الجزء ١ — ص ٣١٢–٣٢١
قلت إنما سكت الأولون عنه لأن القصد من إنزال القرآن تعليم الحلال والحرام وتعريف شرائع الإسلام وقواعد الإيمان ولم يقصد منه تعليم طرق الفصاحة وإنما جاءت لتكون معجزة وما قصد به الإعجاز لا سبيل إلى معرفة طريقه فلم يكن الخوض فيه مسوغا إذ البلاغة ليست مقصودة فيه أصلا لأنه موجود فى الصحف الأولى لامع هذه البلاغة المعينة وإنما كان بليغا بحسب كمال المتكلم فلهذا لم يتكلم السلف فى ذلك وكان معرفتهم بأساليب البلاغة مما لا يحتاج فيه إلى بيان بخلاف استنباط الأحكام فلهذا تكلموا فى الثانى دون الأول
واعلم أن معرفة هذه الصناعة بأوضاعها هى عمدة التفسير المطلع على عجائب كلام الله وهى قاعدة الفصاحة وواسطة عقد البلاغة ولو لم يحبب الفصاحة إلا قول الله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان لكفى والمعلومات كثيرة ومنن الله تعالى جمة ولم يخصص الله من نعمه على العبد إلا تعليم البيان وقال تعالى هذا بيان للناس وقال تعالى تبيانا لكل شيء
ولحذف الواو فى قوله تعالى علمه البيان نكتة علمية فإنه جعل تعليم البيان فى وزان خلقه وكالبدل من قوله خلق الإنسان لأنه حى ناطق وكأنه إلى نحوه أشار أهل المنطق بقولهم فى حد الإنسان حيوان ناطق
ولا شك أن هذه الصناعة تفيد قوة الإفهام على ما يريد الإنسان ويراد منه ليتمكن بها من اتباع التصديق به وإذعان النفس له
وينبغى الاعتناء بما يمكن إحصاؤه من المعانى التى تكلم فيها البليغ مثبتا ونافيا
فمنها تحقيق العقائد الإلهية كقوله سبحانه أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى بعد ذكره النطفة ومتعلقها فى مراتب الوجود وكقوله وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه فمن يقرع سمعه هذا الكلام المعجز استشعر من روعة النفس واقشعرار الجلد ما يمكن خشية الله وعظمته من قبله
ومنها بيان الحق فيما يشكل من الأمور غير العقائد كقوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله وكقوله صلى الله عليه وسلم فمن أين يكون الشبه فانظر كيف أعطى فى هذه الأحرف اليسيرة الحجة على من أنكر احتلام المرأة فلا أبين من هذا البيان ولا أشفى للمرتاب من هذا القول فإنه يرى إحدى المقدمتين عيانا وهو شبه الولد بأمه ويعلم قطعا أنه ليس هناك سبب يحال الشبه عليه غير الذى أنكر
ومنها تمكين الانفعالات النفسانية من النفوس مثل الاستعطاف والإعراض والإرضاء والإغضاب والتشجيع والتخويف ويكون فى مدح وذم وشكاية واعتذار وإذن ومنع وينضم إلى قوة القول البلاغى معنى متصل إعانة لها مثل فضيلة القائل وحمية النازع وقوة البليغ على إطراء نفسه وتحسين رأيه
ومن ذلك استدعاء المخاطب إلى فضل تأمل وزيادة تفهم قال تعالى قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا وكذلك قوله وما يعقلها إلا العالمون وسر هذا أن السامع يحرص على أن يكون من هؤلاء المثنى عليهم فيسارع إلى التصديق ويلقى فى نفسه نور من التوفيق
ويكون هذا القول البلاغى ما يسمى الضمير ويسمى التمثيل وأعنى بالضمير
أن يضمر بالقول المجادل به البيان أحد حرفيه كقول الفقيه النبيذ مسكر فهو حرام وكقوله تعالى إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا
وقد يكون هذا الإضمار فى القياس الاستثنائى أيضا كقولك لو كان فلان عزيزا لمنع بأعنة الخيل جاره أو جوادا لشب لسارى الليل ناره معولا على أنه قد علم أنه ما منع ولا شب فيثبت بذلك مقابله وهو البخل والذلة ومن هذا قوله تعالى ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك وقد شهد الحس والعيان انهم ما انفضوا من حوله وهى المضمرة فانتفى عنه صلوات الله عليه أنه فظ غليظ القلب
ومن أحسن ما أبرز فيه هذا المضمر قول الشاعر % % ولو كان عبد الله مولى هجوته % % ولكن عبد الله مولى مواليا % $
ومثال الاستمالة والاستعطاف قوله تعالى عن آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وحسبك إمام المتقين حين سمع شعر القائلة % % ما كان ضرك لو مننت وربما % % من الفتى وهو المغيظ المحنق % $
قال لو بلغنى شعرها قبل أن أقتله لما قتلته وقال الآخر % % ونحن الكاتبون وقد أسأنا % % فهبنا للكرام الكاتبينا % $
ومن الاستمالة والاسترضاء ما لا يخرق السمع أنفذ منه إلى القلوب وأوقع على المطلوب
قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار وقد وجدوا فى نفوسهم قسمة الغنائم فى غيرهم يا معشر الأنصار ألم أجدكم كذا ألم أجدكم كذا ثم قال أجيبونى فما زادوا على قولهم الله ورسوله أمن فقال عليه الصلاة والسلام أما إنكم إن شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم جئتنا بحال كذا وكذا فانظر ما أعجب هذا استشعر منهم عليه السلام أن إمساكهم عن الجواب أدب معه لا عجز عنه فأعلمهم بأنهم لو قالوا صدقوا ولم يكن هو بالذى يغضب من سماعه ثم زادهم تكريما بقوله أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتنصرفوا برسول الله إلى رحالكم ثم زاد يمينه المباركة البرة على فضل ما ينصرفون به اللهم انفعنا بمحبته وتفضل علينا بشفاعته
ومما تجد من هذا الطراز قول بعضهم % % أناس أعرضوا عنا % % بلا جرم ولا معنى % % أساءوا ظنهم فينا % % فهلا أحسنوا الظنا % % فإن عادوا لنا عدنا % % وإن خانوا فما خنا % % وإن كانوا قد استغنوا % % فإنا عنهم أغنى % % وإن قالوا ادن منا بعد باعدنا من استدنى % $
ومن الإغضاب العجيب قوله تعالى إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون
وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وقوله أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ولله در القائل % % إذا والى صديقك من تعادى % % فقد عاداك وانقطع الكلام % $
ومن قسم التشجيع قوله سبحانه إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وكفى بحب الله مشجعا على منازلة الأقران ومباشرة الطعان وقوله عز وجل إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وكيف لا يكون والقوم صبروا والملك الحق جل جلاله وعدهم بالمدد الكثير ثم قال وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم
وقوله وترجون من الله ما لا يرجون وفى مقابلة هذا القسم ما يراد به الأخذ بالحزم والثانى بالحرب والاستظهار عليها بالعدة والاستشهاد على ذلك بقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
ومنه الإبانة بالمدح وربما مدح الكريم بالتغافل عن الزلة والتهاون بالذنب كما أشار إليه القرآن فيما أسر سيد البشر لبعض نسائه ممن أظهره على إفشائه فأخبر سبحانه أنه عرف بعضه وأعرض عن بعض ولذلك قيل % % ليس الغبى بسيد فى قومه % % لكن سيد قومه المتغابى % $
ومنه التمثيل وإنما يكون بأمر ظاهر يسلمه السامع ويقويه ما فى القرآن من قصص الأشقياء تحذيرا لما نزل بهم من العذاب وأخبار السعداء ترغيبا لما صاروا إليه من الثواب
وفى الحديث أرأيت لو مضضت أرأيت لو كان على أبيك دين كيف ظهر إمكان نقل الحكم من شبه إلى شبه
ومنه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ويشفع البشارة بالإنذار قال الزمخشرى وسره إرادة التسليط لاكتساب ما يزلف والتثبيط عن اقتراف ما يتلف فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعذاب ثناه ببشارة عباده المؤمنين
تنبيه
ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذى سيق له وإن خالف أصل الوضع اللغوى لثبوت التجوز ولهذا ترى صاحب الكشاف يجعل الذى سيق له الكلام معتمدا حتى كأن غيره مطروح
النوع الثانى والعشرون
معرفة اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص أو تغيير
$ حركة أو إثبات لفظ بدل آخر
وذلك متواتر وآحاد ويوجد هذا الوجه من علم القراءة وأحسن الموضوع للقراءات السبع كتاب التيسير لأبى عمرو الدانى وقد نظمه أبو محمد القاسم الشاطبى فى لاميته التى عم النفع بها وكتاب الإقناع لأبى جعفر بن الباذش وفى القراءات العشر كتاب المصباح لأبى الكرم الشهرزورى
واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان فالقرآن هو الوحى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز والقراءات هى اختلاف ألفاظ الوحى المذكور فى كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما ثم هاهنا أمور
أحدها أن القراءات السبع متواترة عند الجمهور وقيل بل مشهورة ولا عبرة بإنكار المبرد قراءة حمزة والأرحام و / < مصرخي > / ولا بإنكار مغاربة النحاة
كابن عصفور قراءة ابن عامر / < قتل أولادهم شركائهم > / والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة أما تواترها عن النبى صلى الله عليه وسلم ففيه نظر فإن إسناد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة موجود فى كتب القراءات وهى نقل الواحد عن الواحد لم تكمل شروط التواتر فى استواء الطرفين والواسطة وهذا شىء موجود فى كتبهم وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة فى كتابه المرشد الوجيز إلى شىء من ذلك
الثانى استثنى الشيخ أبو عمرو بن الحاجب قولنا إن القراءات السبع متواترة ما ليس من قبيل الأداء ومثله بالمد والإمالة وتخفيف الهمزة يعنى فإنها ليست متواترة وهذا ضعيف والحق أن المد والإمالة لا شك فى تواتر المشترك بينهما وهو المد من حيث هو مد والإمالة من حيث إنها إمالة ولكن اختلف القراء فى تقدير المد فمنهم من رآه طويلا ومنهم من رآه قصيرا ومنهم من بالغ فى القصر ومنهم من تزايد فحمزة وورش بمقدار ست لغات وقيل خمس وقيل أربع وعن عاصم ثلاث وعن الكسائى ألفان ونصف وقالون ألفان والسوسى ألف ونصف
قال الدانى فى التيسير أطوالهم مدا فى الضربين جميعا يعنى المتصل والمنفصل ورش وحمزة ودونهما عاصم ودونه ابن عامر والكسائى ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق وقالون من طريق أبى نشيط بخلاف عنه وهذا كله على التقريب من غير إفراط وإنما هو على مقدار مذاهبهم من التحقيق والحذف انتهى كلامه
فعلم بهذا أن أصل المد متواتر والاختلاف والطرق إنما هو فى كيفية التلفظ به
وكان الإمام أبو القاسم الشاطبى يقرأ بمدتين طولى لورش وحمزة ووسطى لمن بقى
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه كره قرأة حمزة لما فيها من طول المد وغيره فقال لا تعجبنى ولو كانت متواترة لما كرهها وكذلك ذكر القراء أن الإمالة قسمان إمالة محضة وهى أن ينحى بالألف إلى الياء وتكون الياء أقرب بالفتحة إلى الكسر وتكون الكسرة أقرب وإمالة تسمى بين بين وهى كذلك إلا أن الألف والفتحة أقرب وهذه أصعب الإمالتين وهى المختارة عند الأئمة ولا شك فى تواتر الإمالة أيضا وإنما اختلافهم فى كيفيتها مبالغة وحضورا
أما تخفيف الهمزة وهو الذى يطلق عليه تخفيف وتليين وتسهيل أسماء مترادفة فإنه يشمل أربعة أنواع من التخفيف وكل منها متواتر بلا شك
أحدها النقل وهو نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها نحو قد أفلح بنقل حركة الهمزة وهى الفتحة إلى دال قد وتسقط الهمزة فيبقى اللفظ بدال مفتوحة بعدها فاء وهذا النقل قراءة نافع من طريق ورش فى حال الوصل والوقف وقراءة حمزة فى حال الوقف
الثانى أن تبدل الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها إن كان قبلها فتحة أبدلت ألفها نحو باس وهذا البدل قراءة أبى عمرو بن العلاء ونافع من طريق ورش فى فاء الفعل وحمزة إذا وقف على ذلك
الثالث تخفيف الهمز بين بين ومعناه أن تسهل الهمزة بينها وبين الحرف الذى منه حركتها فإن كانت مضمومة سهلت بين الهمزة والواو أو مفتوحة فبين الهمزة والألف أو مكسورة فبين الهمزة والياء وهذا يسمى إشماما وقرأ به كثير من القراء وأجمعوا عليه فى قوله تعالى قل آلذكرين ونحوه وذكره النحاة عن لغات العرب
قال ابن الحاجب فى تصريفه واغتفر التقاء الساكنين فى نحو آلحسن عندك وآيمن الله يمينك وهو فى كل كلمة أولها همزة وصل مفتوحة ودخلت همزة الاستفهام عليها وذلك ما فيه لام التعريف مطلقا وفى ايمن الله وايم الله خاصة إذ لا ألف وصل مفتوحة سواها وإنما فعلوا ذلك خوف لبس الخبر بالاستخبار ألا ترى أنهم لو قالوا ألحسن عندك وحذفوا همزة الوصل على القياس فى مثلها لم يعلم استخبار هو أم خبر فأتوا بهذه عوضا عن همزة الوصل قبل الساكن فصار قبل الساكن مدة فقالوا آلحسن عندك وكذلك آيمن الله يمينك فيما ذكره وبعض العرب يجعل همزة الوصل فيما ذكرنا بين بين ويقول آلحسن عندك وآيمن الله يمينك فيما ذكرنا وقد جاء عن القراء بالوجهين فى مثل ذلك والمشهور الأول وقد أشار الصحابة رضى الله عنهم إلى التسهيل بين بين فى رسم المصاحف العثمانية فكتبوا صورة الهمزة الثانية فى قوله تعالى فى سورة آل عمران قل أؤنبئكم واوا على إرادة التسهيل بين بين قاله الدانى وغيره
الرابع تخفيف الإسقاط وهو أن تسقط الهمزة رأسا وقد قرأ به أبو عمرو فى الهمزتين من كلمتين إذا اتفقتا فى الحركة فأسقط الأولى منهما على رأى الشاطبى وقيل الثانية فى نحو جاء أجلهم ووافقه على ذلك فى المفتوحتين نافع من طريق قالون وابن كثير من طريق البزى وجاء هذا الإسقاط فى كلمة واحدة فى قراءة قنبل عن ابن كثير فى أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم بإسقاط همزة شركائي
الثالث أن القراءات توقيفية وليست اختيارية خلافا لجماعة منهم الزمخشرى حيث ظنوا أنها اختيارية تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء ورد على حمزة قراءة
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر