علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٣٤ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٣٣٢–٣٤١

قال أبو شامة رحمة الله وقد ورد إلى دمشق استفتاء من بلاد العجم عن القراءة الشاذة هل تجوز القراءة بها وعن قراءة القارىء عشرا كل آية بقراءة قارىء فأجاب عن ذلك جماعة من مشايخ عصرنا منهم شيخنا الشافعية والمالكية حينئذ وكلاهما أبو عمر وعثمان يعنى ابن الصلاح وابن الحاجب

قال شيخ الشافعية يشترط أن يكون المقروء به على تواتر نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا واستفاض نقله بذلك وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع لأن المعتبر فى ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد فى الأصول فما لم يوجد فيه ذلك ما عدا العشرة فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة فى الصلاة وخارج الصلاة وممنوع منه ممن عرف المصادر والمعانى ومن لم يعرف ذلك وواجب على من قدر على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أن يقوم بواجب ذلك وإنما نقلها من نقلها من العلماء لفوائد منها ما يتعلق بعلم العربية لا القراءة بها هذا طريق من استقام سبيله ثم قال والقراءة الشاذة ما نقل قرآنا من غير تواتر واستفاضة متلقاة بالقبول من الأئمة كما يشتمل عليه المحتسب لابن جنى وغيره وأما القراءة بالمعنى على تجويزه من غير أن ينقل قرآنا فليس ذلك من القراءة الشاذة أصلا والمتجرىء على ذلك متجرىء على عظيم وضال ضلالا بعيدا فيعزر ويمنع بالحبس ونحوه ويجب منع القارىء بالشواذ وتأثيمه بعد تعريفه وإن لم يمتنع فعليه التعزير يشرطه وأما إذا شرع القارىء فى قراءة فينبغى ألا يزال يقرأ بها ما بقى للكلام متعلق بما ابتدأ به وما خالف هذا فمنه جائز وممتنع وعذره مانع من قيامه بحقه والعلم عند الله تعالى

وقال شيخ المالكية رحمه الله لا يجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة فى صلاة ولا غيرها

عالما بالعربية كان أو جاهلا وإذا قرأها قارىء فإن كان جاهلا بالتحريم عرف به وأمر بتركها وإن كان عالما أدب بشرطه وإن أصر على ذلك أدب على إصراره وحبس إلى أن يرتدع عن ذلك وأما تبديل آتينا بأعطينا وسولت بزينت ونحوه فليس هذا من الشواذ وهو أشد تحريما والتأديب عليه أبلغ والمنع منه اوجب

وأما القراءة بالقراءات المختلفة فى آى العشر الواحد فالأولى ألا يفعل نعم إن قرأ بقراءتين فى موضع إحداهما مبنية على الأخرى مثل أن يقرأ نغفر لكم بالنون وخطيئاتكم بالجمع ومثل أن تضل إحداهما فتذكر بالنصب فهذا أيضا ممتنع وحكم المنع كما تقدم

قال الشيخ شهاب الدين والمنع من هذا ظاهر وأما ما ليس كذلك فلا يمنع منه فإن الجمع جائز والتخيير فيه بأكثر من ذلك كان حاصلا بما ثبت من إنزال القرآن على سبعة حروف توسعة على القراء فلا ينبغى أن يضيق بالمنع من هذا ولا ضرر فيه نعم أكره ترداد الآية بقراءات مختلفة كما يفعله أهل زماننا فى جمع القرآن لما فيه من الابتداع ولم يرد فيه شىء من المتقدمين وقد بلغنى كراهته عن بعض متصدرى المغاربة المتأخرين

قلت وما أفتى به الشيخان نقله النووى فى شرح المهذب عن أصحاب الشافعى فقال قال أصحابنا وغيرهم لا تجوز القراءة فى الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآنا لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر والقراءة الشاذة ليست متواترة ومن قال غيره فغالط أو جاهل فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه قرءاتها فى الصلاة وغيرها وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشواذ ولا يصلى خلف من يقرأ بها

الأمر السابع أن حاصل اختلاف القراء يرجع إلى سبعة أوجه

الأول الاختلاف فى إعراب الكلمة أو فى حركات بقائها بما لا يزيلها عن صورتها فى الكتاب ولا يغير معناها نحو البخل و البخل و ميسرة و ميسرة ما هن أمهاتهم هن أطهر لكم و أطهر لكم وهل نجازي إلا الكفور وهل نجازي إلا الكفور

الثانى الاختلاف فى إعراب الكلمة فى حركات بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها فى الخط نحو ربنا باعد بين أسفارنا و ربنا باعد بين أسفارنا و إذ تلقونه و تلقونه وادكر بعد أمة و بعد أمة وهو كثير يقرأ به لما صحت روايته ووافق العربية

الثالث الاختلاف فى تبديل حروف الكلمة دون إعرابها بما يغير معناها ولا يغير

صورة الخط بها فى رأى العين نحو كيف ننشزها و / < ننشرها > / و فزع عن قلوبهم و فزع عن قلوبهم و يقص الحق و يقضي بالحق وهو كثير يقرأ به إذا صح سنده ووجهه لموافقته لصورة الخط فى رأى 2 العين

الرابع الاختلاف فى الكلمة بما يغير صورتها فى الكتابة ولا يغير معناها نحو إن كانت إلا صيحة واحدة و إلا زقية واحدة و كالعهن المنفوش و كالصوف المنقوش فهذا يقبل إذا صحت روايته ولا يقرأ به اليوم لمخالفته لخط المصحف ولأنه إنما ثبت عن آحاد

الخامس الاختلاف فى الكلمة بما يزيل صورتها فى الخط ويزيل معناها نحو الم تنزيل الكتاب فى موضع الم ذلك الكتاب و وطلح منضود و وطلح منضود فهذا لا يقرأ به أيضا لمخالفته الخط ويقبل منه ما لم يكن فيه تضاد لما عليه المصحف

السادس الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو ما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قرأ عند الموت وجاءت سكرة الموت بالحق وبهذا قرأ ابن

مسعود فهذا يقبل لصحة معناه إذا صحت روايته ولا يقرأ به لمخالفته المصحف ولأنه غير واحد

السابع الاختلاف بالزيادة والنقص فى الحروف والكلم نحو وما عملته أيديهم وما عملت و نعجة أنثى ونظائره فهذا يقبل منه ما لم يحدث حكما لم يقله أحد ويقرأ منه ما اتفقت عليه المصاحف فى إثباته وحذفه نحو تجري تحتها فى براءة عند رأس المائة و من تحتها و فإن الله هو الغني الحميد في الحديد و فإن الله هو الغني ونحو ذلك مما اختلف فيه المصاحف التى وجه بها عثمان إلى الأمصار فيقرأ به إذ لم يخرجه عن خط المصحف ولا يقرأ منه ما لم تختلف فيه المصاحف لا يزاد شىء لم يزد فيها ولا ينقص شىء لم ينقص منها

الأمر الثامن قال أبو عبيد فى كتاب فضائل القرآن إن القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها وذلك كقراءة عائشة وحفصة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر

وكقراءة ابن مسعود والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما

ومثل قراءة أبى / < للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فيهن > /

وكقراءة سعد بن أبى وقاص وإن كان له أخ أو أخت من أم فلكل

وكما قرأ ابن عباس لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم فى مواسم الحج

قلت وكذا قراءته وأيقن أنه الفراق وقال ذهب الظن قال أبو الفتح يريد أنه ذهب اللفظ الذى يصلح للشك وجاء اللفظ الذى هو مصرح باليقين انتهى

وكقراءة جابر فإن الله من بعد إكراههن له غفور رحيم

فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين فى التفسير فيستحسن ذلك فكيف إذا روى عن كبار الصحابة ثم صار فى نفس القراءة فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل على أنها من العلم الذى لا يعرف العامة فضله إنما يعرف ذلك

العلماء ولذلك يعتبر بهما وجه القرآن كقراءة من قرأ / < يقض الحق > / فلما وجدتها فى قراءة عبد الله / < يقضى الحق > / علمت أنها إنما هى يقض فقرأتها على ما فى المصحف واعتبرت صحتها بتلك القراءة وكذلك قراءة من قرأ أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ثم لما وجدتها فى قراءة أبى تنبئهم علمت أن وجه القراءة تكلمهم فى أشباه من هذا كثيرة

فائدة

قيل قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو راجعة إلى أبى وقراءة ابن عامر إلى عثمان بن عفان وقراءة عاصم وحمزة والكسائى إلى عثمان وعلى وابن مسعود

فائدة

قال ابن مجاهد إذا شك القارىء فى حرف هل هو ممدود أو مقصور فليقرأ بالقصر وإن شك فى حرف هل هو مفتوح أو مكسور فليقرأ بالفتح لأن الأول غير لحن فى بعض المواضع

النوع الثالث والعشرون

معرفة توجيه القراءات وتبيين وجه ما ذهب إليه كل قارىء

وهو فن جليل وبه تعرف جلالة المعانى وجزالتها وقد اعتنى الأئمة به وأفردوا فيه كتبا منها كتاب الحجة لأبى على الفارسى وكتاب الكشف لمكى وكتاب الهداية للمهدوى وكل منها قد اشتمل على فوائد وقد صنفوا أيضا فى توجيه القراءات الشواذ ومن أحسنها كتاب المحتسب لابن جنى وكتاب أبى البقاء وغيرهما

وفائدته كما قال الكواشى أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه أو مرجحا إلا أنه ينبغى التنبيه على شىء وهو أنه قد ترجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط القراءة الأخرى وهذا غير مرضى لأن كلتيهما متواترة وقد حكى أبو عمر الزاهد فى كتاب اليواقيت عن ثعلب أنه قال إذا اختلف الإعراب فى القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب فى القرآن فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى وهو حسن

وقال أبو جعفر النحاس وقد حكى اختلافهم فى ترجيح فك رقبة بالمصدرية والفعلية فقال والديانة تحظر الطعن على القراءة التى قرأ بها الجماعة ولا يجوز أن تكون

مأخوذة إلا عن النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال أنزل القرآن على سبعة أحرف فهما قراءتان حسنتان لا يجوز أن تقدم إحداهما على الأخرى

وقال فى سورة المزمل السلامة عند اهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال أحدهما أجود لأنهما جميعا عن النبى صلى الله عليه وسلم فيأثم من قال ذلك وكان رؤساء الصحابة رضى الله عنهم ينكرون مثل هذا

وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله قد أكثر المصنفون فى القراءات والتفاسير من الترجيح بين قراءة ملك و مالك حتى إن بعضهم يبالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين واتصاف الرب تعالى بهما ثم قال حتى إنى أصلى بهذه فى ركعة وبهذه فى ركعة

وقال صاحب التحرير وقد ذكر التوجيه فى قراءة وعدنا و واعدنا لا وجه للترجيح بين بعض القراءات السبع وبعض فى مشهور كتب الأئمة من المفسرين والقراء والنحويين وليس ذلك راجعا إلى الطريق حتى يأتى هذا القول بل مرجعه بكثرة الاستعمال فى اللغة والقرآن أو ظهور المعنى بالنسبة إلى ذلك المقام

وحاصله أن القارىء يختار رواية هذه القراءة على رواية غيرها أو نحو ذلك وقد تجرأ بعضهم على قراءة الجمهور فى فنادته الملائكة فقال أكره التأنيث لما فيه من موافقة دعوى الجاهلية فى زعمها أن الملائكة إناث وكذلك كره بعضهم قراءة من قرأ بغير تاء لأن الملائكة جمع

وهذا كله ليس بجيد والقراءتان متواترتان فلا ينبغى أن ترد إحداهما البتة وفى قراءة عبد الله / < فناداه جبريل > / ما يؤيد أن الملائكة مراد به الواحد

فصل

فى توجيه القراءة الشاذة

وتوجيه القراءة الشاذة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة ومن أحسن ما وضع فيه كتاب المحتسب لأبى الفتح إلا أنه لم يستوف وأوسع منه كتاب أبو البقاء العكبرى وقد يستبشع ظاهر الشاذ بادى الرأى فيدفعه التأويل كقراءة قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم على بناء الفعل الأول للمفعول دون الثانى وتأويل الضمير فى وهو راجع إلى الولى

وكذلك قوله هو الله الخالق البارئ المصور بفتح الواو والراء على أنه اسم مفعول وتأويله أنه مفعول لاسم الفاعل الذى هو البارىء فإنه يعمل عمل الفعل كأنه قال الذى برأ المصور

وكقرءاة إنما يخشى الله من عباده العلماء وتأويله أن الخشية هنا بمعنى الإجلال والتعظيم لا الخوف

وكقراءة فإذا عزمت فتوكل على الله بضم التاء على التكلم لله تعالى وتأويله على معنى فإذا أرشدتك إليه وجعلتك تقصده وجاء قوله على الله على الالتفات وإلا لقال فتوكل على وقد نسب العزم إليه فى قول أم سلمة ثم عزم الله لى وذلك على سبيل المجاز وقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر