الجزء ١ — ص ٣٧٢–٣٨١
أو تعلقها بما قبلها وبما بعدها ولا يوقف عليها ولا يبتدأ بها والإبتداء بهافي المواضع أحسن وذلك فى ثمانية عشر موضعا موضعان فى المدثر وما هي إلا ذكرى للبشر كلا والقمر كلا بل لا يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة
وثلاثة فى القيامة أين المفر كلا ثم إن علينا بيانه كلا أن يفعل بها فاقرة كلا إذا
وموضع فى عم كلا سيعلمون
وموضعان فى عبس إذا شاء أنشره كلا تلهى كلا
وموضع فى الانفطار ما شاء ركبك كلا
وثلاثة مواضع فى المطففين لرب العالمين كلا إن كتاب الفجار ما كانوا يكسبون كلا إنهم الذي كنتم به تكذبون كلا
وموضع فى الفجر حبا جما كلا
وثلاثة مواضع فى العلق علم الإنسان ما لم يعلم كلا ألم يعلم بأن الله يرى كلا سندع الزبانية كلا
وموضعان فى التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون وقوله كلا لو تعلمون
فهذه ثمانية عشر موضعا الاختيار عندنا وعند القراء وعند أهل اللغة أن يبتدأ بها و كلا على معنى حقا أو إلا وألا يوقف عليها
الثالث ما لا يحسن الوقف فيه عليها ولا يحسن الابتداء بها ولا تكون موصولة بما قبلها من الكلام ولا بما بعدها وذلك موضعان فى عم يتساءلون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون وكذا فى التكاثر ثم كلا سوف تعلمون فلا يحسن الوقف عليها ولا الابتداء بها
الرابع ما لا يحسن الابتداء بها ويحسن الوقوف عليها وهو موضعان فى الشعراء أن يقتلون قال كلا إنا لمدركون قال كلا
قال فهذا هو هو الاختيار ويجوز فى جميعها أن تصلها بما قبلها وبما بعدها ولا تقف عليها ولا تبتدىء بها
الكلام على بلى
وأما بلى فقد وردت فى القرآن فى اثنين وعشرين موضعا فى ست عشرة سورة وهى على ثلاثة أقسام
أحدها ما يختار فيه كثير من القراء وأهل اللغة الوقف عليها لأنها جواب لما قبلها غير متعلق بما بعدها وذلك عشرة مواضع موضعان فى البقرة ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة إن كنتم صادقين بلى
وموضعان فى آل عمران وهم يعلمون بلى من أوفى بلى إن تصبروا
وموضع فى الأعراف ألست بربكم قالوا بلى وفيه اختلاف
وفى النحل ما كنا نعمل من سوء بلى
وفى يس أن يخلق مثلهم بلى
وفى غافر رسلكم بالبينات قالوا بلى
وفى الأحقاف على أن يحيي الموتى بلى
وفى الانشقاق أن لن يحور بلى
فهذه عشرة مواضع يختار الوقف عليها لأنها جواب لما قبلها غير متعلقة بما بعدها وأجاز بعضهم الابتداء بها
والثانى ما لا يجوز الوقف عليها لتعلق ما بعدها بها وبما قبلها وذلك فى سبعة مواضع
فى الأنعام بلى وربنا وفى النحل لا يبعث الله من يموت بلى
وفى سبأ قل بلى وربي وفى الزمر من المحسنين بلى قد جاءتك
وفى الأحقاف بلى وربنا
وفى التغابن قل بلى وربي لتبعثن
وفى القيامة ألن نجمع عظامه بلى
وهذه لا خلاف فى امتناع الوقف عليها ولا يحسن الابتداء بها لأنها وما بعدها جواب
الثالث ما اختلفوا فى جواز الوقف عليها والأحسن المنع لأن ما بعدها متصل بها وبما قبلها وهى خمسة مواضع
فى البقرة بلى ولكن ليطمئن قلبي
وفى الزمر قالوا بلى ولكن حقت
وفى الزخرف ونجواهم بلى ورسلنا
وفى الحديد قالوا بلى
وفى الملك قالوا بلى قد جاءنا نذير
الكلام على نعم
وأما نعم ففى القرآن فى أربعة مواضع
فى الأعراف قالوا نعم فأذن مؤذن والمختار الوقف على نعم لأن ما بعدها ليس متعلقا بها ولا بما قبلها إذ ليس هو قول أهل النار و قالوا نعم من قولهم
والثاني والثالث فى الأعراف والشعراء قال نعم وإنكم
الرابع فى الصافات قل نعم وأنتم داخرون
والمختار ألا يوقف على نعم فى هذه المواضع لتعلقها بما قبلها لاتصاله بالقول وضابط ما يختار الوقف عليه أن يقال إن وقع بعدها ما اختير الوقف عليها وإلا فلا أو يقال إن وقع بعدها واو لم يجز الوقف عليها وإلا اختير وأنت مخير فى أيهما شئت
النوع الخامس والعشرون
علم مرسوم الخط
ولما كان خط المصحف هو الإمام الذى يعتمده القارىء فى الوقف والتمام ولا يعدو رسومه ولا يتجاوز مرسومه قد خالف خط الإمام فى كثير من الحروف والأعلام ولم يكن ذلك منهم كيف اتفق بل على أمر عندهم قد تحقق وجب الاعتناء به والوقوف على سببه
ولما كتب الصحابة المصحف زمن عثمان رضى الله عنه اختلفوا فى كتابة التابوت فقال زيد التابوه وقال النفر القرشيون التابوت وترافعوا إلى عثمان فقال اكتبوا التابوت فإنما أنزل القرآن على لسان قريش
قال ابن درستويه خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط تقطيع العروض
وقال أبو البقاء فى كتاب اللباب ذهب جماعة من أهل اللغة إلى كتابة الكلمة على لفظها إلا فى خط المصحف فإنهم اتبعوا فى ذلك ما وجدوه فى الإمام والعمل على الأول
فحصل أن الخط ثلاثة أقسام خط يتبع به الاقتداء السلفى وهو رسم المصحف وخط جرى على ما أثبته اللفظ وإسقاط ما حذفه وهو خط العروض فيكتبون التنوين ويحذفون همزة الوصل وخط جرى على العادة المعروفة وهو الذى يتكلم عليه النحوى
واعلم أن للشىء فى الوجود أربع مراتب الأولى حقيقته فى نفسه والثانية مثاله فى الذهن وهذان لا يختلفان باختلاف الأمم والثالثة اللفظ الدال على المثال الذهنى والخارجى والرابعة الكتابة الدالة على اللفظ وهذان قد يختلفان باختلاف الأمم كاختلاف اللغة العربية والفارسية والخط العربى والهندى ولهذا صنف الناس فى الخط والهجاء إذ لا يجرى على حقيقة اللفظ من كل وجه
وقال الفارسى لما عمل أبو بكر بن السراج كتاب الخط والهجاء قال لى اكتب كتابنا هذا قلت له نعم إلا أنى آخذ بآخر حرف منه قال وما هو قلت قوله ومن عرف صواب اللفظ عرف صواب الخط
قال أبو الحسين بن فارس فى كتاب فقه اللغة يروى أن أول من كتب الكتاب العربى والسريانى والكتب كلها آدم عليه السلام قبل موته بثلاثمائة سنة كتبها فى طين وطبخه فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه فأصاب إسماعيل الكتاب العربى
وكان ابن عباس يقول أول من وضع الكتاب العربى إسماعيل عليه السلام قال والروايات فى هذا الباب كثيرة ومختلفة
والذى نقوله إن الخط توقيفي لقوله علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وقال تعالى ن والقلم وما يسطرون وإذا كان كذا فليس ببعيد أن يوقف آدم وغيره من الأنبياء عليهم السلام على الكتاب
وزعم قوم أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها وانهم لم يعرفوا نحوا ولا إعرابا ولا رفعا ولا نصبا ولا همزا
ومذهبنا فيه التوقيف فنقول إن أسماء هذه الحروف داخلة فى الأسماء التى علم الله تعالى آدم عليه السلام
قال وما اشتهر أن أبا الأسود أول من وضع العربية وأن الخليل أول من وضع العروض فلا ننكره وإنما نقول إن هذين العلمين كانا قديما وأتت عليهما الأيام وقلا فى أيدى الناس ثم جددهما هذان الإمامان
ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم ذلك كتابتهم المصحف على الذى يعلله النحويون فى ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالواو ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنا نحو الخبء والدفء والملء فصار ذلك كله حجة وحتى كره بعض العلماء ترك اتباع المصحف
وأسند إلى الفراء قال اتباع المصحف إذا وجدت له وجها من كلام العرب وقراءة الفراء أحب إلى من خلافه
وقال أشهب سئل مالك رحمه الله هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء فقال لا إلا على الكتبة الأولى رواه أبو عمرو الدانى فى المقنع ثم قال ولا مخالف له من علماء الأمة
وقال فى موضع آخر سئل مالك عن الحروف فى القرآن مثل الواو والألف أترى أن تغير من المصحف إذا وجدا فيه كذلك فقال لا قال أبو عمرو يعنى الواو والألف المزيدتين فى الرسم لمعنى المعدومتين فى اللفظ نحو الواو فى أولوا الألباب وأولات و الربوا ونحوه
وقال الإمام أحمد رحمه الله تحرم مخالفة خط مصحف عثمان فى ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك
قلت وكان هذا فى الصدر الأول والعلم حى غض وأما الأن فقد يخشى الإلباس ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة لئلا يوقع فى تغيير من الجهال ولكن لا ينبغى إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدى إلى دروس العلم وشىء أحكمته القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة وقد قال البيهقى فى شعب الإيمان من كتب مصحفا فينبغى أن يحافظ على حروف الهجاء التى كتبوا بها تلك المصاحف ولا يخالفهم فيها ولا يغير مما كتبوه شيئا فإنهم أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة منا فلا ينبغى أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم وروى بسنده عن زيد قال القراءة
سنة قال سليمان بن داود الهاشمى يعنى ألا تخالف الناس برأيك فى الاتباع
قال وبمعناه بلغنى عن أبى عبيد فى تفسير ذلك وترى القراء لم يلتفوا إلى مذهب العربية فى القراءة إذا خالف ذلك خط المصحف واتباع حروف المصاحف عندنا كالسنن القائمة التى لا يجوز لأحد أن يتعداها
مسألة
فى كتابة القرآن بغير الخط العربى $
هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير العربى هذا مما لم أر للعلماء فيه كلاما ويحتمل الجواز لأنه قد يحسنه من يقرأه بالعربية والأقرب المنع كما تحرم قراءته بغير لسان العرب ولقولهم القلم أحد اللسانين والعرب لا تعرف قلما غير العربى قال تعالى بلسان عربي مبين اختلاف رسم الكلمات فى المصحف والحكمة فيه $
واعلم أن الخط جرى على وجوه فيها ما زيد عليه على اللفظ ومنها ما نقص ومنها ما كتب على لفظه وذلك لحكم خفية وأسرار بهية تصدى لها أبو العباس المراكشى الشهير بابن البناء فى كتابه عنوان الدليل فى مرسوم خط التنزيل وبين أن هذه الأحرف إنما اختلف حالها فى الخط بحسب اختلاف أحوال معانى كلماتها
ومنها التنبيه على العوالم الغائب والشاهد ومراتب الوجود والمقامات والخط إنما يرتسم على الأمر الحقيقي لا الوهمى
الزائد وأقسامه
الأول ما زيد فيه والزائد أقسام
القسم الأول زيادة الألف
الأول الألف وهى إما أن تزاد من أول الكلمة أو من آخرها أو من وسطها
فالأول تكون بمعنى زائد بالنسبة إلى ما قبله فى الوجود مثل لأذبحنه و ولأوضعوا خلالكم زيدت الألف تنبيها على أن المؤخر أشد فى الوجود من المقدم عليه لفظا فالذبح أشد من العذاب والإيضاع أشد إفسادا من زيادة الخبال واختلفت المصاحف فى حرفين / < لا إلى الجحيم > / و لإلى الله تحشرون فمن رأى أن مرجعهم إلى الجحيم أشد من أكل الزقوم وشرب الحميم وأن حشرهم إلى الله أشد عليهم من موتهم أو قتلهم فى الدنيا أثبت الألف ومن
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر