الجزء ١ — ص ٢١٢–٢٢١
اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتى فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت اللهم اغفر لأمتى وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام
وأخرج قاسم بن أصبغ فى مصنفه من حديث المقبرى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة
وأما ما رواه الحاكم فى المستدرك عن سمرة يرفعه أنزل القرآن على ثلاثة أحرف فقال أبو عبيد تواترت الأخبار بالسبعة إلا هذا الحديث
قال أبو شامة يحتمل أن يكون معناه إن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كحذره والرهب والصدق فيقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه فى هذه القراءة المشهورة أو أراد أنزل ابتداء على ثلاثة ثم زيد إلى سبعة ومعنى جميع ذلك أنه نزل منه ما يقرأ على حرفين وعلى ثلاثة وأكثر إلى سبعة أحرف توسعة على العباد باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معناها
وقال ابن العربى لم يأت فى معنى هذا السبع نص ولا أثر واختلف الناس فى تعيينها
وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستى اختلف الناس فيها على خمسة وثلاثين قولا وقال وقفت منها على كثير فذهب بعضهم إلى أن المراد التوسعة على القارىء ولم يقصد به الحصر والأكثر على أنه محصور فى سبعة ثم اختلفوا هل هى باقية إلى الآن نقرؤها
أم كان ذلك أولا ثم استقر الحال بعده على قولين
وقال القرطبى إن القائلين بالثانى وهو أن الأمر كان كذلك ثم استقر على ما هو الآن هم أكثر العلماء منهم سفيان بن عيينة وابن وهب والطبرى والطحاوى ثم اختلفوا هل استقر فى حياته صلى الله عليه وسلم أم بعد وفاته والأكثرون على الأول واختاره القاضى أبو بكر بن الطيب وابن عبد البر وابن العربى وغيرهم ورأوا أن ضرورة اختلاف لغات العرب ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم فى أول الأمر فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه أى على طريقته فى اللغة إلى أن انضبط الأمر فى آخر العهد وتدربت الألسن وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة فعارض جبريل النبى صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين فى السنة الآخرة واستقر على ما هو عليه الآن فنسخ الله سبحانه تلك القراءة المأذون فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التى تلقاها الناس ويشهد لهذا الحديث الآتى من مراعاة التخفيف على العجوز والشيخ الكبير ومن التصريح فى بعضها بأن ذلك مثل هلم وتعال
القول فى القراءات السبع
والقائلون بأنها كانت سبعا اختلفوا على أقوال
أحدها أنه من المشكل الذى لا يدرى معناه لأن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا وتسمى القصيدة بأسرها كلمة والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة والحرف أيضا المعنى والجهة قاله أبو جعفر محمد بن سعدان النحوى
والثانى وهو أضعفها أن المراد سبع قراءات وحكى عن الخليل بن أحمد والحرف هاهنا القراءة وقد بين الطبرى فى كتاب البيان وغيره أن أختلاف القراء إنما هو كله حرف واحد من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن وهو الحرف الذى كتب عثمان عليه المصحف
وحكى ابن عبد البر عن بعض المتأخرين من أهل العلم بالقرآن أنه قال تدبرت وجوه الاختلاف فى القرآن فوجدتها سبعة
منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل هن أطهر لكم و أطهر لكم ويضيق صدرى ويضيق صدري
ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته كقوله ربنا باعد بين أسفارنا و ربنا باعد بين أسفارنا
ومنها ما يتغير معناه بالحروف واختلافها ولا تتغير صورته كقوله كيف ننشزها و ننشرها
ومنها ما تتغير صورته ولا يتغير معناه كالعهن المنفوش والصوف المنقوش ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل وطلح منضود و طلع
ومنها بالتقديم والتأخير ك وجاءت سكرة الموت بالحق وسكرة الحق بالموت
ومنها الزيادة والنقصان مثل حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصروقراءة ابن مسعود تسع وتسعون نعجة أنثى وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين وكان كافر قال أبو عمرو وجه حسن من وجوه معنى الحديث وقال بعض المتأخرين هذا هو المختار قال والأئمة على أن مصحف عثمان أحد الحروف السبعة والآخر مثل قراءة ابن مسعود وأبى الدرداء / < والذكر والأنثى > / كما ثبت فى الصحيحين ومثل قراءة ابن مسعود إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وقراءة عمر / < فامضوا إلى ذكر الله > / والكل حق والمصحف المنقول بالتواتر مصحف عثمان ورسم الحروف واحد إلا ما تنوعت فيه المصاحف وهو بضعة عشر حرفا مثل الله الغفور وإن الله هو الغفور
والثالث سبعة أنواع كل نوع منها جزء من أجزاء القرآن بخلاف غيره من أنحائه فبعضها أمر ونهى ووعد ووعيد وقصص وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال وغيره
قال ابن عبد البر وفى ذلك حديث رواه ابن مسعود مرفوعا قال كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على وجه واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه واعتبروا بأمثاله وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا قال وهو حديث عند أهل العلم لا يثبت وهو مجمع على ضعفه
وذكره القاضى أبو بكر بن الطيب وقال هذا التفسير منه صلى الله عليه وسلم للأحرف السبعة ولكن ليست هذه التى أجاز لهم القراءة بها على اختلافها وإنما الحرف فى هذه بمعنى الجهة والطريقة كقوله ومن الناس من يعبد الله على حرف
وقال ابن عبد البر قد رده من أهل النظر منهم أحمد بن أبي عمران قال من أوله بهذا فهو فاسد لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه أو يكون حلالا لا ما سواه لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله أو حرام كله أو أمثال كله حكاه الطحاوى عنه أنه سمعه منه وقال هو كما قاله
وقال ابن عطية هذا القول ضعيف لأن هذه لا تسمى أحرفا وأيضا فالإجماع على
أن التوسعة لم تقع فى تحريم حلال ولا تحليل حرام ولا فى تغيير شىء من المعانى المذكورة
وقال الماوردى هذا القول خطأ لأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف وإبدال حرف بحرف وقد أجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال بآية أحكام
وقال البيهقى فى المدخل وقد روى هذا عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال هذا مرسل جيد وأبو سلمة لم يدرك ابن مسعود ثم ساقه بإسقاط ابن مسعود ثم قال فإن صح هذا فمعنى قوله سبعة أحرف أى سبعة أوجه وليس المراد به ما ورد فى الحديث الآخر من نزول القرآن على سبعة أحرف ولكن المراد به اللغات التى أبيحت القراءة عليها وهذا المراد به الأنواع التى نزل القرآن عليها
والرابع أن المراد سبع لغات لسبع قبائل من العرب وليس معناه أن يكون فى الحرف الواحد سبعة أوجه هذا ما لم يسمع قط أى نزل على سبع لغات متفرقة فى القرآن فبعضه نزل بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة أزد وربيعة وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر وكذلك سائر اللغات ومعانيها فى هذا كله واحدة وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن يحيى ثعلب وحكاه ابن دريد عن أبى حاتم السجستانى وحكاه بعضهم عن القاضى أبى بكر
وقال الأزهرى فى التهذيب إنه المختار واحتج بقول عثمان حين أمرهم بكتب المصاحف وما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه أكثر ما نزل بلسانهم
وقال البيهقى فى شعب الإيمان إنه الصحيح أى أن المراد اللغات السبع التى هى شائعة فى القرآن واحتج بقول ابن مسعود سمعت القراء فوجدتهم متقاربين اقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع فإنما هو كقول أحدهم هلم وتعال وأقبل قال وكذلك قال ابن سيرين قال لكن إنما تجوز قراءته على الحروف التى هى مثبتة فى المصحف الذى هو الإمام بإجماع الصحابة وحملوها عنهم دون غيرها من الحروف وإن كانت جائزة فى اللغة وكأنه يشير إلى أن ذلك كان عند إنزاله ثم استقر الأمر على ما أجمعوا عليه فى الإمامة
وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا القول وقالوا لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش لقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه
قال ابن قتيبة ولا نعرف فى القرآن حرفا واحدا يقرأ على سبعة أوجه وغلطه ابن الأنبارى بحروف منها وعبد الطاغوت وقوله أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وقوله باعد بين أسفارنا وقوله بعذاب بئيس وغير ذلك
وقال ابن عبد البر قد أنكر أهل العلم أن يكون معنى سبعة أحرف سبع لغات لأنه لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض فى أول الأمر لأن ذلك من لغته التى طبع عليها وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشى وقد اختلفت قراءتهما ومحال أن ينكر عليه عمر لغته
ثم اختلف القائلون بهذا فى تعيين السبع فأكثروا وقال بعضهم أصل ذلك وقاعدته قريش ثم بنو سعد بن بكر لأن النبى صلى الله عليه وسلم استرضع فيهم ونشأ وترعرع وهو مخالط فى اللسان كنانة وهذيلا وثقيفا وخزاعة وأسدا وضبة وألفافها لقربهم من مكة وتكرارهم عليها ثم من بعد هذه تميما وقيسا ومن أنضاف إليهم وسكن جزيرة العرب
قال قاسم بن ثابت إن قلنا من الأحرف لقريش ومنها لكنانة ولأسد وهذيل وتميم وضبة وألفافها وقيس لكان قد أتى على قبائل مضر فى قراءات سبع تستوعب اللغات التى نزل بها القرآن وهذه الجملة هى التى انتهت إليها الفصاحة وسلمت لغاتها من الدخل ويسرها الله لذلك ليظهر أنه نبيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه ويثبت سلامتها أنها فى وسط جزيرة العرب فى الحجاز ونجد وتهامة فلم تفرقها الأمم
وقيل هذه اللغات السبع كلها فى مضر واحتجوا بقول عثمان نزل القرآن بلسان مضر قالوا وجائز أن يكون منها لقريش ومنها لكنانة ومنها لأسد ومنها لهذيل ومنها لضبة ولطابخة فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات وتزيد
قال أبو عمر بن عبد البر وأنكر آخرون كون كل لغات مضر فى القرآن لأن
فيها شواذ لا يقرأ بها مثل كشكشة قيس وعنعنة تميم فكشكشة قيس يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون فى جعل ربك تحتك سريا ربش تحتش وعنعنة تميم ويقولون فى أن عن فيقرءون فعسى الله أن يأتي بالفتح وبعضهم يبدل السين تاء فيقول فى الناس النات وهذه لغات يرغب بالقرآن عنها وما نقل عن عثمان معارض بما سبق أنه نزل بلغة قريش وهذا أثبت عنه لأنه من رواية ثقات أهل المدينة
وقد يشكل هذا القول على بعض الناس فيقول هل كان جبريل عليه السلام يلفظ باللفظ الواحد سبع مرات فيقال له إنما يلزم هذا إن قلنا إن السبعة الأحرف تجتمع فى حرف واحد ونحن قلنا كان جبريل يأتى فى كل عرضة بحرف إلى أن تمر سبعة
وقال الكلبى خمسة منها لهوازن وثنتان لسائر الناس
والخامس المراد سبعة أوجه من المعانى المتفقة بالألفاظ المختلفة نحو أقبل وهلم وتعال وعجل وأسرع وأنظر وأخر وأمهل ونحوه وكاللغات التى فى أف ونحو ذلك
قال ابن عبد البر وعلى هذا القول أكثر أهل العلم وأنكروا على من قال إنها لغات لأن العرب لا تركب لغة بعضها بعضا ومحال أن يقرىء النبى صلى الله عليه وسلم أحدا بغير لغته وأسند عن أبى بن كعب أنه كان يقرأ كلما أضاء لهم مشوا فيه سعوا فيه قال فهذا معنى السبعة الأحرف المذكورة فى الأحاديث عند جمهور أهل الفقه والحديث منهم سفيان بن عيينة وابن وهب ومحمد بن جرير الطبرى والطحاوى وغيرهم وفى مصحف عثمان الذى بأيدى الناس منها حرف واحد
وقال الزهرى إنما هذه الأحرف فى الأمر الواحد وليست تختلف فى حلال ولا حرام
واحتج ابن عبد البر بحديث سلمان بن صرد عن أبى بن كعب قال قرأ أبى آية وقرأ ابن مسعود آية خلافها وقرأ رجل آخر خلافهما فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فقلت ألم تقرأ آية كذا وقال ابن مسعود ألم تقرأ آية كذا فقال كلكم محسن مجمل وقال يا أبى إنى أقرئت القرآن فقلت على حرف أو حرفين فقال لى الملك على حرفين فقلت على حرفين أو ثلاثة فقال على ثلاثة هكذا حتى بلغ سبعة أحرف ليس فيها إلا شاف قلت غفورا رحيما أو قلت سميعا حكيما أو قلت عليما حكيما أو قلت عزيزا حكيما أى ذلك قلت فإنه كذلك
قال أبو عمر إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التى نزل القرآن عليها أنها معان متفق مفهومها مختلف مسموعها لا يكون فى شىء منها معنى وضده ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده كالرحمة التى هى خلاف العذاب وضده
وكذلك حديث ابى بكرة قال جاء جبريل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ على حرف فقال ميكائيل استزده فقال على حرفين فقال ميكائيل استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف فقال اقرأه فكل شاف كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب وآية عذاب بآية رحمة نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل
وروى ذلك عن ابن مسعود وأبى بن كعب أنه كان يقرأ للذين آمنوا انظرونا أمهلونا أخرونا ارقبونا و كلما أضاء لهم مشوا فيه مروا فيه سعوا فيه
قال أبو عمر إلا أن مصحف عثمان الذى بأيدى الناس اليوم هو فيها حرف واحد وعلى هذا أهل العلم
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر