الجزء ١ — ص ٢٠٢–٢١١
قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبى طالب فأسلموا ولهم قصة
سورة الزمر مكية غير قوله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية
الحواميم كلها مكيات غير آية فى الأحقاف نزلت فى عبد الله بن سلام قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به
الآيات المكية فى السور المدنية
منها قوله تعالى فى الأنفال وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الآية يعنى أهل مكة حتى يخرجك من بين أظهرهم استقرت به الرواية
سورة التوبة مدنية غير آيتين لقد جاءكم الخ السورة سورة الرعد مدنية غير قوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال إلى قوله جميعا سورة الحج مدنية وفيها أربع آيات مكيات قوله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى
إلى قوله عقيم وله قصة
سورة أرأيت مكية إلا قوله فويل للمصلين إلى آخرها فإنها مدنية كذا قال مقاتل بن سليمان
ما حمل من مكة إلى المدينة
اول سورة حملت من مكة إلى المدينة سورة يوسف انطلق بها عوف بن عفراء فى الثمانية الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وهم أول من أسلم من الأنصار قرأها على أهل المدينة فى بنى زريق فأسلم يومئذ بيوت من الأنصار روى ذلك يزيد بن رومان عن عطاء عن ابن يسار عن ابن عباس ثم حمل بعدها قل هو الله أحد إلى آخرها ثم حمل بعدها الآية التى فى الأعراف قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا إلى قوله تهتدون فأسلم عليها طوائف من أهل المدينة وله قصة
ما حمل من المدينة إلى مكة
من ذلك الأنفال التى فى البقرة يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية وذلك حين أورد عبد الله بن جحش كتاب مسلمى مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المشركين عيرونا قتل ابن الحضرمى وأخذ الأموال والأسارى فى الشهر
الحرام فكتب بذلك عبد الله بن جحش إلى مسلمى مكة إن عيروكم فعيروهم بما صنعوا بكم
ثم حملت آية الربا من المدينة إلى مكة فى حضور ثقيف وبنى المغيرة إلى عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فقرأ عتاب عليهم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا فأقروا بتحريمه وتابوا وأخذوا رءوس الأموال ثم حملت مع الآيات من أول سورة براءة من المدينة إلى مكة قرأهن على بن أبى طالب رضى الله عنه يوم النحر على الناس وفى ترتيبها قصة
ثم حملت من الدينة إلى مكة الآية التى فى النساء إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان إلى قوله عفوا غفورا فلا تعاقبهم على تخلفهم عن الهجرة فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بها إلى مسلمى مكة قال جندع بن ضمرة الليثى ثم الجندعى لبنيه وكان شيخا كبيرا ألست من المستضعفين وأنى لا أهتدى إلى الطريق فحمله بنوه على سريره متوجها إلى المدينة فمات بالتنعيم فبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موته فقالوا لو لحق بنا لكان أكمل لأجره فأنزل الله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله إلى قوله غفورا رحيما
ما حمل من المدينة إلى الحبشة
هى ست آيات بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جعفر بن أبى طالب فى خصومة الرهبان والقسيسين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم فقرأها جعفر بن أبى طالب عليهم عند النجاشى فلما بلغ قوله ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا قال النجاشى صدقوا ما كانت اليهودية والنصرانية إلا من بعده ثم قرأ جعفر إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية قال النجاشى اللهم إنى ولى لأولياء إبراهيم وقال صدقوا والمسيح ثم أسلم النجاشى وأسلموا
النوع العاشر
معرفة أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل
فأما أوله ففى صحيح البخارى فى حديث بدء الوحى ما يقتضى أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم اقرأ باسم ربك ثم المدثر
وأخرجه الحاكم فى مستدركه من حديث عائشة رضى الله عنها صريحا وقال صحيح الإسناد
ولفظ مسلم أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك إلى قوله علم الإنسان ما لم يعلم
ووقع فى صحيح البخارى إلى قوله وربك الأكرم وهو مختصر وفى الأول زيادة وهى من الثقة مقبولة
وقد جاء ما يعارض هذا ففى صحيح مسلم عن جابر أول ما نزل من القرآن سورة المدثر
وجمع بعضهم بينهما بأن جابرا سمع النبى صلى الله عليه وسلم يذكر قصة بدء الوحى فسمع آخرها ولم يسمع أولها فتوهم أنها أول ما نزلت وليس كذلك نعم هى أول ما نزل بعد سورة اقرأ وفترة الوحى
لما ثبت فى الصحيحين أيضا عن جابر
رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث عن فترة الوحى قال فى حديثه بينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسى فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض فجثثت منه فرقا فرجعت فقلت زملونى زملونى فأنزل الله تبارك وتعالى يا أيها المدثر قم فأنذر
فقد أخبر فى هذا الحديث عن الملك الذى جاءه بحراء قبل هذه المرة وأخبر فى حديث عائشة أن نزول اقرأ كان فى غار حراء وهو أول وحى ثم فتر بعد ذلك وأخبر فى حديث جابر أن الوحى تتابع بعد نزول يا أيها المدثر فعلم بذلك أن اقرأ أول ما نزل مطلقا وأن سورة المدثر بعده وكذلك قال ابن حيان فى صحيحه لا تضاد بين الحديثين بل أول ما نزل اقرأ باسم ربك الذي خلق بغار حراء فلما رجع إلى خديجة رضى الله عنها وصبت عليه الماء البارد أنزل الله عليه فى بيت خديجة يا أيها المدثر فظهر أنه لما نزل عليه اقرأ رجع فتدثر فأنزل عليه يا أيها المدثر
وقيل أول ما نزل سورة الفاتحة روى ذلك من طريق أبى إسحاق عن أبى ميسرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصوت انطلق هاربا وذكر نزول الملك عليه وقوله قل الحمد لله رب العالمين إلى آخرها
وقال القاضى أبو بكر فى الانتصار وهذا الخبر منقطع وأثبت الأقاويل اقرأ باسم ربك ويليه فى القوة يا أيها المدثر وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات اقرأ باسم ربك وأول ما نزل من أوامر التبليغ يا أيها المدثر وأول ما نزل
من السور سورة الفاتحة
وهذا كما ورد فى الحديث أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى فيه الدماء وجمع بينهما بأن أول ما يحكم فيه من المظالم التى بين العباد الدماء وأول ما يحاسب به العبد من الفرائض البدنية الصلاة
وقيل أول ما نزل للرسالة يا أيها المدثر وللنبوة اقرأ باسم ربك فإن العلماء قالوا قوله تعالى اقرأ باسم ربك دال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن النبوة عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص وقوله تعالى يا أيها المدثر قم فأنذر دليل على رسالته صلى الله عليه وسلم لأنها عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام
وذكر القاضى فى الانتصار رواية ثم نزل بعد سورة اقرأ ثلاث آيات من أول نوح وثلاث آيات من أول المدثر
وعن مجاهد قال أول سورة أنزلت اقرأ ثم نوح
وذكر الحاكم فى الإكليل أن أول آية أنزلت فى الإذن بالقتال قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
وروى فى المستدرك عن ابن عباس أول آية أنزلت فيه أذن للذين يقاتلون الآية
وأما آخره فاختلفوا فيه فعن ابن عباس رضى الله عنهما إذا جاء نصر الله وعن عائشة سورة المائدة وقيل واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله
وقال السدى آخر ما نزل فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وفى صحيح البخارى فى تفسير سورة براءة عن البراء بن عازب رضى الله عنهما آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة
وفى رواية غيره آخر سورة أنزلت كاملة سورة براءة وآخر آية نزلت خاتمة النساء وذكر ابن الأنبارى عن أبى إسحاق عن البراء قال آخر آية نزلت من القرآن يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ثم قال وأخطأ أبو إسحاق ثم ساق سنده من طرق إلى ابن عباس آخر آية أنزلت واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وكان بين نزولها ووفاة النبى صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوما وقيل تسع ليال انتهى
وفى مستدرك الحاكم عن شعبة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن أبى بن كعب رضى الله عنه أنه قال آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم ثم قرأها إلى آخر السورة ورواه أحمد فى المسند عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن ابى بن كعب رضى الله عنه قال آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم ثم قرأ إلى وهو رب العرش العظيم قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالذى
لا إله إلا هو وهو قول الله تبارك وتعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون
وقال بعضهم روى البخارى آخر ما نزل آية الربا
وروى مسلم آخر سورة نزلت جميعا إذا جاء نصر الله
قال القاضى أبو بكر فى الانتصار وهذه الأقوال ليس فى شىء منها ما رفع إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وتغليب الظن وليس العلم بذلك من فرائض الدين حتى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط
ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اليوم الذى مات فيه أو قبل مرضه بقليل وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو لمفارقته له ونزول الوحى عليه بقرآن بعده
ويحتمل أيضا أن تنزل الآية التى آخر آية تلاها الرسول صلى الله عليه وسلم مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل وتلاوتها عليهم بعد رسم ما نزل آخرا وتلاوته فيظن سامع ذلك أنه آخر ما نزل فى الترتيب
النوع الحادى عشر
معرفة على كم لغة نزل
ثبت فى الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقرأنى جبريل على حرف فراجعته ثم لم أزل أستزيده فيزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف زاد مسلم قال ابن شهاب بلغنى أن تلك السبعة إنما هى فى الأمر الذى يكون واحدا لا يختلف فى حلال ولا حرام
واخرجا أيضا من حديث عمر بن الخطاب قال سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وفى رواية على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله اقرأ فقرأ القراءة التى سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت ثم قال لى اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه
وأخرج مسلم نحوه عن أبى بن كعب وفيه فقال النبى صلى الله عليه وسلم فإنى أرسل إلى أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتى فرد إلى الثانية
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر