الجزء ١ — ص ٢٢٢–٢٣١
قال وذكر ابن وهب فى كتاب الترغيب من جامعه قال قيل لمالك أترى أن تقرأ مثل ما قرأ عمر بن الخطاب / < فامضوا إلى ذكر الله > / قال جائز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه ومثل يعلمون وتعلمون قال مالك لا أرى باختلافهم بأسا وقد كان الناس ولهم مصاحف
قال ابن وهب سألت مالكا عن مصحف عثمان فقال لى ذهب وأخبرنى مالك قال أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا إن شجرة الزقوم طعام الأثيم فجعل الرجل يقول طعام اليتيم فقال طعام الفاجر فقلت لمالك أترى أن يقرأ بذلك قال نعم أرى أن ذلك واسعا
قال أبو عمر معناه عندى أن يقرأ به فى غير الصلاة وإنما لم تجز القراءة به فى الصلاة لأن ما عداا مصحف عثمان لا يقطع عليه وإنما يجرى مجرى خبر الآحاد لكنه لا يقدم أحد على القطع فى رده
وقال مالك رحمه الله فيمن قرأ فى صلاة بقراءة ابن مسعود وغيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه
قال وعلماء مكيون مجمعون على ذلك إلا شذوذا لا يعرج عليه منهم إلا عثمان وهذا كله يدل على أن السبعة الأحرف التى أشير إليها فى الحديث ليس بأيدى الناس منها إلا حرف زيد بن ثابت الذى جمع عثمان عليه المصاحف
السادس أن ذلك راجع إلى بعض الآيات مثل قوله أف لكم فهذا على سبعة أوجه بالنصب والجر والرفع وكل وجه التنوين وغيره وسابعها الجزم ومثل قوله تساقط عليك ونحوه ويحتمل فى القرآن تسعة أوجه ولا يوجد ذلك فى عامة الآيات
قال ابن عبد البر وأجمعوا على أن القرآن لا يجوز فى حروفه وكلماته وآياته كلها أن تقرأ على سبعة أحرف ولا شىء منها ولا يمكن ذلك فيها بل لا يوجد فى القرآن كلمة تحتمل أن تقرأ على سبعة أوجه إلا قليل مثل وعبد الطاغوت و تشابه علينا و بعذاب بئيس ونحوه وذلك ليس هذا
وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة وهذا المجموع فى المصحف هل هو جميع الأحرف السبعة التى أقيمت القراءة عليها أو حرف واحد منها ميل القاضى أبى بكر إلى أنه جميعها وصرح أبو جعفر الطبرى والأكثرون من بعده بأنه حرف منها ومال الشيخ الشاطبى إلى قول القاضى فيما جمعه أبو بكر وإلى قول الطبرى فيما جمعه عثمان رضى الله عنه
والسابع اختاره القاضى أبو بكر وقال الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطها عنه الأئمة وأثبتها عثمان والصحابة فى المصحف
وأخبروا بصحتها وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى وليست متضادة ولا منافية
والثامن قول الطحاوى أن ذلك كان فى وقت خاص لضرورة دعت إليه لأن كل ذى لغة كان يشق عليه أن يتحول عن لغته ثم لما كثر الناس والكتاب ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم الأحرف السبعة وعاد ما يقرأ به إلى حرف واحد
والتاسع أن المراد علم القرآن يشتمل على سبعة أشياء علم الإثبات والإيجاد كقوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض
وعلم التوحيد كقوله تعالى قل هو الله أحد وإلهكم إله واحد
وعلم التنزيه كقوله أفمن يخلق كمن لا يخلق ليس كمثله شيء
وعلم صفات الذات كقوله ولله العزة الملك القدوس
وعلم صفات الفعل كقوله واعبدوا الله واتقوا الله وأقيموا الصلاة لا تأكلوا الربا
وعلم العفو والعذاب كقوله ومن يغفر الذنوب إلا الله نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم
وعلم الحشر والحساب كقوله إن الساعة لآتية اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
وعلم النبوات كقوله رسلا مبشرين ومنذرين وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه
والإمامات كقوله يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ومن يشاقق الرسول كنتم خير أمة
والعاشر أن المراد سبعة أشياء المطلق والمقيد والعام والخاص والنص والمؤول والناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والاستثناء وأقسامه حكاه أبو المعالى بسند له عن أئمة الفقهاء
والحادى عشر حكاه عن أهل اللغة أن المراد الحذف والصلة والتقديم والتأخير والقلب والاستعارة والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز والمجمل والمفسر والظاهر والغريب
والثانى عشر وحكاه عن النحاة أنها التذكير والتأنيث والشرط والجزاء والتصريف
والإعراب والأقسام وجوابها والجمع والتفريق والتصغير والتعظيم واختلاف الأدوات مما يختلف فيها بمعنى وما لا يختلف فى الأداء واللفظ جميعا
والثالث عشر حكاه عن القراء أنها من طريق التلاوة وكيفية النطق بها من إظهار وإدغام وتفخيم وترقيق وإمالة وإشباع ومد وقصر وتخفيف وتليين وتشديد
والرابع عشر وحكاه عن الصوفية أنه يشتمل على سبعة أنواع من المبادلات والمعاملات وهى الزهد والقناعة مع اليقين والحزم والخدمة مع الحياء والكرم والفتوة مع الفقر والمجاهدة والمراقبة مع الخوف والرجاء والتضرع والاستغفار مع الرضا والشكر والصبر مع المحاسبة والمحبة والشوق مع المشاهدة
وقال ابن حبان قيل أقرب الأقوال إلى الصحة أن المراد به سبع لغات والسر فى إنزاله على سبع لغات تسهيله على الناس لقوله ولقد يسرنا القرآن للذكر فلو كان تعالى أنزله على حرف واحد لانعكس المقصود قال وهذه السبعة التى نتداولها اليوم غير تلك بل هذه حروف من تلك الأحرف السبعة كانت مشهورة وذكر حديث عمر مع هشام بن حكيم لكن لما خافت الصحابة من اختلاف القرآن رأوا جمعه على حرف واحد من تلك الحروف السبعة ولم يثبت من وجه صحيح تعين كل حرف من هذه الأحرف ولم يكلفنا الله ذلك غير أن هذه القراءة الآن غير خارجة عن الأحرف السبعة
وقال بعض المتأخرين الأشبه بظواهر الأحاديث أن المراد بهذه الأحرف اللغات وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم وما جرت عليه عادتهم من الإظهار والإدغام
والإمالة والتفخيم والإشمام والهمز والتليين والمد وغير ذلك من وجوه اللغات إلى سبعة أوجه منها فى الكلمة الواحدة فإن الحرف هو الطرف والوجه كما قال تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف أى على وجه واحد وهو أن يعبده فى السراء دون الضراء وهذه الوجوه هى القراءات السبع التى قرأها القراء السبعة فإنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذى جمع عليه عثمان المصحف وهذه القراءات السبع اختيارات أولئك القراء فإن كل واحد اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءة ما هو الأحسن عنده والأولى ولزم طريقة منها ورواها وقرأ بها واشتهرت عنه ونسبت إليه فقيل حرف نافع وحرف ابن كثير ولم يمنع واحد منهم حرف الآخر ولا أنكره بل سوغه وحسنه وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختياران وأكثر وكل صحيح
وقد أجمع المسلمون فى هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عنهم وكان الإنزال على الأحرف السبعة توسعة من الله ورحمة على الأمة إذ لو كلف كل فريق منهم ترك لغته والعدول عن عادة نشئوا عليها من الإمالة والهمز والتليين والمد وغيره لشق عليهم
ويشهد لذلك ما رواه الترمذى عن أبى بن كعب أنه لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال يا جبريل إنى بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذى لم يقرأ كتابا قط فقال يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف وقال حسن صحيح
النوع الثانى عشر
فى كيفية أنزاله
قال تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وقال سبحانه إنا أنزلناه في ليلة القدر
واختلف فى كيفية الإنزال على ثلاثة أقوال
أحدها أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما فى عشرين سنة أو فى ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الاختلاف فى مدة إقامته بمكة بعد النبوة
والقول الثانى أنه نزل إلى سماء الدنيا فى عشرين ليلة قدر من عشرين سنة وقيل فى ثلاث وعشرين ليلة قدر من ثلاث وعشرين سنة وقيل فى خمس وعشرين ليلة قدر من خمس وعشرين سنة فى كل ليلة ما يقدر سبحانه إنزاله فى كل السنة ثم ينزل بعد ذلك منجما فى جميع السنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
والقول الثالث أنه ابتدىء إنزاله فى ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما فى أوقات مختلفة من سائر الأوقات
والقول الأول أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون ويؤيده ما رواه الحاكم فى مستدركه عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك فى عشرين سنة قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين
وأخرج النسائى فى تفسير من جهة حسان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فصل القرآن من الذكر فوضع فى بيت العزة من السماء الدنياا فجعل جبريل ينزل به على النبى صلى الله عليه وسلم وإسناده صحيح وحسان هو ابن أبى الأشرس وثقة النسائى وغيره
وبالثانى قال مقاتل والإمام أبو عبد الله الحليمى فى المنهاج والماوردى فى تفسيره
وبالثالث قال الشعبى وغيره
واعلم أنه اتفق أهل السنة على أن كلام الله منزل واختلفوا فى معنى الإنزال فقيل معناه إظهار القرآن وقيل إن الله أفهم كلامه جبريل وهو فى السماء وهو عال من المكان وعلمه قراءته ثم جبريل أداه فى الأرض وهو يهبط فى المكان
والتنزيل له طريقان أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة وأخذه من جبريل والثانى أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه والأول أصعب الحالين
ونقل بعضهم عن السمرقندى حكاية ثلاثة أقوال فى المنزل على النبى صلى الله عليه وسلم ما هو
أحدها أنه اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به وذكر بعضهم أن أحرف القرآن فى اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف وأن تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا الله عز وجل وهذا معنى قول الغزالى إن هذه الأحرف سترة لمعانيه
والثانى أنه إنما نزل جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم بالمعانى خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعانى وعبر عنها بلغة العرب وإنما تمسكوا بقوله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك
والثالث أن جبريل صلى الله عليه وسلم إنما ألقى عليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ثم أنه أنزل به كذلك بعد ذلك
فإن قيل ما السر فى إنزاله جملة إلى السماء قيل فيه تفخيم لأمره وأمر من نزل عليه وذلك بإعلان سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم ولقد صرفناه إليهم لينزله عليهم ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت نزوله منجماا بسبب الوقائع لأهبطه إلى الأرض جملة
فإن قيل فى أى زمان نزل جملة إلى سماء الدنيا بعد ظهور نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أم قبلها قلت قال الشيخ أبو شامة الظاهر أنه قبلهاا وكلاهما محتمل فإن كان بعدها فوجه التفخيم منه ما ذكرناه وإن كان قبلها ففائدته أظهر وأكثر
فإن قلت فقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر من جملة القرآن الذى نزل جملة أم لا فإن لم يكن منه فما نزل جملة وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة قلت ذكر فيه وجهين أحدهما أن يكون معنى الكلام ما حكمنا بإنزاله فى القدر وقضائه وقدرناه فى الأزل ونحو ذلك والثانى أن لفظه لفظ الماضى ومعناه الاستقبال أى ينزل جملة فى ليلة مباركة هى ليلة القدر واختير لفظ الماضى إما لتحققه وكونه لا بد منه وإما لأنه حال اتصاله بالمنزل عليه يكون المضى فى معناه محققا لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة
فإن قلت ما السر فى نزوله إلى الأرض منجما وهلا نزل جملة كسائر الكتب قلت هذا سؤال قد تولى الله سبحانه جوابه فقال تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل فأجابهم الله بقوله كذلك أى أنزلناه كذلك مفرقا لنثبت به فؤادك أى لنقوى به قلبك فإن الوحى إذا كان يتجدد فى كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ولهذا كان أجود ما يكون فى رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السلام
وقيل معنى لنثبت به فؤادك لنحفظه فإنه عليه السلام كان اميا لا يقرأ ولا يكتب ففرق عليه لييسر عليه حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل جملة
فإن قلت كان فى القدرة إذا نزل جملة أن يحفظه النبى صلى الله عليه وسلم دفعة
قلت ليس كل ممكن لازم الوقوع وأيضا فى القرآن أجوبة عن أسئلة فهو سبب من أسباب تفرق النزول ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا
وقال ابن فورك قيل أنزلت التوراة جملة لأنها نزلت على نبى يقرأ ويكتب وهو موسى وأنزل القرآن مفرقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبى أمى وقيل مما لم ينزل لأجله جملة واحدة أن منه الناسخ والمنسوخ ومنه ما هو جواب لمن يسأل عن أمور ومنه ما هو إنكار لما كان انتهى
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر