علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٢٦ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٢٥٢–٢٦١

وسلم كان يقف على رءوس الآى للتوقيف فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع أنها ليست فاصلة

وأيضا البسملة نزلت مع السورة فى بعض الأحرف السبعة فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها ومن قرأ بغير ذلك لم يعدها

وسبب الاختلاف فى الكلمة أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ورسم واعتبار كل منها جائز وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز

وأطول سورة فى القرآن هى البقرة وأقصرها الكوثر

وأطول آية فيه آية الدين مائة وثمانية وعشرون كلمة وخمسمائة وأربعون حرفا

وأقصر آية فيه والضحى ثم والفجر كل كلمة خمسة أحرف تقديرا ثم لفظا ستة رسما لا مدهامتان لأنها سبعة أحرف لفظا ورسما وثمانية تقديرا ولا ثم نظر لأنهما كلمتان خمسة أحرف رسما وكتابة وستة أحرف تقديرا خلافا لبعضهم

وأطول كلمة فيه لفظا وكتابة بلا زيادة فأسقيناكموه أحد عشر لفظا ثم اقترفتموها عشرة وكذا أنلزمكموها والمستضعفين ثم ليستخلفنهم تسعة لفظا وعشرة تقديرا

وأقصرها نحو باء الجر حرف واحد لا أنها حرفان خلافا للدانى فيهما

فصل

أنصاف القرآن ثمانية

قال بعض القراء إن القرآن العظيم له ثمانية أنصاف باعتبار آية

فنصفه بالحروف النون من قوله نكرا فى سورة الكهف والكاف من نصفه الثانى

ونصفه بالكلمات الدال من قوله والجلود فى سورة الحج وقوله تعالى ولهم مقامع من حديد من نصفه الثانى

ونصفه بالآيات يأفكون من سورة الشعراء وقوله تعالى فألقي السحرة من نصفه الثانى

ونصفه على عدد السور فالأول الحديد والثانى من المجادلة

فائدة

سئل ابن مجاهد كم فى القرآن من قوله إلا غرورا فأجاب فى أربعة مواضع من النساء وسبحان والأحزاب وفاطر

وسئل الكسائى كم فى القرآن آية أولها شين فأجاب أربع آيات شهر رمضان شهد الله شاكرا لأنعمه شرع لكم من الدين

وسئل كم آية آخرها شين فأجاب اثنان كالعهن المنفوش لإيلاف قريش

وسئل آخر كم حكيم عليم قال خمسة ثلاثة فى الأنعام وفى الحجر واحد وفى النحل واحد

أكثر ما اجتمع فى كتاب الله من الحروف المتحركة ثمانية وذلك فى موضعين من سورة يوسف أحدهما إني رأيت أحد عشر كوكبا فبين واو كوكبا وياء رأيت ثمانية أحرف كلهن متحرك والثانى قوله حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي على قراءة من حرك الياء فى قوله لي و أبى ومثل هذين الموضعين سنشد عضدك بأخيك

وفى القرآن سور متواليات كل سورة تجمع حروف المعجم وهو من أول ألم نشرح لك صدرك إلى آخر القرآن

وآية واحدة تجمع حروف المعجم قوله تعالى محمد رسول الله الآية وسورة كل آية منها فيها اسمه تعالى وهى سورة المجادلة

وفى الحج ستة آيات متواليات فى آخر كل واحدة منهن اسمان من أسماء الله تعالى وهى قوله ليدخلنهم مدخلا يرضونه

وفى القرآن آيات أولها قل يا أيها ثلاث قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم قل يا أيها الكافرون

وفيه يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم يا أيها الإنسان إنك كادح

آية فى القرآن فيها ستة عشر ميما وهى قيل يا نوح اهبط بسلام الآية وآية فيها ثلاث وثلاثون ميما يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم

سورة تزيد على مائة آية ليس فيها ذكر جنة ولا نار سورة يوسف

آية فيها الجنة مرتان لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة

ثلاث آيات متواليات الأولى رد على المشبهة و والأخرى رد على المجبرة والأخرى رد على المرجئة قوله إذ نسويكم برب العالمين رد على المشبهة وما أضلنا إلا المجرمون رد على المجبرة فما لنا من شافعين رد على المرجئة

ليس فى القرآن حاء بعدها حاء لا حاجز بينهما إلا فى موضعين فى البقرة عقدة النكاح حتى وفى الكهف لا أبرح حتى

ليس فيه كافان فى كلمة واحدة لا حرف بينهما إلا فى موضعين فى البقرة مناسككم وفى المدثر ما سلككم في سقر

وأما ما يتعلق بترتيبه فأما الآيات فى كل سورة وضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفى بلا شك ولا خلاف فيه ولهذا لا يجوز تعكيسها

قال مكى وغيره ترتيب الآيات فى السور هو من النبى صلى الله عليه وسلم ولما لم يأمر بذلك فى أول براءة تركت بلا بسملة

وقال القاضى أبو بكر ترتيب الأيات أمر واجب وحكم لازم فقد كان جبريل يقول ضعوا آية كذا فى موضع كذا

وأسند البيهقى فى كتاب المدخل والدلائل عن زيد بن ثابت قال كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن إذ قال طوبى للشام فقيل له ولم قال لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه زاد فى الدلائل نؤلف القرآن فى الرقاع

قال وهذا يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة فى سورها وجمعها فيها بإشارة النبى صلى الله عليه وسلم

وأخرجه الحاكم فى المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقل فيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة فقد جمع بعضه بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم ثم جمع بحضرة أبى بكر الصديق والجمع الثالث وهو ترتيب السور كان بحضرة عثمان واختلف فى الحرف الذى كتب عثمان عليه المصحف فقيل حرف زيد بن ثابت وقيل حرف أبى بن كعب لأنه العرضة الأخيرة التى قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الأول أكثر الرواة ومعنى حرف زيد أى قراءته وطريقته

وفى كتاب فضائل القرآن لأبى عبيد عن أبى وائل قيل لابن مسعود إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال ذاك منكوس القلب رواه البيهقى

وأما ترتيب السور على ما هو عليه الآن فاختلف هل هو توقيف من النبى صلى الله عليه وسلم أو من فعل الصحابة أو يفصل فى ذلك ثلاثة أقوال

مذهب جمهور العلماء منهم مالك والقاضى أبو بكر بن الطيب فيما اعتمده واستقر عليه رأيه من أحد قوليه إلى الثانى وأنه صلى الله عليه وسلم فوض ذلك إلى أمته بعده

وذهبت طائفة إلى الأول والخلاف يرجع إلى اللفظ لأن القائل بالثانى يقول إنه رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال الإمام مالك إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى صلى الله عليه وسلم مع قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه هل ذلك بتوقيف قولى أم بمجرد استناد فعلى وبحيث بقى لهم فيه مجال للنظر فإن قيل فإذا كانوا قد سمعوه منه كما استقر عليه ترتيبه ففى ماذا أعملوا الأفكار وأى مجال بقى لهم بعد هذا الاعتبار قيل قد روى مسلم فى صحيحه عن حذيفة قال صليت مع النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح سورة البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها فى ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران الحديث فلما كان النبى صلى الله عليه وسلم ربما فعل هذا إرادة للتوسعة على الأمة وتبيانا لجليل تلك النعمة كان محلا للتوقف حتى استقر النظر على رأى ما كان من فعله الأكثر فهذا محل اجتهادهم فى المسألة

والقول الثالث مال إليه القاضى أبو محمد بن عطية أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها فى حياته صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والمفصل وأشاروا إلى أن ما سوى ذلك يمكن أن يكون فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده

وقال أبو جعفر بن الزبير الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف

كقوله اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران رواه مسلم ولحديث سعيد بن خالد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبع الطوال فى ركعة رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه وفيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع المفصل فى ركعة

وروى البخارى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال فى بنى إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها

وفى صحيح البخارى أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين

وقال أبو جعفر النحاس المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ذلك عن على بن أبى طالب ثم ساق بإسناده إلى أبى داود الطيالسى

حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أبى المليح الهذلى عن واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال أعطيت مكان التوراة السبع الطول وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الإنجيل المثانى وفضلت بالمفصل

قال أبو جعفر وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبى صلى الله عليه وسلم وأنه مؤلف من ذلك الوقت وإنما جمع فى المصحف على شىء واحد لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأليف القرآن وفيه أيضا دليل على أن سورة الأنفال سورة على حدة وليست من براءة

قال أبو الحسين أحمد بن فارس فى كتاب المسائل الخمس جمع القرآن على ضربين أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا الضرب هو

الذى تولاه الصحابة رضوان الله عليهم وأما الجمع الآخر فضم الآى بعضها إلى بعض وتعقيب القصة بالقصة فذلك شىء تولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه عز وجل وكذا قال الكرمانى فى البرهان ترتيب السور هكذا هو عند الله وفى اللوح المحفوظ وهو على هذا الترتيب كان يعرض عليه السلام على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه فى السنة التى توفى فيها مرتين

وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله تعالى فأتوا بعشر سور معناه مثل البقرة إلى سور هود وهى العاشرة ومعلوم أن سورة هود مكية وأن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة مدنيات نزلت بعدها

وفسر بعضهم قوله ورتل القرآن ترتيلا أى اقرأه على هذا الترتيب من غير تقديم ولا تأخير وجاء النكير على من قرأه معكوسا ولو حلف أن يقرأ القرآن على الترتيب لم يلزم إلا على هذا الترتيب ولو نزل القرآن جملة واحدة كما اقترحوا عليه لنزل على هذا الترتيب وإنما تفرقت سوره وآياته نزولا لحاجة الناس إليها حالة بعد حالة ولأن فيه الناسخ والمنسوخ ولم يكن ليجتمعا نزولا وأبلغ الحكم فى تفرقه ما قال سبحانه وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث وهذا أصل بنى عليه مسائل كثيرة

وقال القاضى أبو بكر بن الطيب فإن قيل قد اختلف السلف فى ترتيب القرآن فمنهم من كتب فى المصحف السور على تاريخ نزولها وقدم المكى على المدنى ومنهم جعل من أوله اقرأ باسم ربك وهو أول مصحف على وأما مصحف ابن مسعود فأوله مالك يوم الدين ثم البقرة ثم النساء على ترتيب مختلف وفى مصحف أبى كان أوله الحمد

ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة على اختلاف شديد

فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هى عليه اليوم على وجه الاجتهاد من الصحابة رضى الله عنهم وذكر ذلك مكى فى سورة براءة وأن وضع البسملة فى الأول هو من النبى صلى الله عليه وسلم

وقال أبو بكر بن الأنبارى أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرق فى بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابا لمستخبر ويقف جبريل النبى صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبى صلى الله عليه وسلم فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم لآيات

قال القاضى أبو بكر ومن نظم السور على المكى والمدنى لم يدر أين يضع الفاتحة لاختلافهم فى موضع نزولها ويضطر إلى تأخير الآية فى رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة إلى رأس الأربعين ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به

تنبيه

ترتيب وضع السور فى المصحف

لترتيب وضع السور فى المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفى صادر عن حكيم أحدها بحسب الحروف كما فى الحواميم وثانيها لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها كآخر الحمد فى المعنى وأول البقرة وثالثها للوزن فى اللفظ كآخر تبت وأول الإخلاص ورابعها لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى مثل والضحى و ألم نشرح

قال بعض الأئمة وسورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه فى دين الإسلام والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية

وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين وآل عمران مكملة لمقصودها فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم ولهذا قرن فيها ذكر المتشابه منها بظهور الحجة والبيان فإنه نزل أولها فى آخر الأمر لما قدم وفد نجران النصارى وآخرها يتعلق بيوم أحد والنصارى تمسكوا بالمتشابه فأجيبوا عن شبههم بالبيان ويوم أحد تمسك الكفار بالقتال فقوبلوا بالبيان وبه يعلم الجواب لمن تتبع المتشابه من القول والفعل وأوجب الحج فى آل عمران وأما فى البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بتمامه بعد الشروع فيه ولهذا ذكر البيت والصفا والمروة وكان خطاب النصارى فى آل عمران أكثر كما أن خطاب اليهود فى البقرة أكثر لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها والنبى صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم وكان جهاده للنصارى فى آخر الأمر كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذى اتفق عليه الأنبياء فخوطب بها جميع الناس والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين فخوطبوا يا أهل الكتاب يا بنى إسرائيل

وأما سورة النساء فتتضمن جميع أحكام الأسباب التى بين الناس وهي نوعان محلوقة لله تعالى ومقدورة لهم كالنسب والصهر ولهذا افتتحها الله بقوله ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ثم قال واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام وبين الذين يتعاهدون ويتعاقدون فيما بينهم وما تعلق بذلك من أحكام الأموال والفروج والمواريث ومنها العهود التي حصلت بالرسالة والتي أخذها الله على الرسل

وأما المائدة فسورة العقود وبهن تمام الشرائع قالوا وبها تم الدين فهي سورة

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر