علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٣٣ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٣٢٢–٣٣١

والأرحام بالخفض ومثل ما حكى عن أبى زيد والأصمعى ويعقوب الحضرمى أن خطئوا حمزة فى قراءته وما أنتم بمصرخي بكسر الياء المشددة وكذا أنكروا على أبى عمرو إدغامه الراء عند اللام فى / < يغفلكم > /

وقال الزجاج إنه خطأ فاحش ولا تدغم الراء فى اللام إذا قلت مرلى بكذا لأن الراء حرف مكرر ولا يدغم الزائد فى الناقص للإخلال به فأما اللام فيجوز إدغامه فى الراء ولو أدغمت اللام فى الراء لزم التكرير من الراء وهذا إجماع النحويين انتهى

وهذا تحامل وقد انعقد الإجماع على صحة قراءة هؤلاء الأئمة وأنها سنة متبعة ولا مجال للاجتهاد فيها ولهذا قال سيبويه فى كتابه فى قوله تعالى ما هذا بشرا وبنو تميم يرفعونه إلا من درى كيف هى فى المصحف

وإنما كان كذلك لأن القراءة سنة مروية عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا تكون القراءة بغير ما روى عنه انتهى

الرابع ما تضمنه التيسير والشاطبية قال الشيخ أثير الدين أبو حيان لم يحويا جميع القراءات السبع وإنما هى نزر يسير منها ومن عنى بفن القراءات وطالع ما صنفه علماء الإسلام فى ذلك علم ذلك العلم اليقين وذلك أن بلادنا جزيرة الأندلس لم تكن من قديم بلاد إقراء السبع لبعدها عن بلاد الإسلام واجتازوا عند الحج بديار مصر وتحفظوا ممن كان بها من المصريين شيئا يسيرا من حروف السبع وكان المصريون بمصر إذ ذاك لم تكن لهم روايات متسعة ولا رحلة إلى غيرها من البلاد التى اتسعت فيها الروايات كأبى الطيب بن غلبون وابنه أبى الحسن طاهر وأبى الفتح فارس بن أحمد وابنه عبد الباقى وأبى العباس بن نفيس وكان بها أبو أحمد السامرى وهو أعلاهم إسنادا

وسبب قلة العلم والروايات بديار مصر ما كان غلب على أهلها من تغلب الإسماعيلية عليها وقتل ملوكهم العلماء

فكان من قدماء علمائنا ممن حج يأخذ بمصر شيئا يسيرا كأبى عمر الطلمنكى صاحب الروضة وأبى محمد مكى بن أبى طالب ثم رحل أبو عمرو الدانى لطول إقامته بدانية فأخذ عن أبى خافان وفارس وابن غلبون وصنف كتاب التيسير وقرأ على هؤلاء ورحل أيضا أبو القاسم يوسف بن جبارة الأندلسى فأبعد فى الشقة وجمع بين طريق المشرق والمغرب وصنف كتاب الكامل يحتوى على القراءات السبع وغيرها ولم أر ولم أسمع أوسع رحلة منه ولا أكثر شيوخا

وقد أقرأ القرآن بمكة أبو معشر الطبرى وأبو عبد الله الكارزينى وكانا متسعى الرواية

وكان بمصر أبو على المالكى مؤلف الروضة وكان قد قرأ بالعراق وأقرأ بمصر وبعدهم التاج الكندى فأقرأ الناس بروايات كثيرة لم تصل إلى بلادنا

وكان أيضا ابن ماموية بدمشق يقرىء القرآن بالقراءات العشر

وبمصر النظام الكوفى يقرىء بالعشر وبغيرها كقراءة ابن محيصن والحسن

وكان بمكة أيضا زاهر بن رستم وأبو بكر الزنجانى وكانا قد أخذا عن أبى الكرم الشهرزورى كتاب المصباح الزاهر فى القراءات العشر البواهر وأقرأه الزنجانى لبعض شيوخنا

وكان عز الدين الفاروثى بدمشق يقرىء القرآن بروايات كثيرة حتى قيل إنه أقرأ بقراءة أبى حنيفة

والحاصل اتساع روايات غير بلادنا وأن الذى تضمنه التيسير والتبصرة والكافى وغيرها من تآليفهم إنما هو قل من كثر ونزر من بحر

وبيانه أن فى هذه الكتب مثلا قراءة نافع من رواية ورش وقالون وقد روى الناس عن نافع غيرهما منهم إسماعيل بن أبى جعفر المدنى وأبو خلف وابن حبان والأصمعى

والسبتى وغيرهم ومن هؤلاء من هو أعلم وأوثق من ورش وقالون وكذا العمل فى كل راو وقارىء

الخامس أن باختلاف القراءات يظهر الاختلاف فى الأحكام ولهذا بنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءات فى / < لمستم > / و لامستم وكذلك جواز وطء الحائض عند الانقطاع وعدمه إلى الغسل على اختلافهم فى حتى يطهرن

وكذلك آية السجدة فى سورة النمل مبنية على القراءتين قال الفراء من خفف إلا كان الأمر بالسجود ومن شدد لم يكن فيها أمر به وقد نوزع فى ذلك

إذا علمت ذلك فاختلفوا فى الآية إذا قرئت بقراءتين على قولين أحدهما أن الله تعالى قال بهما جميعا والثانى أن الله تعالى قال بقراءة واحدة إلا أنه أذن أن يقرأ بقراءتين

وهذا الخلاف غريب رأيته فى كتاب البستان لأبى الليث السمرقندى ثم اختاروا فى المسألة توسطا وهو أنه إن كان لكل قراءة تفسير يغاير الآخر فقد قال بهما جميعا

وتصير القراءات بمنزلة آيتين مثل قوله ولا تقربوهن حتى يطهرن وإن كان تفسيرهما واحدا كالبيوت والبيوت والمحصنات والمحصنات بالنصب والجر فإنما قال بأحدهما وأجاز القراءة بهما لكل قبيلة على ما تعود لسانهم

فإن قيل إذا صح أنه قال بأحدهما فبأى القراءتين قال قيل بلغة قريش انتهى

السادس أن القراءات لم تكن متميزة عن غيرها إلا فى قرن الأربعمائة جمعها أبو بكر ابن مجاهد ولم يكن متسع الرواية والرحلة كغيره والمراد بالقراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة

أحدهم عبد الله بن كثير المكى القرشى مولاهم أبو سعيد وقيل أبو محمد وقيل أبو بكر وقيل أبو الصلت ويقال له الدارى وهو من التابعين وسمع عبد الله بن الزبير وغيره توفى بمكة سنة عشرين ومائة وقيل اثنتين وعشرين

الثانى نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم مولى جعونة بن شعوب الليثى هو مدنى أصله من أصبهان كنيته أبو رويم وقيل أبو الحسن وقيل أبو عبد الرحمن وقيل

أبو عبد الله توفى بالمدينة سنة تسع وستين ومائة

الثالث عبد الله بن عامر بن يزيد بن ربيعة اليحصبي الدمشقى قاضى دمشق وهو من كبار التابعين ولد فى أول سنة إحدى وعشرين من الهجرة وتوفى بدمشق يوم عاشوراء سنة ثمان عشرة ومائة وقيل ولد سنة ثمان من الهجرة ومات وهو ابن مائة وعشر سنين وفى كنيته سبعة أقوال أصحها أبو عمرو وقيل أبو محمد وأبو عبد الله وأبو موسى وأبو نعيم وأبو عثمان وأبو مغيث

الرابع أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله البصرى قيل اسمه زبان وقيل يحيى وقيل عثمان وقيل محبوب وقيل اسمه كنيته توفى بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة وقرأ على ابن كثير وغيره

الخامس عاصم بن أبى النجود بفتح النون أبو بكر الأسدى الكوفى توفى بالكوفة سنة سبع وقيل ثمان وعشرين ومائة قال سفيان وأحمد بن حنبل وغيرهما بهدلة هو أبو النجود وقال عمرو بن على بهدلة أمه قال أبو بكر داود هذا خطأ

وقال عبد الله بن أحمد قال أبى أنا أختار قراءة عاصم

السادس حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات التيمى مولاهم الكوفى أبو عمارة توفى بحلوان سنة ثمان وقيل ست وخمسين ومائة

السابع الكسائى على بن حمزة الأسدى مولاهم الكوفى توفى سنة تسع وثمانين ومائة كان قرأ على حمزة قال مكى وإنما ألحق بالسبعة فى أيام المأمون وإنما كان السابع يعقوب الحضرمى فأثبت ابن مجاهد فى سنة ثلاثمائة أ و نحوها الكسائى فى موضع يعقوب

وليس فى هؤلاء السبعة من العرب إلا ابن عامر وأبو عمرو

قال مكى وإنما كانوا سبعة لوجهين أحدهما أن عثمان رضى الله عنه كتب سبعة مصاحف ووجه بها إلى الأمصار فجعل عدد القراء على عدد المصاحف الثانى أنه جعل عددهم على عدد الحروف التى نزل بها القرآن وهى سبعة على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمتنع ذلك إذا عدد الرواة الموثوق بهم أكثر من أن يحصى

وقد ألف ابن جبير المقرىء وكان قبل ابن مجاهد كتابا فى القراءات وسماه كتاب الخمسة ذكر فيه خمسة من القراء لا غير وألف غيره كتابا وسماه الثمانية وزاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمى انتهى

قلت ومنهم من زاد ثلاثة وسماه كتاب العشرة

قال مكى والسبب فى اشتهار هؤلاء السبعة دون غيرهم أن عثمان رضى الله عنه لما كتب المصاحف ووجهها إلى الأمصار وكان القراء فى العصر الثانى والثالث كثيرى العدد فأراد الناس أن يقتصروا فى العصر الرابع على ما وافق المصحف فنظروا إلى إمام مشهور بالفقه والأمانة فى النقل وحسن الدين وكمال العلم قد طال عمره واشتهر أمره وأجمع أهل مصر على عدالته فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفا إماما هذه صفة قراءته على مصحف ذلك المصر فكان أبو عمرو من أهل البصرة وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها والكسائى من العراق وابن كثير من أهل مكة

وابن عامر من أهل الشام ونافع من أهل المدينة كلهم ممن اشتهرت إمامتهم وطال عمرهم فى الإقراء وارتحل الناس إليهم من البلدان

وأول من اقتصر على هؤلاء السبعة أبو بكر بن مجاهد سنة ثلاثمائة وتابعه الناس وألحق المحققون منهم البغوى فى تفسيره بهؤلاء السبعة قراءة ثلاثة وهم يعقوب الحضرمى وخلف وأبو جعفر بن قعقاع المدنى شيخ نافع لأنها لا تخالف رسم السبع

وقال الإمام أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم الهروى فى كتاب الكافى له فإن قال قائل فلم أدخلتم قراءة أبى حفص المدنى ويعقوب الحضرمى فى جملتهم وهم خارجون عن السبعة المتفق عليهم قلنا إنما اتبعنا قراءتهما كما اتبعنا السبعة لأنا وجدنا قراءتهما على الشرط الذى وجدناه فى قراءة غيرهما ممن بعدهما فى العلم والثقة بهما واتصال إسنادهما وانتفاء الطعن عن روايتهما ثم ان التمسك بقراءة سبعة فقط ليس له أثر ولا سنة وإنما السنة أن تؤخذ القراءة إذا اتصلت رواتها نقلا وقراءة ولفظا ولم يوجد طعن على أحد من رواتها ولهذا المعنى قدمنا السبعة على غيرهم وكذلك نقدم أبا جعفر ويعقوب على غيرهما

ولا يتوهم أن قوله صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف انصرافه إلى قراءة سبعة من القراء يولدون من بعد عصر الصحابة بسنين كثيرة لأنه يؤدى إلى أن يكون الخبر متعريا عن فائدة إلى أن يحدثوا ويؤدى إلى أنه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرءوا إلا بما علموا أن السبعة من القراء يختارونه قال وإنما ذكرناه لأن قوما من العامة يتعلقون به

وقال الشيخ موفق الدين الكواشى كل ما صح سنده واستقام مع جهة العربية وافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبع المنصوص عليها ولو رواه سبعون ألفا مجتمعين أو متفرقين فعلى هذا الأصل يبنى من يقول القراءات عن سبعة كان أو سبعة آلاف ومتى فقد واحد من هذه الثلاثة المذكورة فى القراءة فاحكم بأنها شاذة ولا يقرأ بشىء من الشواذ وإنما يذكر ما يذكر من الشواذ ليكون دليلا على حسب المدلول عليه أو مرجحا

وقال مكى وقد اختار الناس بعد ذلك وأكثر اختياراتهم إنما هو فى الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء قوة وجه العربية وموافقته للمصحف واجتماع العامة عليه والعامة عندهم هو ما اتفق عليه أهل المدينة وأهل الكوفة فذلك عندهم حجة قوية توجب الاختيار وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين وربما جعلوا الاعتبار بما اتفق عليه نافع وعاصم فقراءة هذين الإمامين أولى القراءات وأصحها سندا وأفصحها فى العربية ويتلوها فى الفصاحة خاصة قراءة أبى عمرو والكسائى

وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهى قراءة صحيحة معتبرة فإن اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة أشار إلى جماعة من الأئمة المتقدمين ونص عليه الشيخ أبو محمد مكى بن أبى طالب القيروانى فى كتاب مفرد صنفه فى معانى القراءات السبع وأمر بإلحاقه بكتاب الكشف وذكره شيخنا أبو الحسن فى كتابه جمال القراء

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر