علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٢٧ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٢٦٢–٢٧١

التكميل

بها ذكر الوسائل كما في الأنعام والأعراف ذكر المقاصد كالتحليل والتحريم كتحريم الدماء والأموال وعقوبة المعتدين وتحريم الخمر من تمام حفظ العقل والدين وتحريم الميتة والدم والمنخنقة وتحريم الصيد على المحرم من تمام الإحرام وإحلال الطيبات من تمام عبادة الله ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كالوضوء والحكم بالقرآن فقال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وذكر أنه من ارتد عوض الله بخبر منه ولا يزال هذا الدين كاملا ولهذا قيل إنها آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها

وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات البقرة وآل عمران والنساء والمائدة من أحسن الترتيب وهو ترتيب المصحف العثماني وإن كان مصحف عبد الله بن مسعود قدمت فيه سورة النساء على آل عمران وترتيب بعضها بعد بعض ليس هو إمرا أوجبه الله بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم ولهذا كان لكل مصحف ترتيب ولكن ترتيب المصحف العثماني أكمل وإنما لم يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مصحف لئلا يفضى إلى تغييره كل وقت فلهذا تأخرت كتابتة إلى أن كمل نزول القرآن بموته صلى الله عليه وسلم فكتب أبو بكر والصحابة بعده ثم نسخ عثمان المصاحف التي بعث بها إلى الأمصار

فائدة

سبب سقوط البسملة أول براءة

اختلف في السبب في سقوط البسملة أول براءة فقيل كان من شأن العرب في الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد وأرادوا نقضه كتبوا لهم كتابا ولم يكتبوا فيه

@ 263 البسملة فلما نزلت براءة بنقص العهد الذي كان للكفار قرأها عليهم على ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم ولكن في صحيح الحاكم أن عثمان رضي الله عنه قال كانت الأنفال من أوائل ما نزل وبراءة من آخره وكانت قصتها شبيها بقصتها وقضى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها وظننا أنها منها ثم فرقت بينهما ولم أ كتب بينهما البسملة

وعن مالك أن أولها لما سقط سقطت البسملة

وقد قيل إنها كانت تعدل البقرة لطولها

وقيل لأنه لما كتبوا المصاحف فى زمن عثمان اختلفوا هل هما سورتان أو الأنفال سورة وبراءة سورة تركت البسملة بينهما

وفى مستدرك الحاكم أيضا عن ابن عباس سألت عليا عن ذلك فقال لأن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان

قال القشيرى والصحيح أن البسملة لم تكن فيها لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها فيها

فائدة

فى بيان لفظ السورة لغة واصطلاحا

قال القتيبى السورة تهمز ولا تهمز فمن همزها جعلها من أسأرت أى أفضلت من السور وهو ما بقى من الشراب فى الإناء كأنها قطعة من القرآن ومن لم يهمزها جعلها من المعنى المتقدم وسهل همزتها

ومنهم من شبهها بسور البناء أى القطعة منه أي منزلة بعد منزلة

وقيل من سور المدينة لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور ومنه السوار لإحاطته بالساعد وعلى هذا فالواو أصلية

ويحتمل أن تكون من السورة بمعنى المرتبة لأن الآيات مرتبة فى كل سورة ترتيبا مناسبا وفى ذلك حجة لمن تتبع الآيات بالمناسبات

وقال ابن جنى فى شرح منهوكة أبى نواس إنما سميت سورة لإرتفاع قدرها لأنها كلام الله تعالى وفيها معرفة الحلال والحرام ومنه رجل سوار أى معربد لأنه يعلو بفعله ويشتط ويقال أصلها من السورة وهى الوثبة تقول سرت إليه وثرت إليه وجمع سورة القرآن سور بفتح الواو وجمع سورة البناء سور بسكونها وقيل هو بمعنى العلو ومنه قوله تعالى إذ تسوروا المحراب نزلوا عليه من علو فسميت القراءة به لتركب بعضها على بعض وقيل لعلو شأنه وشأن قارئه ثم كره بعضهم أن يقال سورة كذا والصحيح جوازه ومنه قول ابن مسعود هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة

وأما فى الاصطلاح فقال الجعبرى حد السورة قرآن يشتمل على آى ذوات فاتحة وخاتمة وأقلها ثلاث آيات فإن قيل فما الحكمة فى تقطيع القرآن سورا قلت هى الحكمة فى تقطيع السور آيات معدودات لكل آية حد ومطلع حتى تكون كل سورة بل كل آية فنا مستقلا وقرآنا معتبرا وفى تسوير السورة تحقيق لكون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله تعالى وسورت السور طوالا وقصارا وأوساطا تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات وهى معجزة إعجاز سورة البقرة ثم ظهرت لذلك حكمة فى التعليم وتدريج الأطفال من السور القصار إلى

ما فوقها يسيرا يسيرا تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه فترى الطفل يفرح بإتمام السورة فرح من حصل على حد معتبر وكذلك المطيل فى التلاوة يرتاح عند ختم كل سورة ارتياح المسافر إلى قطع المراحل المسماة مرحلة بعد مرحلة أخرى إلى أن كل سورة نمط مستقل فسورة يوسف تترجم عن قصته وسورة براءة تترجم عن أحوال المنافقين وكامن أسرارهم وغير ذلك

فإن قلت فهلا كانت الكتب السالفة كذلك قلت لوجهين أحدهما أنها لم تكن معجزات من ناحية النظم والترتيب والآخر أنها لم تيسر للحفظ

وقال الزمخشرى الفوائد فى تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة وكذلك أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور وما أوحاه إلى أنبيائه مسورة وبوب المصنفون فى كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم منها أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا ومنها أن القارىء إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ فى آخره كان أنشط له وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله ومثله المسافر إذا قطع ميلا أو فرسخا وانتهى إلى رأس برية نفس ذلك منه ونشطه للمسير ومن ثمة جزىء القرآن أجزاء وأخماسا ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حفظه ومنه حديث أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل فينا ومن ثم كانت القراءة فى الصلاة بسورة أفضل ومنها أن التفصيل يسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض وبذلك تتلاحظ المعانى والنظم إلى غير ذلك من الفوائد

فائدة

فى بيان معنى الآية لغة واصطلاحا

أما الآية فلها فى اللغة ثلاثة معان

أحدها جماعة الحروف قال أبو عمرو الشيبانى تقول العرب خرج القوم بآيتهم أى بجماعتهم

ثانيها الآية العجب تقول العرب فلان آية فى العلم وفى الجمال قال الشاعر % % آية فى الجمال ليس له فى ال % % حسن شبه وما له من نظير % $

فكأن كل آية عجب فى نظمها والمعانى المودعة فيها

ثالثها العلامة تقول العرب خربت دار فلان وما بقى فيها آية أى علامة فكأن كل آية فى القرآن علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

واختلف فى وزنها فقال سيبويه فعلة بفتح العين وأصلها أيية تحركت الياء وانفتح ما قبلها فجاءت آية وقال الكسائى أصلها آيية على وزن فاعلة حذفت الياء الأولى مخافة أن يلتزم فيها من الإدغام ما لزم فى دابة

وأما فى الاصطلاح فقال الجعبرى فى كتاب المفرد فى معرفة العدد حد الآية قرآن مركب من جمل ولو تقديرا ذو مبدأ ومقطع مندرج فى سورة وأصلها العلامة ومنه إن آية ملكه لأنها علامة للفضل والصدق أو الجماعة لأنها جماعة كلمة

وقال غيره الآية طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها ليس بينها شبه بما سواها

وقيل هى الواحدة من المعدودات فى السور سميت به لأنها علامة على صدق من أتى بها وعلى عجز المتحدى بها

وقيل لأنها علامة انقطاع ما قبلها من الكلام وانقطاعها عما بعدها قال الواحدى وبعض أصحابنا يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية لولا أن التوقيف ورد بما هى عليه الآن

وقال ابن المنير فى البحر ليس فى القرآن كلمة واحدة آية إلا مدهامتان وقال بعضهم الصحيح أنها إنما تعلم بتوقيف من الشارع لا مجال للقياس فيه كمعرفة السورة فالآية طائفة حروف من القرآن علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذى بعدها فى أول القرآن وعن الكلام الذى قبلها فى آخر القرآن وعن الكلام الذى قبلها والذى بعدها فى غيرهما غير مشتمل على مثل ذلك قال وبهذا القيد خرجت السورة

وقال الزمخشرى الآيات علم توقيف لا مجال للقياس فيه فعدوا الم آية حيث وقعت من السورة المفتتح بها وهى ست وكذلك المص آية و المر لم تعد آية و الر ليست بآية فى سورها الخمس و طسم آية فى سورتيها و طه و يس آيتان و طس ليست بآية و حم آية فى سورها كلها و حم عسق آيتان و كهيعص آية واحدة و ص و ق و ن ثلاثتها لم تعد آية هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم لم يعدوا شيئا منها آية

وقال بعضهم إنما عدوا يس آية ولم يعدوا طس لأن طس تشبه المفرد كقابيل فى الزنة والحروف و يس تشبه الجملة من جهة أن أوله ياء وليس لنا مفرد أوله ياء

وقال القاضى أبو بكر بن العربى ذكر النبى صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية وصح أنه قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران قال وتعديد الآى من مفصلات القرآن ومن آياته طويل وقصير ومنه ما ينقطع ومنه ما ينتهى إلى تمام الكلام ومنه ما يكون فى أثنائه كقوله أنعمت عليهم على مذهب أهل المدينة فإنهم يعدونها آية وينبغى أن يعول فى ذلك على فعل السلف

وأما الكلمة فهى اللفظة الواحدة وقد تكون على حرفين مثل ما ولى وله ولك وقد تكون أكثر وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل ليستخلفنهم و أنلزمكموها و فأسقيناكموه وقد تكون الكلمة آية مثل والفجر والضحى والعصر وكذلك الم و طه و يس و حم فى قول الكوفيين و حم عسق عندهم كلمتان وغيرهم لا يسمى هذه آيات بل يقول هذه فواتح لسور

وقال أبو عمرو الدانى لا أعلم كلمة هى وحدها آية إلا قوله مدهامتان فى سورة الرحمن

خاتمة

فى تعدد أسماء السور

قد يكون للسورة اسم وهو كثير وقد يكون لها اسمان كسورة البقرة يقال لها فسطاط القرآن لعظمها وبهائها وآل عمران يقال اسمها فى التوراة طيبة حكاه النقش والنحل تسمى سورة النعم لما عدد الله فيها من النعم على عباده وسورة حم عسق وتسمى الشورى وسورة الجاثية وتسمى الشريعة وسورة محمد صلى الله عليه وسلم وتسمى القتال

وقد يكون لها ثلاثة أسماء كسورة المائدة والعقود والمنقذة وروى ابن عطية فيه حديثا وكسورة غافر والطول والمؤمن لقوله وقال رجل مؤمن

وقد يكون لها أكثر من ذلك كسورة براءة والتوبة والفاضحة والحافرة لأنها حفرت عن قلوب المنافقين قال ابن عباس ما زال ينزل ومنهم حتى ظننا أنه لا يبقى أحد إلا ذكر فيها وقال حذيفة هى سورة العذاب وقال ابن عمر كنا ندعوها المشقشقة وقال الحارث بن يزيد كانت تدعى المبعثرة ويقال لها المسورة ويقال لها البحوث

وكسورة الفاتحة ذكر بعضهم لها بضعة وعشرين اسما الفاتحة وثبت فى الصحيحين وأم الكتاب وأم القرآن وثبتا فى صحيح مسلم وحكى ابن عطية كراهية تسميتها عن قوم والسبع المثانى والصلاة ثبتا فى صحيح مسلم والحمد رواه الدارقطنى

وسميت مثانى لأنها تثنى فى الصلاة أو أنزلت مرتين والوافية بالفاء لأن تبعيضها لا يجوز ولاشتمالها على المعانى التى فى القرآن والكنز لما ذكرنا والشافية والشفاء والكافية والأساس

وينبغى البحث عن تعداد الأسامى هل هو توقيفى أو بما يظهر من المناسبات فإن كان الثانى فلن يعدم الفطن أن يستخرج من كل سورة معانى كثيرة تقتضى اشتقاق أسمائها وهو بعيد

خاتمة أخرى

فى اختصاص كل سورة بما سميت

ينبغى النظر فى وجه اختصاص كل سورة بما سميت به ولا شك أن العرب تراعى فى الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستعرب يكون فى الشىء من خلق أو صفة تخصه أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرائى للمسمى ويسمون الجملة من الكلام أو القصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز كتسمية سورة البقرة بهذا الأسم لقرينه ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها من كثير من أحكام النساء وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها وإن كان قد ورد لفظ الأنعام فى غيرها إلا أن التفصيل الوارد فى قوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا إلى قوله أم كنتم شهداء لم يرد فى غيرها

كما ورد ذكر النساء فى سور إلا أن ما تكرر وبسط من أحكامهن لم يرد فى غير سورة النساء وكذا سورة المائدة لم يرد ذكر المائدة فى غيرها فسميت بما يخصها

فإن قيل قد ورد فى سورة هود ذكر نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام فلم تختص باسم هود وحده وما وجه تسميتها به وقصة نوح فيها أطول وأوعب قيل تكررت هذه القصص فى سورة الأعراف وسورة هود والشعراء بأوعب مما وردت فى غيرها ولم يتكرر فى واحدة من هذه السور الثلاث اسم هود عليه السلام كتكرره فى هذه السورة فإنه تكرر فيها عند ذكر قصته فى أربعة مواضع والتكرار من أقوى الأسباب التى ذكرنا

وإن قيل فقد تكرر اسم نوح فى هذه السورة فى ستة مواضع فيها وذلك أكثر من تكرار اسم هود قيل لما جردت لذكر نوح وقصته مع قومه سورة برأسها فلم يقع فيها غير ذلك كانت أولى بأن تسمى باسمه عليه السلام من سورة تضمنت قصته وقصة غيره وأن تكرر اسمه فيها أما هود فكانت أولى السور بأن تسمى باسمه عليه السلام

واعلم أن تسمية سائر سور القرآن يجرى فيها من رعى التسمية ما ذكرنا وانظر سورة ق لما تكرر فيها من ذكر الكلمات بلفظ القاف ومن ذلك السور المفتتحة بالحروف المقطعة ووجه اختصاص كل واحدة بما وليته حتى لم تكن لترد الم فى موضع الر ولا حم فى موضع طس لا سيما إذا قلنا إنها أعلام لها وأسماء عليها

وكذا وقع فى كل سورة منها ما كثر ترداده فيما يتركب من كلمها ويوضحه أنك إذا ناظرت سورة منها بما يماثلها فى عدد كلماتها وحروفها وجدت الحروف المفتتح بها تلك السورة إفرادا وتركيبا أكثر عددا فى كلماتها منها فى نظيرتها ومماثلتها فى عدد كلمها وحروفها فإن لم تجد بسورة منها ما يماثلها فى عدد كلمها ففى اطراد ذلك فى المماثلات مما

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر