علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٢٥ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ٢٤٢–٢٥١

قال الشيخ الشيخ شهاب الدين أبو شامة وقد أشبع القاضي أبو بكر محمد بن الطيب في كتاب الانتصار الكلام في حملة القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأقام الأدلة على أنهم كانوا أضعاف هذه العدة المذكورة وأن العادة تحيل خلاف ذلك ويشهد لصحة ذلك كثرة القراء المقتولين يوم مسيلمة باليمامة وذلك فى أول خلافة أبى بكر وما فى الصحيحين قتل سبعون من الأنصار يوم بئر معونة كانوا يسمون القراء ثم أول القاضى الأحاديث السابقة بوجوه منها اضطرابها وبين وجه الاضطراب فى العدد وإن خرجت فى الصحيحين مع أنه ليس منه شىء مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومنها بتقرير سلامتها فالمعنى لم يجمعه على جميع الأوجه والأحرف والقراءات التى نزل به إلا أولئك النفر ومنه أنه لم يجمع ما نسخ منه وأزيل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقى فرض حفظه وتلاوته إلا تلك الجماعة ومنها أنه لم يجمع جميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه من فيه تلقيا غير تلك الجماعة و غير ذلك

قال الماوردى وكيف يمكن الإحاطة بأنه لم يكمله سوى أربعة والصحابة متفرقون فى البلاد وإن لم يكمله سوى اربعة فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون

قال الشيخ وقد سمى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام القراء من الصحابة فى أول كتاب القراءات له فسمى عددا كثيرا

قلت وذكر الحافظ شمس الدين الذهبى فى كتاب معرفة القراء ما يبين ذلك وأن هذا العدد هم الذين عرضوه على النبى صلى الله عليه وسلم واتصلت بنا أسانيدهم وأما من جمعه منهم ولم يتصل بنا فكثير فقال ذكر الذين عرضوا على النبى

صلى الله عليه وسلم القرآن وهم سبعة عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وقال الشعبى لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء الأربعة إلا عثمان ثم رد على الشعبى قوله بأن عاصما قرأ على أبى عبد الرحمن السلمى عن على وأبى بن كعب وهو أقرأ من أبى بكر وقد قال يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله وهو مشكل وعبد الله بن مسعود وأبى وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعرى وأبو الدرداء

قال وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وأبى زيد وسالم مولى أبى حذيفة وعبد الله بن عمر وعقبة بن عامر ولكن لم تتصل بنا قراءتهم قال وقرأ على أبى جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن السائب

النوع الرابع عشر

معرفة تقسيمه بحسب سوره

وترتيب السور والآيات وعددها

تقسيم القرآن بحسب سوره

قال العلماء رضى الله عنهم القرآن العزيز أربعة أقسام الطول والمئون والمثانى والمفصل

وقد جاء ذلك فى حديث مرفوع أخرجه أبو عبيد من جهة سعيد بن بشير عن قتادة عن أبى المليح عن واثلة بن الأسقع عن النبى صلى الله عليه وسلم قال أعطيت السبع الطول مكان التوراة وأعطيت المئين مكان الإنجيل وأعطيت المثانى مكان الزبور وفضلت بالمفصل

وهو حديث غريب وسعيد بن بشير فيه لين وأخرجه أبو داود الطيالسى فى مسنده عن عمران عن قتادة به

فالسبع الطول أولها البقرة وآخرها براءة لأنهم كانوا يعدون الأنفال وبراءة سورة واحدة ولذلك لم يفصلوا بينهما لأنهما نزلتا جميعا فى مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسميت طولا لطولها وحكى عن سعيد بن جبير أنه عد السبع الطول البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس

والطول بضم الطاء جمع طولى كالكبر جمع كبرى قال أبو حيان التوحيدى وكسر الطاء مرذول

والمئون ما ولى السبع الطول سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها

والمثانى ما ولى المئين وقد تسمى سور القرآن كلها مثانى ومنه قوله تعالى كتابا متشابها مثاني ولقد آتيناك سبعا من المثاني

وإنما سمى القرآن كله مثانى لأن الأنباء والقصص تثنى فيه ويقال إن المثانى فى قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني هى آيات سورة الحمد سماها مثانى لأنها تثنى فى كل ركعة

والمفصل ما يلى المثانى من قصار السور سمى مفصلا لكثرة الفصول التى بين السور ببسم الله الرحمن الرحيم وقيل لقلة المنسوخ فيه وآخره قل أعوذ برب الناس وفى أوله اثنا عشر قولا

أحدها الجاثية

ثانيها القتال وعزاه الماوردى للأكثرين

ثالثها الحجرات

رابعها ق قيل وهى أوله فى مصحف عثمان رضى الله عنه وفيه حديث ذكره الخطابى فى غريبه يرويه عيسى بن يونس قال حدثنا عبد الرحمن يعلى الطائفى قال حدثنى عمر بن عبد الله بن أوس بن حذيفة عن جده أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وفد ثقيف فسمع من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان يحزب القرآن قال وحزب المفصل من ق وقيل إن أحمد رواه فى المسند وقال الماوردى فى تفسيره حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة للحديث المذكور

الخامس الصافات

السادس الصف

السابع تبارك حكى هذه الثلاثة ابن أبى الصيف اليمنى فى نكت التنبيه

الثامن إنا فتحنا لك حكاه الدذمارى فى شرح التنبيه المسمى رفع التمويه

التاسع الرحمن حكاه ابن السيد فى أماليه على الموطأ وقال إنه كذلك فى مصحف ابن مسعود قلت رواه أحمد فى مسنده كذلك

العاشر هل أتى على الإنسان حين من الدهر

الحادى عشر سبح حكاه ابن الفركاح فى تعليقه عن المرزوقى

الثانى عشر والضحى وعزاه الماوردى لابن عباس حكاه الخطابى فى غريبه ووجهه بأن القارىء يفصل بين هذه السور بالتكبير قال وهو مذهب ابن عباس وقراء مكة

والصحيح عند أهل الأثر أن أوله ق قال أبو داود فى سننه فى باب تحزيب القرآن حدثنا مسدد حدثنا جرار بن تمام ح وحدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان وهذا لفظه عن عبد الله بن عبد الرحمن يعلى عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده أوس قال عبد الله بن سعيد فى حديث أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وفد ثقيف قال فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مالك فى قبة له قال مسدد وكان فى الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم

من ثقيف قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ليلة بعد العشاء يحدثنا قال أبو سعيد قائما على راحلته ثم يقول لا سواء كنا مستضعفين مستذلين قال مسدد بمكة فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذى كان يأتينا فيه فقلت لقد أبطأت علينا الليلة قال إنه طرأ على حزبى من القرآن فكرهت أن أجى حتى أتمه

قال أوس فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن فقالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده

رواه ابن ماجه عن أبى بكر بن شيبة عن أبى خالد الأحمر به ورواه أحمد فى مسنده عن عبد الرحمن بن مهدى وأبو يعلى الطائفى به

وحينئذ فإذا عددت ثمانيا وأربعين سورة كانت التى بعدهن سورة ق

بيانه ثلاث البقرة وآل عمران والنساء وخمس المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة وسبع يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل وتسع سبحان والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان وإحدى عشرة الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان وآلم السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس وثلاث عشرة الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال

والفتح والحجرات ثم بعد ذلك حزب المفصل وأوله سورة ق وأما آل حاميم فإنه يقال إن حم اسم من أسماء الله تعالى أضيفت هذه السورة إليه كما قيل سور الله لفضلها وشرفها وكما قيل بيت الله قال الكميت % % وجدنا لكم فى آل حم آية % % تأولها منا تقى ومعرب % $

وقد يجعل اسما للسورة ويدخل الإعراب عليها ويصرف ومن قال هذا قال فى الجمع الحواميم كما يقال طس والطواسين وكره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال الحواميم وإما يقال آل حم

قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه آل حم ديباج القرآن

وقال ابن عباس رضى الله عنهما إن لكل شىء لبابا ولباب القرآن حم أو قال الحواميم

وقال مسعر بن كدام كان يقال لهن العرائس ذكر ذلك كله أبو عبيد فى فضائل القرآن

وقال حميد بن زنجويه ثنا عبد الله إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن أبى عبد الله قال إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن وإن مثل هؤلاء الروضات مثل حم فى القرآن

أورده البغوى

فصل

فى عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه

قال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرىء عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة وقال بعث الحجاج بن يوسف إلى قراء البصرة فجمعهم واختار منهم الحسن البصرى وأبا العالية ونصر بن عاصم وعاصما الجحدرى ومالك بن دينار رحمة الله عليهم وقال عدوا حروف القرآن فبقوا أربعة أشهر يعدون بالشعير فأجمعوا على أن كلماته سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة وأجمعوا على أن عدد حروفه ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا انتهى

وقال غيره أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك على أقوال فمنهم من لم يزد على ذلك ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات وقيل وأربع عشرة آية وقيل مائتان وتسع عشرة آية وقيل مائتان وخمس وعشرون آية أو ست وعشرون آية وقيل مائتان وست وثلاثون حكى ذلك أبو عمرو الدانى فى كتاب البيان

وأما كلماته فقال الفضيل بن شاذان عن عطاء بن يسار سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وسبع وثلاثون كلمة

وأما حروفه فقال عبد الله بن جبير عن مجاهد ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف وقال سلام أبو محمد الحمانى إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال أخبرونى عن القرآن كله كم من حرف هو قال فحسبناه فأجمعوا على أنه ثلاثمائة ألف وأربعون ألف وسبعمائة وأربعون حرفا قال فأخبرونى عن نصفه فإذا هو إلى الفاء من قوله

فى الكهف وليتلطف وثلثه الأول عند رأس مائة من براءة والثانى على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء والثالث إلى آخره وسبعه الأول إلى الدال فى قوله فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه والسبع الثانى إلى التاء من قوله فى الأعراف حبطت أعمالهم والثالث إلى الألف الثانية من قوله فى الرعد أكلها والرابع إلى الألف فى الحج من قوله جعلنا منسكا والخامس إلى الهاء من قوله فى الأحزاب وما كان لمؤمن ولا مؤمنة والسادس إلى الواو من قوله فى الفتح الظانين بالله ظن السوء والسابيع إلى آخر القرآن

قال سلام علمنا ذلك فى أربعة أشهر

قالوا وكان الحجاج يقرأ فى كل ليلة ربع القرآن فالأول إلى آخر الأنعام والثانى إلى وليتلطف من سورة الكهف والثالث إلى آخر المؤمن والرابع إلى آخر القرآن وحكى الشيخ أبو عمرو الدانى فى كتاب البيان خلافا فى هذا كله

وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما فى الربعات بالمدارس وغيرها وقد أخرج أحمد فى مسنده وأبو داود وابن ماجه عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حياته كيف تحزبون القرآن قالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل من ق حتى يختم

أسند الزبيدى فى كتاب الطبقات عن المبرد أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلى وذكر أيضا أن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر وذكر أبو الفرج

أن زياد بن أبى سفيان أمر أبا الأسود أن ينقط المصاحف وذكر الجاحظ فى كتاب الأمصار أن نصر بن عاصم أول من نقط المصاحف وكان يقال له نصر الحروف

واما وضع الأعشار فقيل إن المأمون العباسى أمر بذلك وقيل إن الحجاج فعل ذلك

واعلم أن عدد سور القرآن العظيم باتفاق أهل الحل والعقد مائة وأربع عشرة سورة كما هى فى المصحف العثمانى أولها الفاتحة وآخرها الناس وقال مجاهد وثلاث عشرة بجعل الأنفال والتوبة سورة واحدة لاشتباه الطرفين وعدم البسملة ويرده تسمية النبى صلى الله عليه وسلم كلا منهما وكان فى مصحف ابن مسعود اثنا عشر لم يكن فيها المعوذتان لشبهة الرقية وجوابه رجوعه إليهم وما كتب الكل وفى مصحف أبى ست عشرة وكان دعاء الاستفتاح والقنوت فى آخره كالسورتين ولا دليل فيه لموافقتهم وهو دعاء كتب بعد الختمة

وعدد آياته فى قول على رضى الله عنه ستة آلاف ومائتان وثمان عشرة وعطاء ستة آلاف ومائة وسبع وسبعون وحميد ستة آلاف ومائتان واثنتا عشرة وراشد ستة آلاف ومائتان وأربع

وقال حميد الأعرج نصفه معي صبرا فى الكهف وقيل عين تستطيع وقيل ثانى لامى وليتلطف

واعلم أن سبب اختلاف العلماء فى عد الآى والكلم والحروف أن النبى صلى الله عليه

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر