الجزء ١ — ص ٢٨٢–٢٩١
سموه إنجيلا فكرهوه وقال بعضهم سموه السفر فكرهوه من يهود فقال ابن مسعود رأيت للحبشة كتابا يدعونه المصحف فسموه به
فائدة
قال الحافظ أبو طاهر السلفى سمعت أبا الكرم النحوى ببغداد وسئل كل كتاب له ترجمة فما ترجمة كتاب الله فقال هذا بلاغ للناس ولينذروا به
النوع السادس
معرفة ما وقع من غير لغة أهل الحجاز
من قبائل العرب
قد تقدم فى النوع الحادى عشر الإشارة إلى الخلاف فى ذلك والمعروف أنه بلغة قريش وحكى عن أبى الأسود الديلى أنه نزل بلسان الكعبين كعب بن لؤى جد قريش وكعب بن عمرو جد خزاعة فقال له خالد بن سلمة إنما نزل بلسان قريش ولسان خزاعة وذلك أن الدار كانت واحدة
وقال أبو عبيد فى كتاب فضائل القرآن عن ابن عباس رضى الله عنهما نزل بلغة الكعبين كعب قريش وكعب خزاعة قيل وكيف ذاك قال لأن الدار واحدة
قال أبو عبيد يعنى أن خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم
وأما الكلبى فإنه روى عن أبى صالح عن ابن عباس قال نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن قال أبو عبيد العجز هم سعد بن بكر وجشم ابن بكر ونصر بن معاوية وثقيف وهذه القبائل هى التى يقال لها عليا هوازن وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء أفصح العرب عليا وهوازن وسفلى تميم فهذه عليا هوازن وأما سفلى تميم فبنو دارم
وقال أبو ميسرة بكل لسان وقيل إن فيه من كل لغات العرب ولهذا قال الشافعى
فى الرسالة لا نعلمه يحيط باللغة إلا نبى
قال الصيرفى يريد من بعث بلسان جماعة العرب حتى يخاطبها به
قال وقد فضل الفراء لغة قريش على سائر اللغات وزعم أنهم يسمعون كلام العرب فيختارون من كل لغة أحسنها فصفا كلامهم وذكر قبح عنعنة تميم وكشكشة ربيعة وعجرفة قيس
وذكر أن عمر رضى الله عنه قال يا رسول الله إنك تأتينا بكلام من كلام العرب وما نعرفه ولنحن العرب حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ربى علمنى فتعلمت وأدبنى فتأدبت
قال الصيرفى ولست أعرف إسناد هذا الحديث وإن صح فقد دل على أن النبى صلى الله عليه وسلم قد عرف ألسنة العرب
وقال أبو عمر بن عبد البر فى التمهيد قول من قال نزل بلغة قريش معناه عندى فى الأغلب لأن لغة غير قريش موجودة فى جميع القرآن من تحقيق الهمزة ونحوها وقريش لا تهمز وقد روى الأعمش عن أبى صالح عن ابن عباس قال أنزل القرآن على سبعة أحرف صار فى عجز هوازن منها خمسة
وقال أبو حاتم خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب لقرب جوارهم من مولد
النبى صلى الله عليه وسلم ومنزل الوحى وإنما ربيعة ومضر أخوان قال وأحب الألفاظ واللغات إلينا أن نقرأ بها لغات قريش ثم أدناهم من بطون مضر
وقال الشيخ جمال الدين بن مالك أنزل الله القرآن بلغة الحجازيين إلا قليلا فإنه نزل بلغة التميميين فمن القليل إدغام ومن يشاق الله فى الحشر من يرتد منكم عن دينه فى قراءة غير نافع وابن عامر فإن الإدغام فى المجزوم والاسم المضاعف لغة تميم ولهذا قل والفك لغة أهل الحجاز ولهذا كثر نحو ومن يرتدد منكم عن دينه فليملل وليه و يحببكم الله ويمددكم ومن يشاقق فى النساء والأنفال من يحادد الله فليمدد واحلل عقدة و اشدد به أزري ومن يحلل عليه غضبي
قال وأجمع القراء على نصب إلا اتباع الظن لأن لغة الحجازيين
التزام النصب فى المنقطع وإن كان بنو تميم يتبعون كما أجمعوا على نصب ما هذا بشرا لأن القرآن نزل بلغة الحجازيين
وزعم الزمخشرى أن قوله تعالى قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله أنه استثناء منقطع جاء على لغة تميم ثم نازعه فى ذلك
النوع السابع عشر
معرفة ما فيه من غير لغة العرب
اعلم أن القرآن أنزله الله بلغة العرب فلا يجوز قراءته وتلاوته إلا بها لقوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا وقوله ولو جعلناه قرآنا أعجميا الآية يدل على أنه ليس فيه غير العربى لأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه عليه الصلاة والسلام ودلالة قاطعة لصدقه وليتحدى العرب العرباء به ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته فلو اشتمل على غير لغة العرب لم تكن له فائدة هذا مذهب الشافعى وهو قول جمهور العلماء منهم أبو عبيدة ومحمد بن جرير الطبرى والقاضى أبو بكر بن الطيب فى كتاب التقريب وأبو الحسين بن فارس اللغوى وغيرهم
وقال الشافعى فى الرسالة فى باب البيان الخامس ما نصه وقد تكلم فى العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له فقال قائل منهم إن فى القرآن عربيا وأعجميا والقرآن يدل على أنه ليس فى كتاب الله شىء إلا بلسان العرب ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليدا له وتركا للمسألة له عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم هذا كلامه
وقال أبو عبيدة فيما حكاه ابن فارس إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعم أن كذا بالنبطية فقد أكبر القول قال
ومعناه أتى بأمر عظيم وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شىء لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها وفى ذلك ما فيه وإن كان كذلك فلا وجه لقول من يجيز القراءة فى الصلاة بالفارسية لأنها ترجمة غير معجزة وإذا جاز ذلك لجازت الصلاة بكتب التفسير وهذا لا يقول به أحد انتهى
وممن نقل عنه جواز القراءة بالفارسية أبو حنيفة لكن صح رجوعه عن ذلك ومذهب ابن عباس وعكرمة وغيرهما أنه وقع فى القرآن ما ليس من لغتهم
فمن ذلك الطور جبل بالسريانية وطفقا أى قصدا بالرومية والقسط والقسطاس العدل بالرومية إنا هدنا إليك تبنا بالعبرانية والسجل الكتاب بالفارسية والرقيم اللوح بالرومية والمهل عكر الزيت بلسان أهل المغرب والسندس الرقيق من الستر بالهندية والإستبرق الغليظ بالفارسية بحذف القاف السرى النهر الصغير باليونانية طه أى طأ يا رجل بالعبرانية يصهر أى ينضج بلسان أهل المغرب سينين الحسن بالنبطية المشكاة الكوة بالحبشية وقيل الزجاجة تسرج الدرى المضىء بالحبشية الأليم المؤلم بالعبرانية ناظرين إناه أى نضجه بلسان أهل المغرب الملة الآخرة أى الأولى بالقبطية والقبط يسمون الآخرة الأولى والأولى الآخرة وراءهم ملك أى أمامهم
بالقبطية اليم البحر بالقبطية بطائنها ظواهرها بالقبطية الأب الحشيش بلغة أهل المغرب إن ناشئة الليل قال ابن عباس نشأ بلغة الحبشة قام من الليل كفلين من رحمته قال أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه ضعفين بلغة الحبشة القسورة الأسد بلغة الحبشة
واختار الزمخشرى أن التوراة والإنجيل أعجميان ورجح ذلك بقراءة الأنجيل بالفتح ثم اختلفوا فقال الطبرى هذه الأمثلة المنسوبة إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تتوارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد وحكاه ابن فارس عن أبى عبيد
وقال ابن عطية بل كان للعرب العاربة التى نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسن بتجارات وبرحلتى قريش وبسفر مسافرين كسفر أبى عمرو إلى الشام وسفر عمر بن الخطاب وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة فى اللغة فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت فى تخفيف ثقل العجمة واستعملتها فى أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربى الفصيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها عربى فكجهله الصريح بما فى لغة غيره وكما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك قال فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها فى الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهى عربية بهذا الوجه
قال وما ذهب إليه الطبرى من أن اللغتين اتفقتا فى لفظه فذلك بعيد بل إحداهما أصل والأخرى فرع فى الأكثر لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاقات إلا قليلا شاذا
وقال القاضى أبو المعالى عزيزى بن عبد الملك إنما وجدت هذه فى كلام العرب لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظا ويجوز أن يكون العرب قد سبقها غيرهم إلى هذه الألفاظ وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الخلق قال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه
وحكى ابن فارس عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه حكى الخلاف فى ذلك ونسب القول بوقوعه إلى الفقهاء والمنع إلى أهل العربية ثم قال أبو عبيد والصواب عندى مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب فمن قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق قال وإنما فسر هذا لئلا يقدم أحد على الفقهاء فينسبهم إلى الجهل ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده الله جل وعز فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن
قال ابن فارس وليس كل من خالف قائلا فى مقالته ينسبه إلى الجهل فقد اختلف الصدر الأول فى تأويل آى من القرآن
قال فالقول إذن ما قاله أبو عبيد وإن كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره
النوع الثامن عشر
معرفة غريبة
وهو معرفة المدلول وقد صنف فيه جماعة منهم أبو عبيدة كتاب المجاز وأبو عمر غلام ثعلب يا قوتة الصراط ومن أشهرها كتاب ابن عزيز والغريبين للهروى ومن أحسنها كتاب المفردات للراغب
وهو يتصيد المعانى من السياق لأن مدلولات الألفاظ خاصة قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح وحيث رأيت فى كتب التفسير قال أهل المعانى فالمراد به مصنفو الكتب فى معانى القرآن كالزجاج ومن قبله وفى بعض كلام الواحدى أكثر أهل المعانى الفراء والزجاج وابن الأنبارى قالوا كذا انتهى
ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة اسما وفعلا وحرفا فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها فيؤخذ ذلك من كتبهم
وأما الأسماء والأفعال فيؤخذ ذلك من كتب اللغة وأكثر الموضوعات فى علم اللغة كتاب ابن سيد فإن الحافظ أبا محمد على بن أحمد الفارسى ذكر أنه فى مائة سفر بدأ
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر