علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٣٠ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٢٩٢–٣٠١

بالفلك وختم بالذرة ومن الكتب المطولة كتاب الأزهرى والموعب لابن التيانى والمحكم لابن سيده وكتاب الجامع للقزاز والصحاح للجوهرى والبارع لأبى على القالى ومجمع البحرين للصاغانى

ومن الموضوعات فى الأفعال كتاب ابن القوطية وكتاب ابن طريف وكتاب السرقسطى المنبوز بالحمار ومن أجمعها كتاب ابن القطاع

ومعرفة هذا الفن للمفسر ضرورى وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب الله تعالى قال يحيى بن نضلة المدينى سمعت مالك بن أنس يقول لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا

وقال مجاهد لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم فى كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب

وروى عكرمة عن ابن عباس قال إذا سألتمونى عن غريب اللغة فالتمسوه فى الشعر فإن الشعر ديوان العرب

وعنه فى قوله تعالى والليل وما وسق قال ما جمع وأنشد % % إن لنا قلائصا حقائقا % % مستوثقات لو يجدن سائقا % $

وقال ما كنت أدرى ما قوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين حتى سمعت ابنة ذى يزن الحميرى وهى تقول أفاتحك يعنى أقاضيك وفى سورة السجدة متى هذا الفتح إن كنتم صادقين يعنى متى هذا القضاء وقوله وهو الفتاح العليم وقوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا

وقال أيضا ما كنت أدرى ما فاطر السموات والأرض حتى أتانى أعربيان يختصمان فى بئر فقال أحدهما أنا فطرتها يعنى ابتدأتها

وجاءه رجل من هذيل فقال له ابن عباس ما فعل فلان قال مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء فقال ابن عباس فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قال ولد الولد

ومسائل نافع له عن مواضع من القرآن واستشهاد ابن عباس فى كل جواب

بيت ذكرها الأنبارى فى كتاب الوقف والابتداء بإسناده وقال فيه دلالة على بطلان قول من أنكر على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر وأنهم جعلوا الشعر أصلا للقرآن وليس كذلك وإنما أراد النحويون أن يثبتوا الحرف الغريب من القرآن بالشعر لأن الله تعالى قال إنا أنزلناه قرآنا عربيا وقال تعالى بلسان عربي مبين

وقال ابن عباس الشعر ديوان العرب فإذا خفى عليهم الحرف من القرآن الذى أنزله الله بلغتهم رجعوا إلى ديوانهم فالتمسوا معرفة ذلك ثم إن كان ما تضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفى فيه الاستشهاد بالبيت والبيتين وإن كان ما يوجب العلم لم يكف ذلك بل لا بد من أن يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر

وينبغى العناية بتدبر الألفاظ كى لا يقع الخطأ كما وقع لجماعة من الكبار فروى الخطابى عن أبى العالية أنه سئل عن معنى قوله الذين هم عن صلاتهم ساهون فقال هو الذى ينصرف عن صلاته ولا يدرى عن شفع أو وتر قال الحسن مه يا أبا العالية ليس هكذا بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم ألا ترى قوله عن صلاتهم فلما لم يتدبر أبو العالية حرف فى و عن تنبه له الحسن إذ لو كان المراد ما فهم أبو العالية لقال فى صلاتهم فلما قال عن صلاتهم دل على أن المراد به الذهاب عن الوقت ولذلك قال ابن قتيبة فى قوله تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن أنه من عشوت أعشو عشوا إذا نظرت وغلطوه فى ذلك وإنما معناه يعرض وإنما غلط لأنه لم يفرق بين عشوت إلى الشىء وعشوت عنه

وقال أبو عبيدة فى قوله تعالى وأصبح فؤاد أم موسى فارغا قال فارغا من لحزن لعلمها أنه لم يغرق ومنه دم فراغ أى لا قود فيه ولا دية

وقال بعض الأدباء أخطأ أبو عبيدة فى المعنى لو كان قلبها فارغا من الحزن عليه لما قال لولا أن ربطنا على قلبها لأنها كادت تبدى به

وهذا الباب عظيم الخطر ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن وتركوا القول فيه حذرا أن يزلوا فيذهبوا عن المراد وإن كانوا علماء باللسان فقهاء فى الدين وكان الأصمعى وهو إمام اللغة لا يفسر شيئا من غريب القرآن وحكى عنه أنه سئل عن قوله تعالى شغفها حبا فسكت وقال هذا فى القرآن ثم ذكر قولا لبعض العرب فى جارية لقوم أرادوا بيعها أتبيعونها وهى لكم شغاف ولم يزد على هذا ولهذا حث النبى صلى الله عليه وسلم على تعلم إعراب القرآن وطلب معانى العربية

واعلم أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شىء من كلام الله ولا يكفى فى حقه تتعلم اليسير منها فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر وهذا أبو بكر وعمر رضى الله عنهما من أفصح قريش سئل أبو بكر عن الأب فقال أبو بكر أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إذا قلت فى كلام الله ما لا أعلم وقرأ عمر سورة عبس فلما بلغ الأب قال الفاكهة قد عرفناها فما الأب ثم قال لعمرك يابن الخطاب إن هذا لهو التكلف وروى عنه أيضا أنه قال آمنا به كل من عند ربنا وفى رواية قال فما الأب ثم قال ما كلفنا أو ما أمرنا بهذا

وما ذاك بجهل منهما لمعنى الأب وإنما يحتمل والله أعلم أن الأب من الألفاظ المشتركة فى لغتهما أو فى لغات فخشيا إن فسراه بمعنى من معانيه أن يكون المراد غيره ولهذا اختلف

المفسرون فى معنى الأب على سبعة أقوال فقيل ما ترعاه البهائم وأما ما يأكله الآدمى فالحصيد والثانى التبن خاصة والثالث كل ما نبت على وجه الأرض والرابع ما سوى الفاكهة والخامس الثمار الرطبة وفيه بعد لأن الفاكهة تدخل فى الثمار الرطبة ولا يقال أفردت للتفصيل إذ لو أريد ذلك لتأخر ذكرها نحو فاكهة ونخل ورمان والسادس أن رطب الثمار هو الفاكهة ويابسها هو الأب والسابع أنه للأنعام كالفاكهة للناس

ويحتمل قول عمر غير ما سبق وجهين أحدهما أن يكون خفى عليه معناه وإن شهر كما خفى على ابن عباس معنى فاطر السموات والثانى تخويف غيره من التعرض للتفسير بما لا يعلم كما كان يقول أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم يريد الاحتراز فإن من احترز قلت روايته

النوع التاسع عشر

معرفة التصريف

وهو ما يلحق الكلمة ببنيتها وينقسم قسمين

أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة بضروب من المعانى وينحصر فى التصغير والتكبير والمصدر واسمى الزمان والمكان واسم الفاعل واسم المفعول والمقصور والممدود

والثانى تغيير الكلمة لمعنى طارىء عليها وينحصر فى الزيادة والحذف والإبدال والقلب والنقل والإدغام

وفائدة التصريف حصول المعانى المختلفة المتشبعة عن معنى واحد فالعلم به أهم من معرفة النحو فى تعرف اللغة لأن التصريف نظر فى ذات الكلمة والنحو نظر فى عوراضها وهو من العلوم التى يحتاج إليها المفسر

قال ابن فارس من فاته علمه فاته المعظم لأنا نقول وجد كلمة مبهمة فإذا صرفناها اتضحت فقلنا فى المال وجدا وفى الضالة وجدانا وفى الغضب موجدة وفى الحزن وجدا وقال تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا

وقال تعالى وأقسطوا إن الله يحب المقسطين فانظر كيف تحول المعنى بالتصريف من الجور إلى العدل

ويكون ذلك فى الاسماء والأفعال فيقولون للطريق فى الرمل خبة وللأرض المخصبة والمجدبة خبة وغير ذلك

وقد ذكر الأزهرى أن مادة دكر بالدال المهملة مهملة غير مستعملة فكتب التاج الكندى على الطرة ما ذكر أنه مهمل مستعمل قال الله تعالى وادكر بعد أمة فهل من مدكر وهذا الذى قاله سهو أوجبه الغفلة عن قاعدة التصريف فإن الدال فى الموضعين بدل من الذال لأن ادكر أصله اذتكر افتعل من الذكر وكذلك مدكر أصله مذتكر مفتعل من الذكر أيضا فأبدلت التاء ذالا والذال كذلك وأدغمت إحداهما فى الأخرى فصار اللفظ بهما كما ترى

وقال الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى سول لهم سهل لهم ركوب المعاصى من السول وهو الاسترخاء وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا يعرض بابن السكيت

وقال أيضا من بدع التفاسير أن الإمام فى قوله تعالى يوم ندعوا كل أناس بإمامهم جمع أم وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون

آبائهم لئلا يفتضح أولاد الزنا قال وليت شعرى أيهما أبدع أصحة لفظة أمه أم بهاء حكمته

يعنى أن أما لا يجمع على إمام هذا كلام من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب

وقال الراغب فى قوله تعالى فادارأتم فيها هو تفاعلتم أصله تدارأتم فأريد منه الإدغام تخفيفا وأبدل من التاء دال فسكن للإدغام فاجتلبت لها ألف الوصل فحصل على افاعلتم

وقال بعض الأدباء ادارأتم افتعلتم وغلط من أوجه

أولا أن ادارأتم على ثمانية أحرف وافتعلتم على سبعة أحرف

والثانى أن الذى يلي ألف الوصل تاء فجعلها دالا

والثالث أن الذى يلي الثانى دال فجعلها تاء

والرابع أن الفعل الصحيح العين لا يكون ما بعد تاء الافتعال منه إلا متحركا وقد جعله هذا ساكنا

والخامس أن هاهنا قد دخل بين التاء والدال زائد وفى افتعلت لا يدخل ذلك

والسادس أنه أنزل الألف منزلة العين وليست بعين

والسابع أن تاء افتعل قبله حرفان وبعده حرفان و ادارأتم بعدها ثلاثة أحرف

وقال ابن جنى من قال اتخذت افتعلت من الأخذ فهو مخطىء قال وقد ذهب إليه أبو إسحاق الزجاج وأنكره عليه أبو على وأقام الدلالة على فساده وهو أن ذلك يؤدى إلى إبدال الهمزة تاء وذلك غير معروف

النوع العشرون

$ معرفة الأحكام من جهة افرادها وتركيبها

ويؤخذ ذلك من علم النحو وقد انتدب الناس لتأليف إعراب القرآن ومن أوضحها كتاب الحوفى ومن أحسنها كتاب المشكل وكتاب أبى البقاء العكبرى وكتاب المنتخب الهمدانى وكتاب الزمخشرى وابن عطية وتلاهم الشيخ أبو حيان

قالوا والإعراب يبين المعنى وهو الذى يميز المعانى ويوقف على أغراض المتكلمين بدليل قولك ما أحسن زيدا ولا تأكل السمك وتشرب اللبن وكذلك

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر