علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٣ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٢٢–٣١

النوع الأول

معرفة أسباب النزول

وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم وأفردوا فيه تصانيف منهم على بن المديني شيخ البخارى ومن أشهرها تصنيف الواحدى فى ذلك وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته لجريانه مجرى التاريخ وليس كذلك بل له فوائد

منها وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم

ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب

ومنها الوقوف على المعنى قال الشيخ أبو الفتح القشيرى بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى الكتاب العزيز وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا

ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما ويقوم الدليل على التخصيص فإن محل السبب لا يجوز

إخراجه بالاجتهاد والإجماع كما حكاه القاضى أبو بكر في مختصر التقريب لأن دخول السبب قطعى ونقل بعضهم الاتفاق على أن لتقدم السبب على ورود العموم أثرا

ولا التفات إلى ما نقل عن بعضهم من تجويز إخراج محل السبب بالتخصيص لأمرين

أحدهما أنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز والثاني أن فيه عدولا عن محل السؤال وذلك لا يجوز في حق الشارع لئلا يلتبس على السائل واتفقوا على أنه تعتبر النصوصية في السبب من جهة استحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة وتؤثر أيضا فيما وراء محل السبب وهو إبطال الدلالة على قول والضعف على قول

ومن الفوائد أيضا دفع توهم الحصر قال الشافعى ما معناه فى معنى قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلا منزلة من يقول لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة والغرض المضادة لا النفى والإثبات على الحقيقة فكأنه قال لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والذم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذا القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل

قال إمام الحرمين وهذا فى غاية الحسن ولولا سبق الشافعى إلى ذلك لما كنا

نستجير مخالفة مالك فى حصر المحرمات فيما ذكرته الآية وهذا قد يكون من الشافعى أجراه مجرى التأويل ومن قال بمراعاة اللفظ دون سببه لا يمنع من التأويل

وقد جاءت آيات فى مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر وآية اللعان في شأن هلال بن أمية ونزول حد القذف في رماة عائشة رضى الله عنها ثم تعدى إلى غيرهم وإن كان قد قال سبحانه والذين يرمون المحصنات فجمعها مع غيرها إما تعظيما لها إذ أنها أم المؤمنين

ومن رمى أم قوم فقد رماهم وإما للإشارة إلى التعميم ولكن الرماة لها كانوا معلومين فتعدى الحكم إلى من سواهم فمن يقول بمراعاة حكم اللفظ كان الاتفاق هاهنا هو مقتضى الأصل ومن قال بالقصر على الأصل خرج عن الأصل فى هذه الآية بدليل ونظير هذا تخصيص الاستعاذة بالإناث فى قوله تعالى ومن شر النفاثات في العقد لخروجه على السبب وهو أن بنات لبيد سحرن رسول الله صلى الله عليه وسلم

كذا قال أبو عبيد وفيه نظر فإن الذى سحر النبى صلى الله عليه وسلم هو لبيد ابن الأعصم كما جاء في الصحيح

وقد تنزل الآيات على الأسباب خاصة وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبهاا من الآى رعاية لنظم القرآن وحسن السياق فذلك الذى وضعت معه الآية نازلة على سبب خاص للمناسبة إذ كان مسوقا لما نزل فى معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام فدلالة اللفظ عليه هل هى كالسبب فلا يخرج ويكون مرادا من الآيات قطعا أولا ينتهى في القوة إلى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة مشبهة به فيه احتمال

واختار بعضهم أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد ومثاله قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإن مناسبتها للآية التى قبلها وهى قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قدم إلى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبى صلى الله عليه وسلم فسألوه من أهدى سبيلا النبى صلى الله عليه وسلم أو هم فقال أنتم كذبا منه وضلالة لعنه الله فتلك الآية فى حقه وحق من شاركه فى تلك المقالة وهم أهل كتاب يجدون عندهم فى كتابهم بعث النبى صلى الله عليه وسلم وصفته وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا ذلك وأن ينصروه وكان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها وذلك مناسب لقوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها قال ابن العربى فى تفسيره وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم وقولهم إن المشركين أهدى سبيلا فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات انتهى

ولا يرد على هذا أن قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر ونزول إن الله يأمركم فى الفتح أو قريبا منها وبينهما ست سنين لأن الزمان إنما يشترط فى سبب النزول ولا يشترط فى المناسبة لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبى صلى الله عليه وسلم بوضعها فى المواضع التى علم من الله تعالى أنها مواضعها

ومن فوائد هذا العلم إزالة الإشكال ففى الصحيح عن مروان بن الحكم أنه بعث إلى ابن عباس يسأله لئن كان كل امرىء فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس هذه الآية نزلت فى أهل الكتاب ثم تلا وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه إلى قوله لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا

قال ابن عباس سألهم النبى صلى الله وسلم عن شىء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه انتهى

قال بعضهم وما أجاب به ابن عباس عن سؤال مروان لا يكفى لأن اللفظ أعم من السبب ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبى

زور وإنما الجواب أن الوعيد مرتب على أثر الأمرين المذكورين وهما الفرح وحب الحمد لا عليهما أنفسهما إذ هما من الأمور الطبيعية التى لا يتعلق بها التكليف أمرا ولا نهيا

قلت لا يخفى عن ابن عباس رضى الله عنه أن اللفظ أعم من السبب لكنه بين أن المراد باللفظ خاص ونظيره تفسير النبى صلى الله عليه وسلم الظلم بالشرك فيما سبق

ومن ذلك قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية فحكى عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا يقولان الخمر مباحة ويحتجان بهذه الآية وخفى عليها سبب نزولها فإنه يمنع من ذلك وهو ما قاله الحسن وغيره لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهى فى بطونهم وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح

ومن ذلك قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم الآية قد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة وقد بينه سبب النزول روى

أن ناسا قالوا يا رسول الله قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللائى لم يحضن من الصغار والكبار فنزلت فهذا يبين معنى إن ارتبتم أى إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن

ومن ذلك قوله تعالى ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فإنا لو تركنا مدلول اللفظ لاقتضى أن المصلى لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع فلا يفهم مراد الآية حتى يعلم سببها وذلك أنها نزلت لما صلى النبى صلى عليه وسلم على راحلته وهو مستقبل من مكة إلى المدينة حيث توجهت به فعلم أن هذا هو المراد

ومن ذلك قوله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فإن سبب نزولها أن قوما أرادوا الخروج للجهاد فمنعهم أزواجهم وأولادهم فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم أنزل فى بقيتها ما يدل على الرحمة وترك المؤاخذة فقال وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم

فصل

فيما نزل مكررا

وقد ينزل الشىء مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه وهذا كما قيل فى الفاتحة نزلت مرتين مرة بمكة وأخرى بالمدينة وكما ثبت فى

الصحيحين عن أبى عثمان النهدى عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات فقال الرجل إلى هذا فقال بل لجميع أمتى فهذا كان فى المدينة والرجل قد ذكر الترمذى أو غيره أنه أبو اليسر وسرة هود مكية بالاتفاق ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة

ومثله ما في الصحيحين عن ابن مسعود فى قوله تعالى ويسألونك عن الروح أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو فى المدينة ومعلوم أن هذه فى سورة سبحان وهى مكية بالاتفاق فإن المشركين لما سألوه عن ذى القرنين وهن أهل الكهف قيل ذلك بمكة وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك فأنزل الله الجواب كما قد بسط فى موضعه

وكذلك ما ورد فى قل هو الله أحد أنها جواب للمشركين بمكة وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة

وكذلك ما ورد فى الصحيحين من حديث المسيب لما حضرت أبا طالب الوفاة وتلكأ عن الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأستغفرن لك ما لم أنه فأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى وأنزل الله فى أبى طالب إنك لا تهدي من أحببت وهذه الآية نزلت فى آخر الأمر بالاتفاق وموت أبى طالب كان بمكة فيمكن أنها نزلت مرة بعد أخرى وجعلت أخيرا فى براءة

والحكمة فى هذا كله أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضى نزول آية وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها فتؤدى تلك الآية بعينها إلى النبى صلى الله عليه وسلم تذكيرا لهم بها وبأنها تتضمن هذه والعالم قد يحدث له حوادث فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم فى تلك الواقعة وإن لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل مع حفظه لذلك النص

وما يذكره المفسرون من أسباب متعددة لنزول الآية قد يكون من هذا الباب لا سيما وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر