علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٣٩ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٣٨٢–٣٩١

لم ير ذلك لأنه غيب عنا فلم يستو القسمان فى العلم بهما لم يثبته وهو أولى

وكذلك ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس أفلم ييأس لأن الصبر وانتظار الفرج أخف من الإياس والإياس لا يكون فى الوجود إلا بعد الصبر والانتظار

والثانى يكون باعتبار معنى خارج عن الكلمة يحصل فى الوجود لزيادتها بعد الواو فى الأفعال نحو يرجوا ويدعوا وذلك لأن الفعل أثقل من الاسم لأنه يستلزم فاعلا فهو جملة والاسم مفرد لا يستلزم غيره فالفعل أزيد من الاسم فى الوجود والواو أثقل حروف المد واللين والضمة أثقل الحركات والمتحرك أثقل من الساكن فزيدت الألف تنبيها على ثقل الجملة وإذا زيدت مع الواو التى هى لام الفعل فمع الواو التى هى ضمير الفاعلين أولى لأن الكلمة جملة مثل قالوا وعصوا إلا أن يكون الفعل مضارعا وفيه النون علامة الرفع فتختص الواو بالنون التي هي من جهة تمام الفعل إذ هى إعرابه فيصير ككلمة واحدة وسطها واو كالعيون والسكون فإن دخل ناصب أو جازم مثل فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ثبتت الألف

وقد تسقط مواضع للتنبيه على اضمحلال الفعل نحو سعوا في آياتنا معاجزين فإنه سعى فى الباطل لا يصح له ثبوت فى الوجود

وكذلك وجاؤوا بسحر عظيم و جاؤوا ظلما وزورا وجاؤوا أباهم وجاؤوا على قميصه فإن هذا المجىء ليس على وجهه الصحيح

وكذلك فإن فاؤوا وهو فى بالقلب والاعتقاد

وكذا تبوؤوا الدار والإيمان اختاروها سكنا لكن لا على الجهة المحسوسة لأنه سوى بينهما وإنما اختاروها سكنا لمرضاة الله بدليل وصفهم بالإيثار مع الخصاصة فهذا دليل زهدهم فى محسوسات الدنيا وكذلك فاؤوا لأنه رجوع معنوى

وكذلك عسى الله أن يعفو عنهم حذفت ألفه لأن كيفية هذا الفعل لا تدرك إذ هو ترك المؤاخذة إنما هو أمر عقلى

وكذلك وعتوا عتوا كبيرا هذا عتو على الله لذلك وصفه بالكبر فهو باطل فى الوجود

وكذلك سقطت من وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ولم تسقط من وإذا ما غضبوا هم يغفرون لأن غضبوا جملة بعدها أخرى والضمير مؤكد للفاعل فى الجملة الأولى وكالوهم جملة واحدة الضمير جزء منها

وكذلك زيدت الألف بعد الهمزة فى حرفين إني أريد أن تبوء و ما إن مفاتحه لتنوء تنبيها على تفصيل المعنى فإنه يبوء بإثمين من فعل واحد وتنوء المفاتح بالعصبة فهو نوءان للمفاتح لأنها بثقلها أثقلتهم فمالت وأمالتهم وفيه تذكير بالمناسبة يتوجه به من مفاتح كنوز مال الدنيا المحسوس إلى مفاتح كنوز العلم الذى ينوء بالعصبة أولى القوة فى يقينهم إلى ما عند الله فى الدار الآخرة

وكذلك زيدت بعد الهمزة من قوله كأمثال اللؤلؤ تنبيها على معنى البياض والصفاء بالنسبة إلى ما ليس بمكنون وعلى تفصيل الإفراد يدل عليه قوله

كأمثال وهو على خلاف حال كأنهم لؤلؤ فلم تزد الألف للإجمال وخفاء التفصيل

وقال أبو عمرو كتبوا / < اللؤلؤا > / فى الحج والملائكة بالألف واختلف فى زيادتها فقال أبو عمرو كما زادوها فى كانوا وقال الكسائى لمكان الهمزة

وعن محمد بن عيسى الأصبهانى كل ما فى القرآن من لؤلؤ فبغير الألف فى مصاحف البصريين إلا فى موضعين فى الحج والإنسان

وقال عاصم الجحدرى كلها فى مصحف عثمان بالألف إلا التى فى الملائكة

والثالث تكون لمعنى فى نفس الكلمة ظاهر مثل وجيء يومئذ بجهنم زيدت الألف دليلا على أن هذا المجىء هو بصفة من الظهور ينفصل بها عن معهود المجىء وقد عبر عنه بالماضى ولا يتصور إلا بعلامة من غيره ليس مثله فيستوى فى علمنا ملكها وملكوتها فى ذلك المجىء ويدل عليه قوله تعالى فى موضع آخر وبرزت الجحيم وقوله إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا هذا بخلاف حال وجيء بالنبيين والشهداء حيث لم تكتب الألف لأنه على المعروف فى الدنيا وفى تأوله بمعنى البروز فى المحشر لتعظيم جناب الحق أثبتت الأف فيه أيضا

وكذلك ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا الشىء هنا معدوم وإنما علمناه من تصور مثله الذى قد وقع فى الوجود فنقل له الاسم فيه من حيث إنه يقدر أنه يكون مثله فى الوجود فزيدت الألف تنبيها على اعتبار المعدوم من جهة تقدير الوجود إذ هو موجود فى الاذهان معدوم فى الأعيان

وهذا بخلاف قوله فى النحل إنما قولنا لشيء إذا أردناه فإن الشىء هنا من جهة قول الله لا يعلم كيف ذلك بل نؤمن به تسليما لله سبحانه فيه فإنه سبحانه يعلم الأشياء بعلمه لا بها ونحن نعلمها بوجودها لا بعلمنا فلا تشبيه ولا تعطيل

وكذلك إلى فرعون وملئه زيدت الألف بين اللام والهمزة تنبيها على تفصيل مهم ظاهر الوجود

ومثله زيادتها فى مائة لأنه اسم يشتمل على كثرة مفصلة بمرتبتين آحاد وعشرات

قال أبو عمرو فى المقنع لا خلاف فى رسم ألف الوصل الناقصة من اللفظ فى الدرج نحو عيسى ابن مريم والمسيح ابن مريم وهو نعت كما أثبتوها فى الخبر نحو عزير ابن الله و المسيح ابن الله ولم تحذف إلا فى خمسة مواضع

قال ولا خلاف فى زيادة الألف بعد الميم فى مائة ومائتين حيث وقعا

ولم تزد فى فئة ولا فئتين وزيدت فى نحو تبوء بإثمي و لتنوء بالعصبة ولا أعلم همزة متطرفة قبلها ساكن رسمت خطا فى المصحف إلا فى هذين الموضعين ولا أعلم همزة متوسطة قبلها ساكن رسمت فى المصحف إلا فى قوله موئلا فى الكهف لا غير

القسم الثانى زيادة الواو

الزائد الثانى الواو زيدت للدلالة على ظهور معنى الكلمة فى الوجود فى اعظم رتبة فى العيان مثل سأريكم دار الفاسقين سأريكم آياتي

ويدل على ذلك أن الآيتين جاءتا للتهديد والوعيد

وكذلك أولى و أولوا و أولات زيدت الواو بعد الهمزة حيث وقعت لقوة المعنى على أصحاب فإن فى أولى معنى الصحبة وزيادة التمليك والولاية عليه وكذلك زيدت فى أولئك و أولائكم حيث وقعا بالواو لأنه جمع مبهم يظهر فيه معنى الكثرة الحاضرة فى الوجود وليس للفرق بينه وبين أولئك كما قاله قوم لانتفاضة بأولا

القسم الثالث زيادة الياء

الزائد الثالث الياء زيدت لاختصاص ملكوتى باطن وذلك فى تسعة مواضع كما قاله فى المقنع

أفإن مات أو قتل

من نبإ المرسلين

من تلقاء نفسي

وإيتاء ذي القربى

ومن آناء الليل

أفإن مت

من وراء حجاب

والسماء بنيناها بأيد

و بأيكم المفتون

قال أبو العباس المراكشى إنما كتبت بأيد بياءين فرقا بين الأيد الذى هو القوة وبين الأيدى جمع يد ولا شك أن القوة التى بنى الله بها السماء هى أحق بالثبوت فى الوجود من الأيدى فزيدت الياء لأختصاص اللفظة بمعنى أظهر فى أدراك الملكوتى فى الوجود

وكذلك زيدت بعد الهمزة فى حرفين

أفإن مات أفإن مت

وذلك لأن موته مقطوع والشرط لا يكون مقطوعا به ولا ما رتب على الشرط هو جواب له لأن موته لا يلزم منسه خلود غيره ولا رجوعه عن الحق فتقديره أهم الخالدون إن مت فاللفظ للإستفهام والربط والمعنى للإنكار والنفى فزيدت الياء لخصوص هذا المعنى الظاهر للفهم الباطن فى اللفظ

وكذلك زيدت بعد الهمزة فى آخر الكلمة فى حرف واحد فى الأنعام من نبإ المرسلين تنبيها على أنها أنباء باعتبار أخبار وهى ملكوتية ظاهرة

وكذلك / < بأييكم المفتون > / كتبت بياءين تخصيصا لهم بالصفة لحصول ذلك وتحققه فى الوجود فإنهم هم المفتونون دونه فانفصل حرف أى بياءين لصحة هذا الفرق بينه وبينهم قطعا لكنه باطن فهو ملكوتي وإنما جاء اللفظ بالإبهام على أسلوب المجاملة في الكلام والإمهال لهم ليقع التدبر والتذكار كما جاء وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ومعلوم أنا على هدى وهم على ضلال

الناقص وأقسامه

الوجه الثانى ما نقص عن اللفظ ويأتى فيه أيضا الأقسام السابقة

القسم الأول حذف الألف

الأول الألف كل ألف تكون فى كلمة لمعنى له تفصيل فى الوجود له اعتباران اعتبار من جهة ملكوتية أو صفات حالية أو أمور علوية مما لا يدركه الحس

فإن الألف تحذف فى الخط علامة لذلك واعتبار من جهة ملكية حقيقية فى العلم أو أمور سفلية فإن الألف تثبت

واعتبر ذلك فى لفظتى القرآن والكتاب فإن القرآن هو تفصيل الآيات التى أحكمت فى الكتاب فالقرآن أدنى إلينا فى الفهم من الكتاب وأظهر فى التنزيل قال الله تعالى فى هود الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير وقال فى فصلت كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون وقال إن علينا جمعه وقرآنه ولذلك ثبت فى الخط ألف القرآن وحذفت ألف الكتاب

وقد حذفت ألف القرآن فى حرفين هو فيهما مرادف للكتاب فى الاعتبار قال تعالى فى سورة يوسف إنا أنزلناه قرآنا عربيا وفى الزخرف إنا جعلناه قرآنا عربيا والضمير فى الموضعين ضمير الكتاب المذكور قبله وقال بعد ذلك فى كل واحدة منهما لعلكم تعقلون فقرينته هى من جهة المعقولية وقال فى الزخرف وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم

وكذلك كل ما فى القرآن من الكتاب وكتاب فبغير ألف إلا فى أربعة مواضع هى الرعد بأوصاف خصصته من الكتاب الكلى

فى الرعد لكل أجل كتاب فإن هذا كتاب الآجال

فهو أخص من الكتاب المطلق أو المضاف إلى الله

وفى الحجر وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم فإن هذا كتاب إهلاك القرى وهو أخص من كتاب الآجال

وفى الكهف واتل ما أوحي إليك من كتاب فإن هذا أخص من الكتاب الذى فى قوله / < اتل ما أوحى إليك من الكتب > / لأنه أطلق هذا وقيد ذلك بالإضافة إلى الاسم المضاف إلى معنى فى الوجود والأخص أظهر تنزيلا

وفى النمل تلك آيات القرآن وكتاب مبين هذا الكتاب جاء تابعا للقرآن والقرآن جاء تابعا للكتاب كما جاء فى الحجر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين فما فى النمل له خصوص تنزيل مع الكتاب الكلى فهو تفصيل للكتاب الكلى بجوامع كليته

ومن ذلك حذف الألف فى بسم الله تنبيها على علوه فى أول رتبة الأسماء وانفراده وأن عنه انقضت الأسماء فهو بكليها يدل عليه إضافته إلى اسم الله الذى هو جامع الأسماء كلها أولها ولهذا لم يتسم به غير الله بخلاف غيره من أسمائه فلهذا ظهرت الألف معها تنبيها على ظهور التسمية فى الوجود وحذفت الألف التى قبلها الهاء من اسم الله وأظهرت التى مع اللام من أوله دلالة على أنه الظاهر من جهة التعريف والبيان الباطن من جهة الإدراك والعيان

وكذلك حذفت الألف قبل النون من اسمه الرحمن حيث وقع بيانا لأنا نعلم حقائق تفصيل رحمته فى الوجود فلا يفرق فى علمنا بين الوصف والصفة وإنما الفرقان

فى التسمية والاسم لا فى معانى الأسماء المدلول عليها بالتسمية بل نؤمن بها إيمانا مفوضا فى علم حقيقته إليه

قلت وعلماء الظاهر يقولون للاختصار وكثرة الاستعمال وهو من خصائص الجلالة الشريفة فإن همزة الوصل الناقصة من اللفظ فى الدرج تثبت خطا إلا فى البسملة وفى قوله فى هود بسم الله مجراها ولا تحذف إلا بشرطين

أن تضاف إلى اسم الله ولهذا أثبتت فى باسم ربك وأن تكون قبله الباء ولم يشترط الكسائى الثانى فجوز حذفها كما تحذف فى بسم الملك والجمهور على الأول

وكذلك حذف الألف فى كثير من أسماء الفاعلين مثل قدر وعلم وذلك أن هذه الألف فى وسط الكلمة

وكذلك الألف الزائدة فى الجموع السالمة والمكسرة مثل القنتين والأبرار والجلل والإكرم واختلف واستكبر فإنها كلها وردت لمعنى مفصل يشتمل عليه معنى تلك اللفظة فتحذف حيث يبطن التفصيل وتثبت حيث يظهر

وكذلك ألف الأسماء الأعجمية كإبرهيم لأنها زائدة لمعنى غير ظاهر فى لسان العربى لأن العجمى بالنسبة إلى العربى باطن خفى لا ظهور له فحذفت ألفه

قال أبو عمرو اتفقوا على حذف الألف من الأعلام الأعجمية المستعملة كإبرهيم وأسمعيل واسحق وهرون ولقمن وشبهها وأما حذفها من سليمن وصلح وملك وليست بأعجمية فلكثرة الاستعمال فأما ما لم يكثر استعماله من الأعجمية

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر