علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ٢٠ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ١٩٢–٢٠١

هذا هو الأول المكى وهذا هو الآخر المدنى وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعى على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم بمعرفته وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف فى بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى وأن يعلموا فى القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكى والمدنى ولم يجب على من دخل فى الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه مكية أو مدنية فيجوز أن يقف فى ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته فى الناس ولزوم العلم به لهم ووجوب ارتفاع الخلاف فيه

فصل

قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابورى فى كتاب التنبيه على فضل علوم القرآن من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك ثم ما نزل بمكة وحكمه مدنى وما نزل بالمدينة وحكمه مكى وما نزل بمكة فى أهل المدينة وما نزل بالمدينة فى أهل مكة ثم ما يشبه نزول المكى فى المدنى وما يشبه نزل المدنى فى المكى ثم ما نزل بالجحفة وما نزل ببيت المقدس وما نزل بالطائف وما نزل بالحديبية ثم ما نزل ليلا وما نزل نهارا وما نزل مشيعا وما نزل مفردا ثم الآيات المدنيات فى السور المكية والآيات المكية فى السور المدنية ثم ما حمل من مكة إلى المدينة وما حمل من المدينة إلى مكة وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة ثم ما نزل مجملا وما نزل مفسرا وما نزل مرموزا ثم ما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدنى هذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم فى كتاب الله تعالى

ذكر ما نزل من القرآن بمكة ثم ترتيبه

أول ما نزل من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك ثم ن والقلم ثم يا أيها المزمل ثم يا أيها المدثر ثم تبت يدا أبي لهب ثم إذا الشمس كورت ثم سبح اسم ربك الأعلى ثم والليل إذا يغشى ثم والفجر ثم والضحى ثم ألم نشرح ثم العشر ثم والعاديات ثم إنا أعطيناك الكوثر ثم ألهاكم التكاثر ثم أرأيت الذي ثم قل يا أيها الكافرون ثم سورة الفيل ثم الفلق ثم الناس ثم قل هو الله أحد ثم والنجم إذا هوى ثم عبس وتولى ثم إنا أنزلناه ثم والشمس وضحاها ثم والسماء ذات البروج ثم والتين والزيتون ثم لإيلاف قريش ثم القارعة ثم لا أقسم بيوم القيامة ثم الهمزة ثم المرسلات ثم ق والقرآن ثم لا أقسم بهذا البلد ثم الطارق ثم اقتربت الساعة ثم ص والقرآن ثم الأعراف ثم الجن ثم يس ثم الفرقان ثم الملائكة ثم مريم ثم طه ثم الواقعة ثم الشعراء ثم النمل ثم القصص ثم بنى إسرائيل ثم يونس ثم هود ثم يوسف ثم الحجر ثم الأنعام ثم الصافات ثم لقمان ثم سبأ ثم الزمر ثم حم المؤمن ثم حم السجدة ثم حم عسق ثم حم الزخرف ثم حم الدخان ثم حم الجاثية ثم حم الأحقاف ثم والذاريات ثم الغاشية ثم الكهف ثم النحل ثم نوح ثم إبراهيم ثم الأنبياء ثم المؤمنون ثم الم تنزيل ثم والطور ثم الملك ثم الحاقة ثم سأل سائل ثم عم يتساءلون ثم النازعات ثم إذا السماء انفطرت ثم إذا السماء انشقت ثم الروم

واختلفوا فى آخر ما نزل بمكة فقال ابن عباس العنكبوت وقال الضحاك وعطاء المؤمنون وقال مجاهد ويل للمطففين فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة وعليه استقرت الرواية من الثقات وهى خمس وثمانون سورة

ذكر ترتيب ما نزل بالمدينة

وهو تسع وعشرون سورة

فأول ما نزل فيها سورة البقرة ثم الأنفال ثم آل عمران ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم محمد ثم الرعد ثم الرحمن ثم هل أتى ثم الطلاق ثم لم يكن ثم الحشر ثم إذا جاء نصر الله ثم النور ثم الحج ثم المنافقون ثم المجادلة ثم الحجرات ثم يا أيها النبي لم تحرم ثم الصف ثم الجمعة ثم التغابن ثم الفتح ثم التوبة ثم المائدة

ومنهم من يقدم المائدة على التوبة

وقرأ النبى صلى الله عليه وسلم المائدة فى خطبة حجة الوداع وقال يأيها الناس إن آخر القرآن نزولا سورة المائدة فأحلوا حلالها وحرموا حرامها

فهذا ترتيب ما نزل بالمدينة وأما ما اختلفوا فيه ففاتحة الكتاب قال ابن عباس والضحاك ومقاتل وعطاء إنها مكية وقال مجاهد مدنية واختلفوا فى ويل للمطففين فقال ابن عباس مدنية وقال عطاء هى آخر ما نزل بمكة فجميع ما نزل بمكة خمس وثمانون سورة وجميع ما نزل بالمدينة تسع وعشرون على اختلاف الروايات

& ذكر ما نزل بمكة وحكمه مدنى

منها قوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل الآية ولها قصة يطول بذكرها الكتاب ونزولها بمكة يوم فتحها وهى مدنية لأنها نزلت بعد الهجرة

ومنها قوله فى المائدة اليوم أكملت لكم دينكم إلى قوله الخاسرين نزلت يوم الجمعة والناس وقوف بعرفات فبركت ناقة النبى صلى الله عليه وسلم من هيبة القرآن وهى مدنية لنزولها بعد الهجرة وهى عدة آيات يطول ذكرها

ذكر ما نزل بالمدينة وحكمه مكى

منه الممتحنة إلى آخرها وهى قصة حاطب بن أبى بلتعة وسارة والكتاب الذى دفعة إليها وقصتها مشهورة فخاطب بها أهل مكة

ومنها قوله تعالى فى سورة النحل والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا إلى آخر السورة مدنيات يخاطب بها أهل مكة

ومنها سورة الرعد يخاطب أهل مكة وهى مدنية

ومن أول براءة إلى قوله إنما المشركون نجس خطاب لمشركى مكة وهى مدنية

فهذا من جملة ما نزل بمكة فى أهل المدينة وحكمه مدنى وما أنزل فى أهل مكة وحكمه مكى

ما يشبه تنزيل المدينة فى السور المكية

من ذلك قوله تعالى فى النجم الذين يجتنبون كبائر الإثم يعنى كل ذنب عاقبته النار والفواحش يعنى كل ذنب فيه حد إلا اللمم وهو بين الحدين من الذنوب نزلت فى نبهان والمرأة التى راودها عن نفسها فأبت والقصة مشهورة واستقرت الرواية بما قلنا والدليل على صحته أنه لم يكن بمكة حد ولا غزو

ومنها قوله تعالى فى هود وأقم الصلاة طرفي النهار الآية نزلت فى أبى مقبل الحسين بن عمر بن قيس والمرأة التى اشترت منه التمر فراودها

ما يشبه تنزيل مكة فى السور المدنية

من ذلك قوله تعالى فى الأنبياء لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا نزلت فى نصارى نجران ومنهم السيد والعاقب

ومنها سورة والعاديات ضبحا فى رواية الحسين بن واقد وقصتها مشهورة ومنها قوله تعالى فى الأنفال وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق الآية

ما نزل بالجحفة

قوله عز وجل فى سورة القصص إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد نزلت بالجحفة والنبى صلى الله عليه وسلم مهاجر

ما نزل ببيت المقدس

قوله تعالى فى الزخرف واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون نزلت عليه ليلة أسرى به

ما نزل بالطائف

قوله تعالى فى الفرقان ألم تر إلى ربك كيف مد الظل الآية ولذلك قصة عجيبة

وقوله فى إذا السماء انشقت بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم يعنى كفار مكة

ما نزل بالحديبية

قوله تعالى فى الرعد وهم يكفرون بالرحمن نزلت بالحديبية حين صالح النبى صلى الله عليه وسلم أهل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى اكتب

بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو ما نعرف الرحمن الرحيم ولو نعلم أنك رسول الله لتابعناك فأنزل الله تعالى وهم يكفرون بالرحمن إلى قوله متاب

ما نزل ليلا

قوله تعالى فى أول سورة الحج يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم نزلت ليلا فى غزوة بن المصطلق وهم حى من خزاعة والناس يسيرون

وقوله تعالى فى المائدة والله يعصمك من الناس نزلت فى بعض غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحرس كل ليلة

قال عبد الله بن عامر بن ربيعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحرسنا الليلة فأتاه حذيفة وسعد فى آخرين معهم الحجف والسيوف وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خيمة من أدم فباتوا على باب الخيمة فلما أن كان بعد هزيع من الليل أنزل الله عليه الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الخيمة فقال يأيها الناس انصرفوا فقد عصمنى الله

ومنها قوله إنك لا تهدي من أحببت الآية قالت عائشة رضى الله عنها نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه فى اللحاف ونزل عليه أكثر القرآن نهارا

$ ما نزل مشيعا

سورة الأنعام نزلت مرة واحدة شيعها سبعون ألف ملك طبقوا ما بين السموات والأرض لهم زجل بالتسبيح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله وخر ساجدا

قلت ذكر أبو عمرو بن الصلاح فى فتاويه أن الخبر المذكور جاء من حديث أبى ابن كعب عن النبى صلى الله عليه وسلم وفى إسناده ضعف ولم نر له إسنادا صحيحا وقد روى ما يخالفه فروى أنها لم ينزل جملة واحدة بل نزل منها آيات بالمدينة اختلفوا فى عددها فقيل ثلاث هى قوله تعالى قل تعالوا الخ الآيات وقيل ست وقيل غير ذلك وسائرها نزل بمكة

وفاتحة الكتاب نزلت ومعها ثمانون ألف ملك

وآية الكرسى نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك

وسورة يونس نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك

واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا نزلت ومعها عشرون ألف ملك وسائر القرآن نزل به جبريل بلا تشييع

الآيات المدنيات فى السور المكية

منها سورة الأنعام وهى كلها مكية خلا ست آيات واستقرت بذلك الروايات وما قدروا الله حق قدره نزلت هذه فى مالك بن الصيف إلى آخر الآية والثانية والثالثة

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا نزلت فى عبد الله بن أبى سرح أخى عثمان من الرضاعة حين قال سأنزل مثل ما أنزل الله وذلك أنه كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله جل ذكره ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فأملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ قوله ثم أنشأناه خلقا آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب فتبارك الله الخ الآية فقال إن كنت نبيا فأنا نبى لأنه خطر ببالى ما أمليت على فلحق كافرا

وأما قوله أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فإنه نزل فى مسيلمة الكذاب حين زعم أن الله سبحانه أوحى إليه وثلاث آيات من آخرها قل تعالوا إلى قوله تتقون

سورة الأعراف مكية إلا ثلاث آيات واسألهم عن القرية التي كانت إلى قوله وإذ نتقنا الجبل

سورة إبراهيم مكية غير آيتين نزلتا فى قتلى بدر ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا الخ الآيتين

سورة النحل مكية إلى قوله والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا والباقى مدنى

سورة بنى إسرائيل مكية غير قوله وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك يعنى ثقيفا وله قصة

سورة الكهف مكية غير قوله واصبر نفسك نزلت فى سلمان الفارسى وله قصة

سورة القصص مكية غير آية الذين آتيناهم الكتاب يعنى الإنجيل من قبله هم به يؤمنون يعنى الفرقان نزلت فى أربعين رجلا من مؤمنى أهل الكتاب

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر