علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٣٥ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٣٤٢–٣٥١

النوع الرابع والعشرون

معرفة الوقف والابتداء

وهو فن جليل وبه يعرف كيف أداء القرآن ويترتب على ذلك فوائد كثيرة واستنباطات غزيرة وبه تتبين معانى الآيات ويؤمن الإحتراز عن الوقوع فى المشكلات

وقد صنف فيه الزجاج قديما كتاب القطع والاستئناف وابن الأنبارى وابن عباد والدانى والعمانى وغيرهم

وقد جاء عن ابن عمر أنهم كانوا يعملون ما ينبغى أن يوقف عنده كما يتعلمون القرآن

وروى عن ابن عباس ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان قال فانقطع الكلام

واستأنس له ابن النحاس بقول صلى الله عليه وسلم للخطيب بئس الخطيب أنت حين قال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها ووقف قال قد كان ينبغى أن يصل كلامه فيقول ومن يعصمها فقد غوى أو يقف على ورسوله فقد رشد فإذا كان مثل هذا مكروها فى الخطب ففى كلام الله أشد

وفيما ذكره نزاع ليس هذا موضعه وقد سبق حديث

أنزل القرآن على سبعة أحرف كل كاف شاف ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة أو آية رحمة بآية عذاب

وهذا تعليم للتمام فإنه ينبغى أن يوقف على الآية التى فيها ذكر العذاب والنار وتفصل عما بعدها نحو أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ولا توصل بقوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات وكذا قوله حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار ولا توصل بقوله الذين يحملون العرش وكذا يدخل من يشاء في رحمته ولا يجوز أن يوصل بقوله والظالمون وقس على هذا نظائره

حاجة هذا الفن إلى مختلف العلوم

وهذا الفن معرفته تحتاج إلى علوم كثيرة قال أبو بكر بن مجاهد لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحوى عالم بالقراءات عالم بالتفسير والقصص وتلخيص بعضها من بعض عالم باللغة التى نزل بها القرآن وقال غيره وكذا علم الفقه ولهذا من لم يقبل شهادة القاذف وإن تاب وقف عند قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا

فأما احتياجه إلى معرفة النحو وتقديراته فلأن من قال في قوله تعالى ملة أبيكم إبراهيم إنه منصوب بمعنى كملة أوأعمل فيها ما قبلها لم يقف على ما قبلها

وكذا الوقف على قوله ولم يجعل له عوجا ثم يبتدىء قيما لئلا يتخيل كونه صفة له إذا العوج لا يكون قيما وقد حكاه ابن النحاس عن قتادة

وهكذا الوقف على ما في آخره هاء فإنك في غير القرآن تثبت الهاء إذا وقفت وتحذفها إذا وصلت فتقول قه وعه وتقول ق زيدا وع كلامي فأما في القرآن من قوله تعالى كتابيه و حسابيه و سلطانيه و ما هيه و لم يتسنه و اقتده وغير ذلك فالواجب أن يوقف عليه بالهاء لأنه مكتوب في المصحف بالهاء ولا يوصل لأنه يلزم في حكم العربية إسقاط الهاء في الوصل فإن أثبتها خالف العربية وإن حذفها خالف مراد المصحف ووافق كلام العرب وإذا هو وقف عليه خرج من الخلافين واتبع المصحف وكلام العرب

فإن قيل فقد جوزوا الوصل فى ذلك

قلنا أتو به على نية الوقف غير أنهم قصروا زمن الفصل بين النطقين فظن من لا خيرة له أنهم وصلوا وصلا محضا وليس كذلك

ومثله قراءة ابن عامر لكن هو الله ربي بإثبات الألف فى حال الوصل اتبعوا فى إثباتها خط المصحف لأنهم أثبتوها فيه على نية الوقف فلهذا أثبتوها فى حال الوصل وهم على نية الوقف

وأما احتياجه إلى معرفة التفسير فلأنه إذا وقف على فإنها محرمة عليهم أربعين سنة كان المعنى محرمة عليهم هذه المدة وإذا وقف على فإنها محرمة عليهم كان المعنى محرمة عليهم أبدا وأن التيه أربعين فرجع فى هذا إلى التفسير فيكون بحسب ذلك

وكذا يستحب الوقف على قوله من بعثنا من مرقدنا ثم يبتدىء فيقول هذا ما وعد الرحمن لأنه قيل إنه من كلام الملائكة

وأما احتياجه إلى المعنى فكقوله قال الله على ما نقول وكيل فيقف على قال وقفة لطيفة لئلا يتوهم كون الاسم الكريم فاعل قال وإنما الفاعل يعقوب عليه السلام

وكذا يجب الوقف على قوله ولا يحزنك قولهم ثم يبتدىء إن العزة لله جميعا

وقوله فلا يصلون إليكما بآياتنا قال الشيخ عز الدين الأحسن

الوقف على إليكما لأن إضافة الغلبة إلى إلى الآيات أولى من إضافة عدم الوصول إليها لأن المراد بالآيات العصا وصفاتها وقد غلبوا بها السحرة ولم تمنع عنهم فرعون

وكذا يستحب الوقف على قوله أولم يتفكروا والابتداء بقوله ما بصاحبهم من جنة فإن ذلك يبين أنه رد لقول الكفار يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون وقال الدانى إنه وقف تام

وكذا الوقف على قوله ولذلك خلقهم والابتداء بما بعده أى لأن يرحمهم فإن ابن عباس قال فى تفسير الآية ولا يزالون مختلفين يعنى اليهود والنصارى إلا من رحم ربك يعنى أهل الإسلام ولذلك خلقهم أى لرحمته خلقهم

وكذلك الوقف على قوله يوسف أعرض عن هذا والابتداء بقوله واستغفري لذنبك فإن بذلك يتبين الفصل بين الأمرين لأن يوسف عليه السلام أمر بالأعراض وهو الصفح عن جهل من جهل قدره وأراد ضره والمرأة أمرت بالاستغفار لذنبها لأنها همت بما يجب الاستغفار منه ولذلك أمرت به ولم يهم بذلك يوسف عليه السلام ولذلك لم يؤمر بالاستغفار منه وإنما هم بدفعها عن نفسه لعصمته ولذلك أكد أيضا بعض العلماء الوقف على قوله تعالى ولقد همت به والابتداء بقوله وهم بها وذلك للفصل بين الخبرين وقد قال الدانى إنه كاف وقيل تام وذكر بعضهم أنه على

حذف مضاف أى هم بدفعها وعلى هذا فالوقف على همت به كالوقف على قوله تعالى لنبين لكم والابتداء بقوله وهم بها كالابتداء بقوله ونقر في الأرحام

ومثله الوقف مراعاة للتنزيه على قوله وهو الله وقد ذكر صاحب الاكتفا أنه تام وذلك ظاهر على قول ابن عباس أنه على التقديم والتأخير والمعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم فى السموات والأرض

وكذلك حكى الزمخشرى فى كشافه القديم عن أبى حاتم السجستانى فى قوله مستهزؤون الله يستهزئ بهم قال ليس مستهزؤون بوقف صالح لا أحب استئناف الله يستهزئ بهم ولا استئناف ومكر الله والله خير الماكرين حتى أصله بما قبله قال وإنما لم يستحب ذلك لأنه إنما جاز إسناد الاستهزاء والمكر إلى الله تعالى على معنى الجزاء عليهما وذلك على سبيل المزاوجة فإذا استأنفت وقطعت الثانى من الأول أوهم أنك تسنده إلى الله مطلقا والحكم فى صفاته سبحانه أن تصان عن الوهم

وكذلك قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله قال صاحب الاكتفا

إنه تام على قول من زعم أن الراسخين لم يعلموا تأويله وقول الأكثرين ويصدقه قراءة عبد الله ويقول الراسخون فى العلم آمنا به

وكذلك الوقف على وقالوا اتخذ الله ولدا والابتداء بقوله سبحانه وقد ذكر ابن نافع أنه تام فى كتابه الذى تعقب فيه على صاحب الاكتفا واستدرك عليه فيه مواقف كثيرة وذلك أن الله أخبر عنهم بقولهم اتخذ الله ولدا ثم رد قولهم ونزه نفسه بقوله سبحانه فينبغى أن يفصل بين القولين

ومثله الوقف على قوله تعالى الشيطان سول لهم والابتداء بقوله وأملي لهم قال صاحب الكافى سول لهم كاف سواء قرىء وأملي لهم على ما يسم فاعله أو وأملي لهم على الإخبار لأن الإملاء فى كلتا القراءتين مسند إلى الله تعالى لقوله فأمليت للكافرين فيحسن قطعه من التسويل الذى هو مسند إلى الشيطان وهو كما قال وإنما يحسن قطعه بالوقف ليفصل بين الحرفين ولقد نبه بعض من وصله على حسن هذا الوقف فاعتذر بأن الوصل هو الأصل

ومثله الوقف على قوله رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها والابتداء بقوله ما كتبناها عليهم وذلك للإعلام بأن الله تعالى جعل الرهبانية فى قلوبهم أى خلق كما جعل الرأفة والرحمة فى قلوبهم وإن كانوا قد ابتدعوها فالله تعالى خلقها بدليل قوله سبحانه والله خلقكم وما تعملون هذا مذهب أهل السنة

وقد نسب أبو على الفارسى إلى مذهب الاعتزال بقوله فى الإيضاح حين تكلم على هذه الآية فقال ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا مع وصفها بقوله ابتدعوها لأن ما يجعله الله لا يبتدعونه فكذلك ينبغى أن يفصل بالوقف بين المذهبين

ومثله الوقف على قوله تعالى فإن الله هو مولاه والابتداء بقوله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير أى معينون له صلى الله عليه وسلم فتكون هذه الجملة مستأنفة

وأما احتياجه إلى المعرفة بالقراءات فلأنه إذا قرأ ويقولون حجرا محجورا بفتح الحاء كان هذا التمام وإن ضم الحاء وهى قراءة الحسن فالوقف عند حجرا لأن العرب كان إذا نزل بالواحد منهم شدة قال حجرا فقيل له محجورا أى لا تعاذون كما كنتم تعاذون فى الدنيا حجر الله ذلك عليهم يوم القيامة

وإذا قرأ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله قصاص فهو التام إذا نصب والعين بالعين ومن رفع فالوقف عند أن النفس بالنفس وتكون والعين بالعين ابتداء حكم فى المسلمين وما قبله فى التوراة

واعلم أن أكثر القراء يبتغون فى الوقف المعنى وإن لم يكن رأس آية ونازعهم فيه بعض المتأخرين فى ذلك وقال هذا خلاف السنة فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقف عند كل آية فيقول الحمد لله رب العالمين ويقف ثم يقول الرحمن الرحيم وهكذا روت أم سلمة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته آية آية ومعنى هذا الوقف على رءوس الآي وأكثر اواخر الآى فى القرآن تام أو كاف وأكثر ذلك فى السور القصار الآى نحو الواقعة قال وهذا هو الأفضل أعنى الوقف على رءوس الآى وإن تعلقت بما بعدها وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد والوقف عند رءوس انتهائها واتباع السنة أولى وممن ذكر ذلك الحافظ أبو بكر البيهقى فى كتاب شعب الإيمان وغيره ورجح الوقف على رءوس الآى وإن تعلقت بما بعدها قلت وحكى النحاس عن الأخفش على بن سليمان أن يستحب الوقوف على قوله هدى للمتقين لأنه رأس آية وإن كان متعلقا بما بعده

أقسام الوقف

والوقف عند أكثر القراء ينقسم إلى أربعة أقسام تام مختار وكاف جائز وحسن مفهوم وقبيح متروك

وقسمه بعضهم إلى ثلاثة وأسقط الحسن وقسمه آخرون إلى اثنين وأسقط الكافى والحسن

فالتام هو الذى لا يتعلق بشىء مما بعده فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده

كقوله تعالى وأولئك هم المفلحون وأكثر ما يوجد عند رءوس الآى كقوله وأولئك هم المفلحون ثم يبتدىء بقوله إن الذين كفروا وكذا وأنهم إليه راجعون ثم يبتدىء بقوله يا بني إسرائيل

وقد يوجد قبل انقضاء الفاصلة كقوله وجعلوا أعزة أهلها أذلة هنا التمام لأنه انقضى كلام بلقيس ثم قال تعالى وكذلك يفعلون وهو رأس الآية

كذلك عن الذكر بعد إذ جاءني هو التمام لأنه انقضاء كلام الظالم الذى هو أبى بن خلف ثم قال تعالى وكان الشيطان للإنسان خذولا وهو رأس آية

وقد يوجد بعدها كقوله تعالى مصبحين وبالليل مصبحين رأس الآية وبالليل التمام لأنه معطوف على المعنى أى والصبح وبالليل

وكذلك يتكؤون وزخرفا رأس الآية يتكؤون وزخرفا هو التمام لأنه معطوف على ما قبله من قوله سقفا

وآخر كل قصة وما قبل أولها وآخر كل سورة تام والأحزاب والأنصاف والأرباع والأثمان والأسباع والأتساع والأعشار والأخماس وقبل ياء النداء وفعل الأمر والقسم ولامه دون القول والله بعد رأس كل آية والشرط ما لم يتقدم جوابه وكان الله وذلك و لولا غالبهن تام ما لم يتقدمهن قسم أو قول أو ما فى معناه

والكافى منقطع فى اللفظ متعلق فى المعنى فيحسن الوقف عليه والابتداء أيضا بما

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر