علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٣٦ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٣٥٢–٣٦١

بعده نحو حرمت عليكم أمهاتكم هنا الوقف ثم يبتدىء بما بعد ذلك وهكذا باقى المعطوفات وكل رأس آية بعدها لام كى وإلا بمعنى لكن وإن المكسورة المشددة والاستفهام وبل وألا المخففة والسين وسوف على التهدد و نعم وبئس وكيلا وغالبهن كاف ما لم يتقدمهن قول أو قسم وقيل أن المفتوحة المخففة خمسة لا غير البقرة وأن تصوموا وأن تعفوا وأن تصدقوا والنساء وإن تصبروا والنور وأن يستعففن

والحسن هو الذى يحسن الوقوف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به فى اللفظ والمعنى نحو الحمد لله رب العالمين و الرحمن الرحيم والوقف عليه حسن لأن المراد مفهوم والابتداء بقوله رب العالمين و الرحمن الرحيم و مالك يوم الدين لا يحسن لأن ذلك مجرور والابتداء بالمجرور قبيح لأنه تابع

والقبيح هو الذى لا يفهم منه المراد نحو الحمد فلا يوقف عليه ولا على الموصوف دون الصفة ولا على البدل دون المبدل منه ولا على المعطوف دون المعطوف عليه نحو كذبت ثمود وعاد ولا على المجرور دون الجار

وأقبح من هذا الوقف على قوله لقد كفر الذين قالوا ومن يقل منهم والابتداء بقوله إن الله هو المسيح ابن مريم إن الله ثالث ثلاثة إني إله لأن المعنى يستحيل بهذا فى الابتداء ومن تعمده وقصد معناه فقد كفر ومثله فى القبح الوقف على فبهت الذي كفر والله و مثل السوء ولله وشبهه ومثله وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه و إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى

وأقبح من هذا وأشنع الوقف على النفى دون حروف الإيجاب نحو لا إله إلا الله وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وكذا وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم والذين كفروا و الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا فإن اضطر لأجل التنفس جاز ذلك ثم يرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده ولا حرج

وقال بعضهم إن تعلقت الآية بما قبلها تعلقا لفظيا كان الوقف كافيا نحو اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين وإن كان معنويا فالوقف على ما قبلها حسن كاف نحو الحمد لله رب العالمين وإن لم يكن لا لفظيا ولا معنويا فتام

كقوله ولا هم يحزنون بعده الذين يأكلون الربا وإن كانت الآية مضادة لما قبلها كقوله أنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش فالوقف عليه قبيح

واعلم أن وقف الواجب إذا وقفت قبل والله ثم ابتدأت بوالله وهو الوقف الواجب كقوله تعالى حذر الموت والله محيط بالكافرين

وقال بعض النحويين الجملة التأليفية إذا عرفت أجزاؤها وتكررت أركانها كان ما أدركه الحس فى حكم المذكور فله أن يقف كيف شاء وسواء التام وغيره إلا أن الأحسن أن يوقف على الأتم وما يقدر به

وذهب الجمهور إلى أن الوقف فى التنزيل على ثمانية أضرب تام وشبيه به وناقص وحسن وشبيه به وقبيح وشبيه به وصنفوا فيه تصانيف فمنها ما أثروه عن النحاة ومنها ما أثروه عن القراء ومنها ما استنبطوه ومنها ما اقتدوا فيه بالسنة فقط كالوقف على أواخر الآى وهى مواقف النبى صلى الله عليه وسلم

وذهب أبو يوسف القاضى صاحب أبى حنيفة إلى أن تقدير الموقوف عليه من القرآن التام والناقص والحسن والقبيح وتسميته بذلك بدعة ومتعمد الوقف على نحوه مبتدع قال لأن القرآن معجز وهو كالقطعة الواحدة فكله قرآن وبعضه قرآن وكله تام حسن وبعضه تام حكى ذلك أبو القاسم بن برهان النحوى عنه

وقال ابن الانبارى لا يتم الوقف على المضاف دون المضاف إليه ولا على الرابع دون المرفوع ولا على المرفوع دون الرافع ولا على الناصب دون المنصوب ولا عكسه ولا على المؤكد دون التأكيد ولا على المعطوف دون المعطوف عليه ولا على إن وأخواتها دون اسمها ولا على اسمها دون خبرها وكذا ظننت ولا على المستثنى منه دون الاستثناء ولا على المفسر عنه دون التفسير ولا على المترجم عنه دون المترجم ولا على الموصول دون صلته ولا على حرف الاستفهام دون ما استفهم به عنه ولا على حرف الجزاء دون الفعل الذى بينهما ولا على الذى يليه دون الجواب وجوز أبو على الوقف على ما قبل إلا إذا كانت بمعنى لكن كقوله تعالى إلا ما اضطررتم إليه وكقوله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى و إلا اتباع الظن ونحوه

وقال أبو عبيد يجوز الوقف دون إلا خطأ إلا اللمم إلا سلاما لأن المعنى لكن يقع خطأ ولكن قد يلم ولكن يسلمون سلاما وجميعه استثناء منقطع

وقال غيره لا يجوز الوقف على المبدل دون البدل إذا كان منصوبا وإن كان مرفوعا جاز الوقف عليه

والحاصل أن كل شىء كان تعلقه بما قبله كتعلق البدل بالمبدل منه أو أقوى لا يجوز الوقف عليه

مسألة

فصل بعضهم فى الصفة بين أن تكون للاختصاص فيمتنع الوقف على موصوفها دونها وبين أن تكون للمدح فيجوز وجرى عليه الرمانى فى الكلام على قوله تعالى وبشر الصابرين قال ويجوز الوقف عليه خلافا لبعضهم وعامل الصفة فى المدح غير عامل الموصوف فلهذا جاز قطعها عما قبلها بخلاف الاختصاص فإن عاملها عامل الموصوف وسيأتى فى كلام الزمخشرى ما يؤيده

مسألة

لا خلاف فى التسامح بالوقف على المستثنى منه دون المستثنى إذا كان متصلا واختلف فى الاسثثناء المنقطع فمنهم من يجوزه مطلقا ومنهم من يمنعه مطلقا وفصل ابن الحاجب فى أماليه فقال يجوز إن صرح بالخبر ولا يجوز إن لم يصرح به لأنه إذا صرح بالخبر استقلت الجملة واستغنت عما قبلها وإذا لم يصرح به كانت مفتقرة إلى ما قبلها قال ووجه من جوز مطلقا أنه في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه فكان مثل قولنا زيد لمن قال من أبوك ألا ترى أن تقدير المنقطع فى قولك ما فى الدار أحد إلا الحارث لكن الحارث فى الدار ولو قلت لكن الحارث مبتدئا به بعد الوقوف على ما قبله لكان حسنا ألا ترى إلى جواز الوقف بالإجماع على مثل قوله إن الله لا يظلم الناس شيئا

والابتداء بقوله ولكن الناس أنفسهم يظلمون فكذلك هذا ووجه من قال بالمنع ما أرى من احتياج الاستثناء المنقطع إلى ما قبله لفظا ومعنى أما اللفظ فلأنه لم يعهد استعمال إلا وما فى معناها إلا متصلا بما قبلها لفظا ألا ترى أنك إذا قلت ما فى الدار أحد غير حمار فوقفت على ما قبل غير وابتدأت به كان قبيحا فكذلك هذا وأما المعنى فلأن ما قبله مشعر بتمام الكلام فى المعنى فإن ما فى الدار أحد إلا الحمار هو الذى صحح قولك إلا الحمار ألا ترى أنك لو قلت إلا الحمار على انفراده كان خطأ

مسألة

اختلف فى الوقف على الجملة الندائية والمحققون كما قاله ابن الحاجب على الجواز لأنها مستقلة وما بعدها جملة أخرى وإن كانت الأولى تتعلق بها من حيث كانت هى فى المعنى

قاعدة

فى الذى والذين فى القرآن $

جمع ما فى القرآن من الذين والذى يجوز فيه الوصل بما قبله نعتا له والقطع على أنه خبر مبتدأ إلا فى سبعة مواضع فإن الابتداء بها هو المعين

الأول قوله الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته

الثانى قوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فى البقرة

الثالث فى الأنعام كذلك

الرابع قوله الذين يأكلون الربا لا يقومون

الخامس فى سورة التوبة الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله

السادس قوله فى سورة الفرقان الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم

السابع قوله فى سورة حم المؤمن أنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش ومن حوله

وقال الزمخشرى فى تفسير سورة الناس يجوز أن يقف القارىء على الموصوف ويبتدىء الذي يوسوس إن جعله على القطع بالرفع والنصب بخلاف ما إذا جعله صفة وهذا يرجع لما سبق عن الرمانى من الفصل بالصفة بين التخصيصية والقطيعة

وجميع ما فى القرآن من القول لا يجوز الوقف عليه لأن ما بعده حكاية القول قاله الجوينى فى تفسيره

وهذا الإطلاق مردود بقوله تعالى ولا يحزنك قولهم فإنه يجب الوقف

هنا لأن قوله إن العزة لله جميعا ليس من مقولهم

قال وسمعت أبا الحسين الدهان يقول حيث كان فيه إضمار من القرآن حسن الوقف مثاله قوله تعالى فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فيحسن الوقف هاهنا لأن فيه إضمارا تقديره فضرب فانفلق

فصل

ملخص فى تقسيمات الوقف

$ فصل جامع لخصته من كلام صاحب المستوفى فى العربية

قال تقسيمهم الوقف إلى الجودة والحسن والقبح والكفاية وغير ذلك وإن كان يدل على ذلك فليست القسمة بها صحيحة مستوفاة على مستعملها وقد حصل لقائلها من التشويش ما إذا شئت وجدته فى كتبهم المصنفة فى الوقوف

فالوجه أن يقال الوقف ضربان اضطرارى واختيارى

فالاضطرارى ما يدعو إليه انقطاع النفس فقط وذلك لا يخص موضعا دون موضع حتى إن حمزة كان يقف فى حرفه على كل كلمة تقع فيها الهمزة متوسطة أو متطرفة إذا أراد تسهيلها وحتى إنه روى عنه الوقف على المضاف دون المضاف إليه فى نحو قوله ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات قالوا وقف هنا بالتاء على نحو جاءنى طلحت إشعارا بأن الكلام لم يتم عند ذاك وكوقفه على إلى

من قوله وإذا خلوا إلى بالفاء حركة الهمزة على الساكن قبلها كهذه الصورة خلولى وعلى هذا يجوز أن يقف فى المنظوم من القول حيث شئت وهذا هو أحسن الوقفين

والاختيارى وهو أفضلهما هو الذى لا يكون باعتبار انفصال ما بين جزأى القول وينقسم بانقسام الانفصال أقساما

الأول التام وهو الذى يكون بحيث يستغنى كل واحد من جزأى القولين اللذين يكتفانه عن الآخر كالوقف على نستعين من قوله إياك نعبد وإياك نستعين والآخر اهدنا الصراط المستقيم مستغن عن الآخر من حيث الإفادة النحوية والتعلق اللفظى

الثانى الناقص وهو أن يكون ما قبله مستغنيا عما بعده ولا يكون ما بعده مستغنيا عما قبله كالوقف على المستقيم من قوله اهدنا الصراط المستقيم ولأن لك أن تسكت على اهدنا الصراط المستقيم وليس لك أن تقول مبتدئا صراط الذين أنعمت عليهم

فإن قيل ولم لا يجوز أن يقدر هاهنا الفعل الذى ينتصب به صراط

قلنا أول ما فى ذلك أنك إذا قدرت الفعل قبل صراط لم تكن مبتدئا به من حيث المعنى ثم إن فعلت ذلك كان الوقف تاما لأن كل واحد من طرفيه يستغنى حينئذ عن الآخر

والنحويون يكرهون الوقف الناقص فى التنزيل مع إمكان التام فإن طال الكلام ولم يوجد فيه وقف تام حسن الأخذ بالناقص كقوله تعالى قل أوحي إلى قوله فلا تدعوا مع الله أحدا إن كسرت بعده إن فإن

فتحتها فإلى قوله كادوا يكونون عليه لبدا لأن الأوجه فى إن فى الآية أن تكون محمولة على أوحي وهذا أقرب من جعل الوقف التام حطبا وحمل وأن لو استقاموا على القسم فاضطر في وأن المساجد لله إلى أن جعل التقدير فلا تدعوا مع الله أحدا لأن المساجد لله

فإن قيل هذا هو الوجه فى فتح إن فى الجملة التى بعد قوله فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا فلم لا يلزم من جعل الوقف التام حطبا ألا يقف قبله على هذه الجمل فى كسر إن فى أول كل واحدة منها

قلنا لأن هذه الجمل داخلة فى القول وما يكون داخلا فى القول لا يتم الوقف دونه كما أن المعطوف إذا تبع المعطوف عليه فى إعرابه الظاهر والمقدر لا يتقدمه الوقف تاما

فإن قيل فهل يجوز الفصل بالمكسورات بين أنه استمع وبين وأنه لما قام عبد الله فيمن فتحهما وقد عطف بالثانية على الأولى

قيل أما عندنا فليس ذلك بفصل لأن ما بعد إنا سمعنا من المكسورات معطوف عليها وهى داخلة فى القول والقول أعنى فقالوا معطوف على استمع و استمع من صلة أن الأولى المفتوحة فالمكسورات تكون فى خبر المفتوحة الأولى فيعطف عليها الثانية بلا فصل بينها والثانية عندنا هى المخففة فى قوله تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة ثم الثالثة هى التى فى قوله وأن المساجد لله

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر