الجزء ١ — ص ٢٣٢–٢٤١
وكان بين أول نزول القرآن آخره عشرون أو ثلاث وعشرون أو خمس وعشرون سنة وهو مبنى على الخلاف فى مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة فقيل عشر وقيل ثلاث عشرة وقيل خمس عشرة ولم يختلف فى مدة إقامته بالمدينة أنها عشر وكان كلما أنزل عليه شىء من القرآن أمر بكتابته ويقول فى مفترقات الآيات ضعوا هذه فى سورة كذا وكان يعرضه جبريل فى شهر رمضان كل عام مرة وعام مات مرتين
وفى صحيح البخارى قال مسروق عن عائشة عن فاطمة رضى الله عنهما أسر النبى صلى الله عليه وسلم إلى أن جبريل كان يعارضنى بالقرآن كل سنة وأنه عارضنى العام مرتين ولا أراه إلا حضور أجلى
وأسنده البخارى فى مواضع وقد كرر النبى صلى الله عليه وسلم الاعتكاف فاعتكف عشرين بعد أن كان يعتكف عشرا
النوع الثالث عشر
فى بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة رضى الله عنهم
جمع القرآن على عهد أبى بكر
روى البخارى فى صحيحه عن زيد بن ثابت قال أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر إن عمر أتانى فقال إن القتل قد استحر بيوم اليمامة بقراء القرآن وإنى أخشى أن يستحر القتل بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر والله إن هذا خير فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك وقد رأيت فى ذلك الذى رأى عمر قال زيد وقال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا أتهمك وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن واجمعه قال زيد فوالله لوكلفنى نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل على مما أمرنى به من جمع القرآن قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور
الرجال حتى وجدت آخر التوبة لقد جاءكم مع أبى خزيمة الأنصارى الذى جعل النبى صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين لم أجدها مع أحد غيره فألحقتها فى سورتها فكانت الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى قبض ثم عند حفصة بنت عمر
وفى رواية ابن شهاب وأخبرنى خارجة بن زيد سمع زيد بن ثابت يقول فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصارى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فألحقناها فى سورتها وخزبمة الأنصارى شهادته بشهادتين
وقول زيد لم أجدها إلا مع خزيمة ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد لأن زيدا كان قد سمعها وعلم موضعها فى سورة الأحزاب بتعليم النبى صلى الله عليه وسلم وكذلك غيره من الصحابة ثم نسيها فلما سمع ذكره وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم وسيأتى أن الذين كانوا يحفظون القرآن من الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة والمراد أن هؤلاء كانوا اشتهروا به فقد ثبت أن غيرهم حفظه وثبت أن القرآن مجموعة محفوظ كله صدور الرجال أيام حياة النبى صلى الله عليه وسلم مؤلفا على هذا التأليف إلا سورة براءة
قال ابن عباس قلت لعثمان ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم قال عثمان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتى عليه الزمان وتنزل عليه السور وكان إذا نزل عليه شىء دعا بعض من كان يكتبه فقال ضعوا هذه الآيات فى السورة
التى يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل من المدينة وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ثم كتبت فثبت أن القرآن كان على هذا التأليف والجمع فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم وإنما ترك جمعه فى مصحف واحد لأن النسخ كان يرد على بعض فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين فحفظه الله فى القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين
نسخ القرآن فى المصاحف
واعلم أنه قد اشتهر أن عثمان هو أول من جمع المصاحف وليس كذلك لماا بينااه بل أول من جمعها فى مصحف واحد الصديق ثم أأمر عثمان حين خاف الاختلاف فى القراءة بتحويله منها إلى المصاحف هكذا نقله البيهقى
قال وقد روينا عن زيد بن ثابت أن التأليف كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وروينا عنه أن الجمع فى المصحف كان فى زمن أبى بكر والنسخ فى المصاحف فى زمن عثمان وكان ما يجمعون وينسخون معلوما لهم بما كان مثبتا فى صدور الرجال وذلك كله بمشورة من حضره من الصحابة وارتضاه على بن أبى طالب وحمد أثره فيه
وذكر غيره أن الذى استبد به عثمان جمع الناس على قراءة محصورة والمنع من غير ذلك قال القاضى أبو بكر فى الانتصار لم يقصد عثمان قصد أبى بكر فى جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبى صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت
مع تنزيل ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتى بعد انتهى
وقد روى البخارى فى صحيحه عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراء وقال حذيفة لعثمان أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا الصحف ننسخها فى المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها فى المصاحف قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل فى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق
وفى هذه إثبات ظاهر أن الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير زيادة ولا نقص والذى حملهم على جمعه ما جاء فى الحديث أنه كان مفرقا فى العسب واللخاف وصدور الرجال فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته وكتبوه كما سمعوه من النبى صلى الله عليه وسلم من غير أن قدموا شيئا أو أخروا وهذا الترتيب كان منه صلى الله عليه وسلم بتوقيف لهم على ذلك وأن هذه الآية عقب تلك الآية فثبت أن سعى الصحابة فى جمعه فى موضع واحد لا فى ترتيب فإن القرآن مكتوب فى اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذى هو فى مصاحفنا الآن أنزله الله جملة واحدة إلى سماء الدنيا
كما قال الله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقال تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر ثم كان ينزل مفرقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته عند الحاجة كما قال تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا فترتيب النزول غير ترتيب التلاوة وكان هذا الاتفاق من الصحابة سببا لبقاء القرآن فى الأمة ورحمة من الله على عباده وتسهيلا وتحقيقا لوعده بحفظه كما قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وزال بذلك الاختلاف واتفقت الكلمة
قال أبو عبد الرحمن السلمى كانت قراءة أبى بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة كانوا يقرءون القراءة العامة وهى القراءة التى قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين فى العام الذى قبض فيه وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة وكان يقرىء الناس بها حتى مات ولذلك اعتمده الصديق فى جمعه وولاه عثمان كتبة المصحف
وقال أبو الحسين بن فارس فى المسائل الخمس جمع القرآن على ضربين أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا الضرب هو الذى تولته الصحابة وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات فى السور فهو توقيفى تولاه النبى صلى الله عليه وسلم
وقال الحاكم فى المستدرك وقد روى حديث عبد الرحمن بن شماس عن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع الحديث قال وفيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة فقد جمع بعضه بحضرة النبى
صلى الله عليه وسلم ثم جمع بحضرة الصديق والجمع الثالث وهو ترتيب السور كان فى خلافة عثمان
وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبى فى كتاب فهم السنن كتابة القرآن ليست محدثة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا فى الرقاع والأكتاف والعسب وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القرآن منتشر فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شىء
فإن قيل كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال قيل لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف وقد شاهدوا تلاوته من النبى صلى الله عليه وسلم عشرين سنة فكان تزويد ما ليس منه مأمونا وإنما كان الخوف من ذهاب شىء من صحيحه
فإن قيل كيف لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قيل لأن الله تعالى كان قد أمنه من النسيان بقوله سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله أن يرفع حكمه بالنسخ فحين وقع الخوف من نسيان الخلق حدث ما لم يكن فأحدث بضبطه ما لم يحتج إليه قبل ذلك
وفى قول زيد بن ثابت فجمعته من الرقاع والأكتاف وصدور الرجال ما أوهم بعض الناس أن أحدا لم يجمع القرآن فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن من قال إنه جمع القرآن أبى بن كعب وزيد ليس بمحفوظ وليس الأمر على ما أوهم وإنما طلب القرآن متفرقا ليعارض بالمجتمع عند من بقى ممن جمع القرآن ليشترك الجميع فى علم ما جمع
فلا يغيب عن جمع القرآن عنده منه شىء ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف ولا يشكو فى أنه جمع عن ملأ منهم
فأما قوله وجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت ولم أجدها مع غيره يعنى ممن كانوا فى طبقة خزيمة لم يجمع القرآن
وأما أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل فبغير شك جمعوا القرآن والدلائل عليه متظاهرة قال ولهذا المعنى لم يجمعوا السنن فى كتاب إذ لم يمكن ضبطها كما ضبط القرآن قال ومن الدليل على ذلك أن تلك المصاحف التى كتب منها القرآن كانت عنده الصديق لتكون إماما ولم تفارق الصديق فى حياته ولا عمر أيامه ثم كانت عند حفصة لا تمكن منها ولما احتيج إلى جمع الناس على قراءة واحدة وقع الاختيار عليها فى أيام عثمان فأخذ ذلك الإمام ونسخ فى المصاحف التى بعث بها إلى الكوفة وكان الناس متروكين على قراءة ما يحفظون من قراءتهم المختلفة حتى خيف الفساد فجمعوا على القراءة التى نحن عليها قال والمشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان رضى الله عنه وليس كذلك إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام فى حروف القراءات والقرآن وأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق روى عن على أنه قال رحم الله أبا بكر هو أول من جمع بين اللوحين ولم يحتج الصحابة فى أيام أبى بكر وعمر إلى جمعه على وجه ما جمعه عثمان لأنه لم يحدث فى أيامهما من الخلاف فيه ما حدث فى زمن عثمان ولقد وفق لأمر عظيم ورفع الاختلاف وجمع الكلمة وأراح الأمة
وأما تعلق الروافض بأن عثمان أحرق المصاحف فإنه جهل منهم وعمى فإن هذا من فضائله وعلمه فإنه أصلح ولم الشعث وكان ذلك واجبا عليه ولو تركه لعصى لما فيه من التضييع وحاشاه من ذلك وقولهم إنه سبق إلى ذلك ممنوع لما بيناه أنه كتب فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم فى الرقاع والأكتاف وأنه فى زمن الصديق جمعه فى حرف واحد
قال وأما قولهم إنه أحرق المصاحف فإنه غير ثابت ولو ثبت لوجب حمله على أنه أحرق مصاحف قد أودعت ما لا يحل قراءته
وفى الجملة إنه إمام عدل غير معاند ولا طاعن فى التنزيل ولم يحرق إلا ما يجب إحراقه ولهذا لم ينكر عليه أحد ذلك بل رضوه وعدوه من مناقبه حتى قال على لو وليت ما ولى عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل انتهى ملخصا
فائدة
فى عدد مصاحف عثمان
قال أبو عمرو والدانى فى المقنع أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعله على أربع نسخ وبعث إلى كل ناحية واحدا الكوفة والبصرة والشام وترك واحدا عنده وقد قيل إنه جعله سبع نسخ وزاد إلى مكة وإلى اليمن وإلى البحرين قال والأول أصح وعليه الأئمة
فصل
فى بيان من جمع القرآن حفظا
من الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
حفظه فى حياته جماعة من الصحابة وكل قطعة منه كان يحفظها جماعة كثيرة أقلهم بالغون حد التواتر وجاء فى ذلك أخبار ثابتة فى الترمذى والمستدرك وغيرهما من حديث ابن عباس
قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشىء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هذه الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا قال الترمذى هذا حديث حسن وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
وفى البخارى عن قتاده قال سألت أنس بن مالك من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أربعة كلهم من الانصار أبى بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد ابن ثابت وأبو زيد قال الحافظ البيهقي في كتاب المدخل الرواية الأولى أصح ثم أسند عن ابن سيرين قال جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة لا يختلف فيهم معاذ بن جبل وأبى بن كعب وزيد وأبو زيد واختلفوا فى رجلين من ثلاثة أبو الدرداء وعثمان وقيل عثمان وتميم الدارى
وعن الشعبى جمعه ستة أبى وزيد ومعاذ وأبو الدرداء وسعد بن عبيد وأبو زيد ومجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة قال ولم يجمعه أحد من الخلفاء من اصحاب محمد غير عثمان
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر