علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٣٧ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٣٦٢–٣٧١

ثم إن فتحت التى فى قوله تعالى وأنه لما قام عبد الله رابعة تابعة فإن فتحت التى بعد سمعنا كانت هى واللواتى بعدها إلى قوله حطبا داخله فى القول حملا على المعنى وقد يجوز أن تكون هى الثانية ثم تعد بعدها على النسق

ونحو قوله تعالى إذا الشمس كورت إلى قوله علمت نفس ما أحضرت وعلى هذا القياس

الثالث الأنقص ومثل له بقراءة بعضهم وإن كلا لما ليوفينهم وقراءة بعضهم لكن هو الله والفرق بينهما أن التام قد يجوز أن يقع فيه بين القولين مهلة وتراخ فى اللفظ والناقص لا يجوز أن يقع فيه بين جزأى القول إلا قليل لبث والذى دونهما لا لبث فيه ولا مهلة أصلا

ثم إن كلا من التام والناقص ينقسم فى ذاته أقساما فالتام أتمه مالا يتعلق اللاحق فيه من القولين بالسابق معنى كما لا يتعلق به لفظا وذلك نحو قوله تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور لله ملك السماوات والأرض وشأن ما يتعلق فيه أحد القولين بالآخر معنى وإن كان لا يتعلق به لفظا وذلك كقوله يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون وتعلق الثانى فيه بالأول تعلق الحال بذى الحال معنى

ونحو قوله تعالى إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون إلى قوله فجعلهم جذاذا إلى قوله بل فعله كبيرهم هذا فهذه الحال قد عطف بعضها فى المعنى وظاهر كل واحد منها الاستئناف فى اللفظ

ونحو قوله تعالى فهم به مستمسكون بل قالوا وأنت تعلم أن بل لا يبتدأ بها

ونحو وكنتم أزواجا ثلاثة فإن ما بعده منقطع عنه لفظا إذ لا تعلق له من جهة اللفظ لكنه متعلق به معنى وتعلقه قريب من تعلق الصفة بالموصوف إلى قوله وتصلية جحيم

ونحو قوله يا أيها الناس اتقوا ربكم فإن الوقف عليه تام ولكنه ليس بالأتم لأن ما بعده وهو قوله تعالى إن زلزلة الساعة شيء عظيم كالعلة لما قبلها فهو متعلق به معنى وإن كان لا تعلق له من جهة اللفظ فقس على هذا ما سواه فإنه أكثر أنواع الوقوف استعمالا وليس إذا حاولت بيان قصة وجب عليك ألا تقف إلا فى آخرها ليكون الوقف القول على الأتم ومن ثم أتى به من جعل الوقف على عليكم من قوله والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم غير تام

فصل

متى يحسن الوقف الناقص

يحسن الوقف الناقص بأمور

منها أن يكون لضرب من البيان كقوله تعالى ولم يجعل له عوجا قيما إذ به تبين أن قيما منفصل عن عوجا وإنه حال فى نية التقدم

وكما فى قوله تعالى وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ليفصل به بين التحريم النسبى والسببى

قلت ومنه قوله تعالى يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ليبين أن هذا ليس من مقولهم

ومنها أن يكون على رءوس الآى كقوله تعالى ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ونحوه لعلكم ترحمون أن تقولوا وكان نافع يقف على رءوس الآى كثيرا ومنه قوله تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون

ومنها أن تكون صورته فى اللفظ صورة الوصل بعينها نحو قوله تعالى كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى

ومنها أن يكون الكلام مبنيا على الوقف فلا يجوز فيه إلا الوقف صيغة كقوله يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه

هذا فى الناقص ومثاله فى التام وما أدراك ما هيه نار حامية

فصل

خواص الوقف التام

من خواص التام المراقبة وهو أن يكون الكلام له مقطعان على البدل كل واحد منهما إذا فرض فيه وجب الوصل فى الآخر وإذا فرض فيه الوصل وجب الوقف فى الآخر كالحال بين حياة وبين أشركوا من قوله ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر فإنك إن جعلت القطع على حياة وجب أن تبتدىء فتقول ومن الذين أشركوا يود على الوصل لأن يود صفة للفاعل فى موضعه فلا يجوز الوقف دونه وكذلك إن جعل المقطع أشركوا وجب أن يصل على حياة على أن يكون التقدير وأحرص من الذين أشركوا والله أعلم بمراده

ومنه أيضا ما تراه بين لا ريب وبين فيه من قوله تعالى لا ريب فيه

فصل

انقسام الناقص بانقسام خاص

ينقسم الناقص بانقسام ما مر من التعلق اللفظى بين طرفيه فكلما كان التعلق أشد وأكثر كان الوقف أنقص وكلما كان أضعف واوهى كان الوقف أقرب إلى التمام والتوسط يوجب التوسط

فمن وكيد التعلق ما يكون بين توابع الاسمية والفعلية وبين متبوعاتها إذا لم يمكن أن يتمحل لها فى إعرابها وجه غير الإتباع ومن ثم ضعف الوقف على منتصرين من قوله تعالى وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين وقوم نوح فيمن جر غاية الضعف

وضعف على أثيم من قوله ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم

وضعف على به من قوله تعالى سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا

وضعف على أبدا من قوله ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا

على أن هذه الطبقة من التعلق قد تنقسم أقساما فإنه ليس بين البدل والمبدل منه من التعلق بين الصفة والموصوف على ما ذكرناه

وأوهى من هذا التعلق ما يكون بين الفعل وبين ما ينتصب عنه من الزوائد التى لا يخل حذفها بالكلام كبير إخلال كالظرف والتمييز والاستثناء المنقطع ولذلك كان الوقف على نحو عجبا من قوله أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف أوهى من الوقوف المذكورة

فإن وسطت بين التعلق بالمذكور من المتعلق الذى للمفعول أو الحال المخصصة أو الاستثناء الذى يتغير بسقوطه المعنى وانتصب كان لك فى الوقف على نحو مسغبة من قوله تعالى أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة وعلى نحو قليلا من قوله تعالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين وعلى نحو مصيرا من قوله مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين وعلى نحو واحدة و زوجها من قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وعلى نحو نذيرا من قوله تعالى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا مرتبة بين المرتبتين المذكورتين

فهذه ثلاث مراتب للوقف الناقص كما ترى بإزاء ثلاث طبقات من التعلق المذكور فإن قسمت طبقة من الطبقات انقسمت بإزائها مرتبة من المراتب فقد خرج لك بحسب هذه القسمة وهى القسمة الصناعية ستة أصناف من الوقف فى الكلام خمسة منها بحسب الكلام نفسه وهى الأتم والتام والذى يشبه التام والناقص المطلق والأنقص وواحد من جهة المتكلم أو القارىء وهو الذى بحسب انقطاع النفس كما سبق عن حمزة

واعلم أن الوقف فى الكلام قد يمكن أن يكون من غير انقطاع نفس وإن كان لا شىء من انقطاع النفس إلا ومعه الوقف والوقوف أمرها على سبيل الجواز إلا الذى بنى عليه الكلام وما سواه فعليك منه أن تختار الأفضل فالأفضل بشرط أن تطابق به انقطاع نفسك لينجذب عند السكت إلى باطنك من الهواء ما تستعين به ثانيا على الكلام الذى تنشئه بإخراجه على الوجه المذكور

ومما يدعو إلى الوقف فى موضع الوقف الترتيل فإنه أعون شىء عليه وقد أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم فى قوله ورتل القرآن ترتيلا

ويدعو إليه اجتناب تكرير اللفظة الواحدة فى القرآن تكريرا من غير فصل كما فى قوله تعالى فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق وقوله لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين

فصل

فى الكلام على كلا فى القرآن

كلا فى القرآن على ثلاثة أقسام

إحداها ما يجوز الوقف عليه والابتداء به جميعا باعتبار معنيين

والثانى ما لا يوقف عليه ولا يبتدأ به

والثالث ما يبتدأ به ولا يجوز الوقف عليه وجملته ثلاثة وثلاثون حرفا تضمنها خمس عشرة سورة كلها فى النصف الأخير من القرآن وليس فى النصف الأول منها شىء وللشيخ عبد العزيز الديرينى رحمه الله % % وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن % % ولم تأت فى القرآن فى نصفه الأعلى % $

وحكمة ذلك أن النصف الآخر نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة فتكررت هذه الكلمة على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم بخلاف النصف الأول وما نزل منه فى اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلهم وضعفهم

والأول اثنا عشر حرفا

منها فى سورة مريم أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا

ومنه فيها ليكونوا لهم عزا كلا

وفى المؤمنين فيما تركت كلا

وفى المعارج ينجيه كلا وفيها جنة نعيم كلا

وفى المدثر أن أزيد كلا وفيها صحفا منشرة كلا

وفى القيامة أين المفر كلا

وفى عبس تلهى كلا

وفى التطفيف قال أساطير الأولين كلا

وفى الفجر أهانن كلا

وفى الهمزة أخلده كلا

والثانى ثلاثة أحرف

فى الشعراء أن يقتلون قال كلا

وفيها إنا لمدركون قال كلا

وفى سبأ ألحقتم به شركاء كلا

والثالث ثمانية عشر حرفا

فى المدثر كلا والقمر كلا إنه تذكرة

وفى القيامة كلا بل تحبون العاجلة كلا إذا بلغت التراقي

وفى النبأ كلا سيعلمون

وفى عبس كلا لما يقض

وفى الانفطار كلا بل تكذبون

وفى التطفيف كلا إن كتاب الفجار كلا إنهم

وفى الفجر كلا إذا

وفى العلق كلا إن كلا لئن لم ينته كلا لا تطعه

وفى التكاثر كلا سوف تعلمون

وقسمها مكى أربعة أقسام

الأول ما يحسن الوقف فيه على كلا على معنى الرد لما قبلها والإنكار له فتكون بمعنى ليس الأمر كذلك والوقف عليها فى هذه المواضع هو الاختيار ويجوز الابتداء بها على معنى حقا أو إلا وذلك أحد عشر موضعا

منها الموضعان فى مريم وفى المؤمنين

وفى سبأ ألحقتم به شركاء كلا وموضعان فى المعارج وموضعان فى المدثر وموضع فى المطففين والفجر والحطمة قال فهذه أحد عشر موضعا الاختيار عندنا وعند أكثر أهل اللغة أن تقف عليها على معنى النفى والإنكار لما تقدمها ويجوز أن تبتدىء بها على معنى حقا لجعلها تأكيدا للكلام الذى بعدها أو الاستفتاح

الثانى مالا يحسن الوقف عليه فيها ولا يكون الابتداء بها على معنى حقا أو إلا

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر