يقسمون رحمة ربك

والسابع ورحمة خير مما يجمعون

ومنه النعمة بالهاء إلا فى أحد عشر موضعا مدت بها

فى البقرة واذكروا نعمة الله عليكم فى آل عمران

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر