الجزء ١ — ص ٣٢–٤١
فى كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب فى نزولها وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند كما فى قول ابن عمر فى قوله تعالى نساؤكم حرث لكم وأما الإمام أحمد فلم يدخله فى المسند وكذلك مسلم وغيره وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال وبالتأويل فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع
فصل
خصوص السبب وعموم الصيغة
وقد يكون السبب خاصا والصيغة عامة لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ وقال الزمخشرى فى نفس سورة الهمزة يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه فإن ذلك أزجر له وأنكى فيه
تقدم نزول الآية على الحكم
واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم وهذا كقوله تعالى قد أفلح من تزكى فإنه يستدل بها على زكاة الفطر روى البيهقى بسنده إلى ابن عمر
أنها نزلت فى زكاة رمضان ثم أسند مرفوعا نحوه وقال بعضهم لا أدرى ما وجه هذا التأويل لأن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة
وأجاب البغوى فى تفسيره انه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد فالسورة مكية وظهور أثر الحل يوم فتح مكة حتى
قال عليه السلام أحلت لى ساعة من نهار
وكذلك نزل بمكة سيهزم الجمع ويولون الدبر قال عمر بن الخطاب كنت لا أدرى أى الجمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر
فائدة
روى البخارى فى كتاب الأدب المفرد فى بر الوالدين عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال نزلت فى أربع آيات من كتاب الله عز وجل كانت أمى حلفت ألا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا والثانية انى كنت أخذت سيفا فأعجبني فقلت يا رسول الله هب لى هذا
فنزلت يسألونك عن الأنفال والثالثة أنى كنت مرضت فأتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنى أريد أن أقسم مالى أفأوصى بالنصف فقال لا فقلت الثلث فسكت فكان الثلث بعد جائزا والرابعة أنى شربت الخمر مع قوم من الأنصار فضرب رجل منهم أنفى بلحى جمل فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر
واعلم أنه جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول ووقع البحث أيما أولى البداءة به بتقدم السبب على المسبب أو بالمناسبة لأنها المصححة لنظم الكلام وهى سابقة على النزول
والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول كالآية السابقة فى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فهذا ينبغى فيه تقديم ذكر السبب لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة
النوع الثانى
معرفة المناسبات بين الآيات
وقد أفرده بالتصنيف الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخ الشيخ أبى حيان وتفسير الإمام فخر الدين فيه شىء كثير من ذلك
واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول ويعرف به قدر القائل فيما يقول والمناسبة فى اللغة المقاربة وفلان يناسب فلانا أى يقرب منه ويشاكله ومنه النسيب الذى هو القريب المتصل كالأخوين وابن العم ونحوه وإن كانا متناسبين بمعنى رابط بينهما وهو القرابة ومنه المناسبة فى العلة فى باب القياس الوصف المقارب للحكم لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم ولهذا قيل المناسبة أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول وكذلك المناسبة فى فواتح الآى وخواتمها ومرجعها والله أعلم إلى معنى ما رابط بينهما عام أو خاص عقلى أو حسى أو خيالى وغير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهنى كالسبب والمسبب والعلة والمعلول والنظيرين والضدين ونحوه أو التلازم الخارجى كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع فى باب الخبر
وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء
وقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازى وقال فى تفسيره أكثر لطائف القرآن مودعة فى الترتيبات والروابط
وقال بعض الأئمة من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا
وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم وفوائده غزيرة قال القاضى أبو بكر بن العربى فى سراج المريدين ارتباط آى القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعانى منتظمة المبانى علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ثم فتح الله عز وجل لنا فيه فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه
وقال الشيخ أبو الحسن الشهرابانى أول من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابورى وكان غزير العلم فى الشريعة والأدب وكان يقول على الكرسى إذا قرىء عليه الآية لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه وما الحكمة فى جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة وكان يزرى على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة انتهى
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام المناسبة علم حسن ولكن يشترط فى حسن ارتباط الكلام أن يقع فى أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر
قال ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه فإن القرآن نزل فى نيف وعشرين سنة فى أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض إذ لا يحسن أن يرتبط تصرف الإله فى خلقه وأحكامه بعضها ببعض مع اختلاف العلل والأسباب كتصرف الملوك والحكام والمفتين وتصرف الإنسان نفسه بأمور متوافقة و متخالفة ومتضادة وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض مع اختلافها فى نفسها واختلاف أوقاتها انتهى
قال بعض مشايخنا المحققين قد وهم من قال لا يطلب للآى الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما فى الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف وحافظ القرآن العظيم لو استفتى فى أحكام متعددة أو ناظر فيها أو أملاها لذ كرآية كل حكم على ما سئل وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى ولا كما نزل مفرقا بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر فإنه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير
قال والذى ينبغى فى كل آية أن يبحث أول كل شىء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففى ذلك علم جم وهكذا فى السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له
قلت وهو مبنى على أن ترتيب السور توقيفى وهذا الراجح كما سيأتى وإذا اعتبرت افتتاح كل سوره وجدته فى غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى كافتتاح سورة الأنعام بالحمد فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال سبحانه وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين وكافتتاح سورة فاطر ب الحمد أيضا فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل وكما قال تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به وكافتتاح البقرة بقوله الم ذلك الكتاب لا ريب فيه إشارة إلى الصراط فى قوله اهدنا الصراط المستقيم كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم ذلك الصراط الذى سألتم الهداية إليه هو الكتاب
وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة وهو يرد سؤال الزمخشرى فى ذلك
وتأمل ارتباط سورة لإيلاف قريش بسورة الفيل حتى قال الأخفش اتصالها بها من باب قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا
ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتى قبلها لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة البخل وترك الصلاة والرياء فيها ومنع الزكاة فذكر هنا فى مقابلة البخل إنا أعطيناك الكوثر أى الكثير وفى مقابلة ترك الصلاة فصل أى دم عليها وفى مقابلة الرياء لربك أى لرضاه لا للناس وفى مقابلة منع الماعون وانحر وأراد به التصدق بلحم الأضاحى فاعتبر هذه المناسبة العجيبة
وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح وسورة الكهف بالتحميد لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد يقال سبحان الله والحمد الله
وذكر الشيخ كمال الدين الزملكانى فى بعض دروسه مناسبة استفتاحها بذلك ما ملخصه إن سورة بنى إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء وهو من الخوارق الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول من عند الله والمشركون كذبوا ذلك وقالوا كيف يسير فى ليلة من مكة إلى بيت المقدس وعادوا وتعنتوا وقالوا صف لنا بيت المقدس فرفع له حتى وصفه لهم والسبب فى الإسراء أولا لبيت المقدس ليكون ذلك دليلا على صحة قوله بصعود السموات فافتتحت بالتسبيح تصديقا لنبيه فيما ادعاه لأن تكذيبهم له تكذيب عناد فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذى كذبوه أما الكهف فإنه لما احتبس الوحى وأرجف الكفار بسبب ذلك أنزلها الله ردا عليهم وأنه لم يقطع نعمه عن نبيه صلى الله عليه وسلم بل أتم عليه بإنزال الكتاب فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ببعض بل عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة
أنواع ارتباط الآى بعضها ببعض
عدنا إلى ذكر ارتباط الآى بعضها ببعض فنقول
ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يظهر الارتباط بينهما لتعلق الكلام بعضه ببعض وعدم تمامه بالأولى فواضح وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على جهة التأكيد والتفسير أو الاعتراض والتشديد وهذا القسم لا كلام فيه
وإما ألا يظهر الارتباط بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى وأنها خلاف النوع المبدوء به فإما أن تكون معطوفة على ما قبلها بحرف من حروف العطف المشترك فى الحكم أولا
القسم الأول أن تكون معطوفة ولا بد أن تكون بينهما جهة جامعة على ما سبق تقسيمه كقوله تعالى يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وقوله والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون وفائدة العطف جعلهما كالنظيرين والشريكين
وقد تكون العلاقة بينهما المضادة وهذا كمناسبة ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب والرغبة بعد الرهبة وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ليكون ذلك باعثا على العمل بما سبق ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه ليعلم عظم الآمر والناهى وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها تجده كذلك
وقد تأتى الجملة معطوفة على ما قبلها ويشكل وجه الارتباط فتحتاج إلى شرح ونذكر من ذلك صورا يلتحق بها ما هو فى معناها
فمنها قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها الآية فقد يقال أى رابط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت والجواب من وجوه
أحدها كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الحكمة فى تمام الأهلة ونقصانها معلوم أن كل ما يفعله الله فيه حكمة ظاهرة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا فى واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر فى شىء وأنتم تحسبونها برا
الثانى أنه من باب الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج وكان هذا من أفعالهم فى الحج ففى الحديث أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب فإن أهل المدر نقب نقبا فى ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلما يصعد به وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم ليس البر بتحرجكم من دخول الباب لكن البر بر من اتقى ما حرم الله وكان من حقهم السؤال عن هذا وتركهم السؤال عن الأهلة ونظيره فى الزيادة على الجواب
قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المتوضىء بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته
الثالث أنه من قبيل التمثيل لما هم عليه من تعكيسهم فى سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك بابا ويدخل من ظهر البيت فقيل لهم ليس البر ما أنتم عليه من تعكيس الأسئلة ولكن البر من اتقى ذلك ثم قال الله سبحانه وأتوا البيوت من أبوابها أى باشروا الأمور من وجوهها التى يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا والمراد أن يصمم القلب على أن جميع أفعال الله حكمة منه وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فإن فى السؤال اتهاما
ومنها قوله سبحانه وتعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر