علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٤٠ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٣٩٢–٤٠١

فبالألف كطالوت وجالوت ويأجوج ومأجوج وشبهها

واختلفت المصاحف فى أربعة هاروت وماروت وهامان وقارون فأما داود فلا خلاف فى رسمه بالألف لأنهم قد حذفوا منه واوا فلم يجحفوا بحذف ألف أخرى ومثله إسرائيل ترسم بالألف فى أكثر المصاحف لأنه حذف منه الياء

وكذلك اتفقوا على حذف الألف فى جمع السلامة مذكرا كان كالعلمين والصبرين والصدقين أو مؤنثا كالمسلمت والمؤمنت والطيبت والخبيثت فإن جاء بعد الألف همزة أو حرف مضعف ثبتت الألف نحو السائلين والصائمين والظانين والضالين وحافين ونحوه

قال أبو العباس وقد تكون الصفة ملكوتية روحانية وتعتبر من جهة مرتبة سفلى ملكية هى أظهر فى الاسم فتثبت الألف كالأواب والخطاب والعذاب و أم كنت من العالين و الوسواس الخناس

وقد تكون ملكية وتعتبر من جهة عليا ملكوتية هى أظهر فى الاسم فتحذف الألف كالمحرب ولأجل هذا التداخل يغمض ذلك فيحتاج إلى تدبر وفهم

ومنه ما يكون ظاهر الفرقان كالأخير والأشرار تحذف من الأول دون الثانى

ومنه ما يخفى كالفراش ويطعمون الطعام فالفراش محسوس والطعام ثابت ووزنهما واحد وهما جسمان لكن يعتبر فى الأول مكان التشبيه فإن التشبيه محسوس وصفة التشبيه غير محسوس فالمشبه به غير محسوس في حالة الشبه إذ جعل جزءا من صفة المشبه به من حيث هو مستفرش مبثوث لا من حيث هو جسم وأما الطعام فهو المحسوس المعطى للمحتاجين

وكذلك وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم ثبتت الألف فى الأول لأنه سفلى بالنسبة إلى طعامنا لمكان التشديد عليهم فيه وحذفت من الثانى لأنه علوى بالنسبة إلى طعامهم لعلو ملتنا على ملتهم

وكذلك كانا يأكلان الطعام فحذفت لعلو هذا الطعام

وكذلك وغلقت الأبواب غلقت فيه التكثير فى العمل فيدخل به أيضا ما ليس بمحسوس من أبواب الاعتصام فحذفت الألف لذلك ويدل عليه واستبقا الباب وألفيا سيدها لدى الباب فأفرد الباب المحسوس من أبواب الاعتصام

وكذلك وفتحت أبوابها محذوف لأنها من حيث فتحت ملكوتية علوية و مفتحة لهم الأبواب ملكية من حيث هى لهم فثبتت الألف و قيل ادخلوا أبواب جهنم ثابتة لأنها من جهة دخولهم محسوسة سفلية وكذلك سبعة أبواب من حيث حصرها العدد فى الوجود ملكية فثبتت الألف

وكذلك الجراد والضفدع الأول ثابت فهو الذى فى الواحدة المحسوسة والثانى محذوف لأنه ليس فى الواحدة المحسوسة والجمع هنا ملكوتى من حيث هو آية

وكذلك / < أن نبدل أمثلكم > / حذفت لأنها أمثال كلية لم يتعين فيها للفهم جهة التماثل و كأمثال اللؤلؤ ثابت الألف لأنه تعين للفهم جهة التماثل وهو البياض والصفاء / < كذلك يضرب الله للناس أمثلهم > / حذفت للعموم و انظر كيف ضربوا لك الأمثال ثابت فى الفرقان لأنها المذكورة حسية مفصلة ومحذوفة فى الإسراء لأنها غير مفصلة باطنة

وكذلك / < فإذا نفخ فى الصور نفخة وحدة > / و / < دكتا دكة واحدة > / الأولى محذوفة لأنها روحانية لا تعلم إلا إيمانا والثانية ثابتة جسمانية يتصور أمثالها من الهوى

وكذلك ألف / < كتبيه > / محذوفة لأنه ملكوتى وألف حسابيه ثابتة لأنها ملكية وهما معا فى موطن الآخرة

وكذلك / < القضية > / ملكوتية / < وماليه > / ملكى محسوس فحذف الأول وثبت الثانى

وكذلك / < ولما برزوا لجلوت > / حذف لأنه الاسم وقتل داود جالوت ثبت لأنه مجسد محسوس فحذف الأول وثبت الثانى

وكذلك / < سبحن > / حذفت لأنه ملكوتى إلا حرفا واحدا واختلف فيه قل سبحان ربي فمن أثبت الألف قال هذا تبرئة من مقام الإسلام وحصره الأجسام صدر به مجاوبة للكفار فى مواطن الرد والإنكار ومن أسقط فلعلو حال المصطفى صلى الله عليه وسلم لا يشغله عن الحضور تقلبه فى الملكوت الخطاب فى الملك وهو أولى الوجهين

وكذلك / < لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة > / ثبتت ألف ثالث لأنهم جعلوه أحد ثلاثة مفصلة فثبتت الألف علامة لإظهارهم التفصيل فى الإله تعالى الله عن قولهم وحذفت ألف / < ثلثة > / لأنه أسم العدد الواحد من حيث هو كلمة واحدة

وكذلك وما من إله إلا إله واحد حذفت من إله وثبتت فى واحد ألفه لأنه إله فى ملكوته تعالى عن أن تعرف صفته بإحاطة الإدراك واحد فى ملكه تنزه بوحدة أسمائه عن الاعتضاد والاشتراك هذا من جهة إدراكنا وأما من جهة ما هى عليه الصفة فى نفسها فلا يدرك ذلك بل يسلم علمه إلى الله تعالى فتحذف

وكذلك سقطت الألف الزائدة لتطويل هاء التنبيه فى النداء فى ثلاثة أحرف

/ < أية المؤمنون > / و / < أية الساحر > / و / < أية الثقلان > / والباقى بإثبات الألف والسر فى سقوطها فى هذه الثلاثة الإشارة إلى معنى الانتهاء إلى غاية ليس وراءها فى الفهم رتبة يمتد النداء إليها وتنبيه على الاقتصار والاقتصاد من حالهم والرجوع إلى ما ينبغى

وقوله وتوبوا إلى الله جميعا يدل على أنهم كل المؤمنين على العموم والاستغراق فيهم وقوله تعالى حكاية عن فرعون إن هذا لساحر عليم وقول فرعون إنه لكبيركم الذي علمكم السحر يدل على عظم علمه عندهم ليس فوقه أحد وقوله / < سنفرغ لكم أية الثقلان > / فإقامة الوصف مقام الموصوف يدل على عظم الصفة الملكية فإنها تقتضى جميع الصفات الملكوتية والجبروتية فليس بعدها رتبة أظهر فى الفهم على ما ينبغى لهم من الرجوع إلى اعتبار آلاء الله فى بيان النعم ليشكروا وبيان النقم ليحذروا

وكذلك حذفت الألف الآتية لمد الصوت بالنداء مثل يقوم يا عباد لأنها زائدة للتوصل بين المرتبتين وذلك أمر باطن ليس بصفة محسوسة فى الوجود

قال أبو عمرو كل ما فى القرآن من ذكر آيتنا فبغير الألف إلا فى موضعين فى بآياتنا و آياتنا بينات

وكل ما فيه من ذكر أيها فبالألف إلا في ثلاثة مواضع محذوفة الألف في النور / < أيه المؤمنون > / وفي الزخرف / < يأيه الساحر > / وفي الرحمن / < أيه الثقلان > /

وكل ما فيه من ساحر فبغير الألف إلا في واحد في الذاريات وقال ساحر أو مجنون

القسم الثانى حذف الواو

الثانى حذف الواو اكتفاء بالضمة قصدا للتخفيف فإذا اجتمع واوان والضم فتحذف الواو التى ليست عمدة وتبقى العمدة سواء كانت الكلمة فعلا مثل ليسوؤوا وجوهكم أو صفة مثل مثل الموءدة وليؤس والغاون أو اسما مثل داود إلا أن ينوى كل واحد منهما فتثبتان جميعا مثل تبوءوا فإن الواو الأولى تنوب عن حرفين لأجل الإدغام فنوبت فى الكلمة والواو الثانية ضمير الفاعل فثبتا جميعا

وقد سقطت من أربعة أفعال تنبيها على سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل وشدة قبول المنفعل المتأثر به فى الوجود

أولها سندع الزبانية فيه سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش

وهو وعيد عظيم ذكر مبدؤه وحذف آخره ويدل عليه قوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر

وثانيها ويمح الله الباطل حذفت منه الواو علامة على سرعة الحق وقبول الباطل له بسرعة بدليل قوله إن الباطل كان زهوقا وليس يمح معطوفا على يختم الذى قبله لأنه ظهر مع / < يمح > / الفاعل وعطف على الفعل ما بعده وهو ويحق الحق

قلت إن قيل لم رسم الواو فى يمحو الله ما يشاء ويثبت وحذفت فى ويمح الله الباطل

قلت لإن الإثبات الأصل وإنما حذفت فى الثانية لأن قبله مجزوم وإن لم يكن معطوفا عليه لأنه قد عطف عليه ويحق وليس مقيدا بشرط ولكن قد يجىء بصورة العطف على المجزوم وهذا أقرب من عطف الجوار فى النحو والله أعلم

وثالثها ويدع الإنسان بالشر حذف الواو يدل على أنه سهل عليه ويسارع فيه كما يعمل فى الخير وإتيان الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير

ورابعها يوم يدع الداع حذف الواو لسرعة الدعاء وسرعة الإجابة

القسم الثالث حذف الياء

الثالث حذف الياء اكتفاء بالكسرة نحو فارهبون فاعبدون

قال أبو العباس الياء الناقصة فى الخط ضربان ضرب محذوف فى الخط ثابت فى التلاوة وضرب محذوف فيهما

فالأول هو باعتبار ملكوتى باطن وينقسم قسمين

ما هو ضمير المتكلم وما هو لام الكلمة

فالأول إذا كانت الياء ضمير المتكلم مثل فكيف كان عذابي ونذر ثبتت الياء الأولى لأنه فعل ملكوتى وكذلك فما آتاني الله خير مما آتاكم حذفت الياء لاعتبار ما آتاه الله من العلم والنبوة فهو المؤتى الملكوتى من قبل الآخرة وفى ضمنه الجسمانى للدنيا لأنه فان والأول ثابت

وكذلك فلا تسألن ما ليس لك به علم وعلم هذا المسئول غيب ملكوتى بدليل قوله ما ليس لك به علم فهو بخلاف قوله فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا لأن هذا سؤال عن حوادث الملك فى مقام الشاهد كخرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار

وكذلك أجيب دعوة الداع إذا دعان فحذف الضمير فى الخط

دلالة على الدعاء الذى من جهة الملكوت بإخلاص الباطن

وكذلك أسلمت وجهي لله ومن اتبعن هو الاتباع العلمى فى دين الله بالجوارح المقصود بها وجه الله وطاعته

وكذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ثبتت الياء فى المقام لاعتبار المعنى من جهة الملك وحذفت من الوعيد لاعتباره ملكوتيا فخاف المقام من جهة ما ظهر للأبصار وخاف الوعيد من جهة إيمانه بالأخبار

وكذلك لئن أخرتن إلى يوم القيامة هو التأخير بالمؤاخذة لا التأخير الجسمى فهو بخلاف قوله لولا أخرتني إلى أجل قريب لأن هذا تأخير جسمى فى الدنيا الظاهرة

وكذلك عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا سياق الكلام فى أمور محسوسة والهداية فيه ملكوتية وقد هداه الله فى قصة الغار وهو فى العدد ثاني اثنين حتى خرج بدينه عن قومه بأقرب من طريق أهل الكهف حين خرجوا بدينهم عن قومهم وعدوهم على ما قص الله علينا فيه وهذه الهداي بخلاف ما قال موسى عسى ربي أن يهديني سواء السبيل فإنها هداية السبيل المحسوسة إلى مدين فى عالم الملك بدليل قوله ولما توجه تلقاء مدين

وكذلك على أن تعلمن مما علمت رشدا

وكذلك ولا تتبعان هو فى طريق الهداية لا فى مسير موسى إلى ربه بدليل

أفعصيت أمري ولم يأمره بالمسير الحسى إنما أمره أن يخلفه فى قومه ويصلح وهذا بخلاف قول هارون فاتبعوني وأطيعوا أمري فإنه اتباع محسوس فى ترك ما سواه بدليل قوله وأطيعوا أمري وهو لا أمر له إلا الحسى

وكذلك فكيف كان نكير حيث وقع لأن النكير معتبر من جهة الملكوت لا من جهة أثره المحسوس فإن أثره قد انقضى وأخبر عنه بالفعل الماضى والنكير اسم ثابت فى الأزمان كلها فيه التنبيه على أنه كما أخذ أولئك يأخذ غيرهم

وكذلك إني أخاف أن يكذبون خاف موسى عليه السلام أن يكذبوه فيما جاءهم به وأن يكون سببه من قبله من جهة إفهامه لهم بالوحى فإنه كان عالى البيان لأنه كليم الرحمن فبلاغته لا تصل إليها أفهامهم فيصير إفصاحه العالى عند فهمهم النازل عقدة عليهم فى اللسان يحتاج إلى ترجمان فإن يقع بعده تكذيب فيكون من قبل أنفسهم وبه تتم الحجة عليهم

وكذلك إن كدت لتردين هو الإرادة الأخروى الملكوتى

وكذلك أن ترجمون ليس هو الرجم بالحجارة إنما هو ما يرمونه من بهتانهم

وكذلك فحق وعيد لمن خاف مقامي وخاف وعيد هو الأخروى الملكوتى

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر