الجزء ١ — ص ١٨٢–١٩١
النوع الثامن
فى خواتم السور $
وهى مثل الفواتح فى الحسن لأنها آخر ما يقرع الأسماع فلهذا جاءت متضمنة للمعانى البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام حتى يرتفع معه تشوف النفس إلى ما يذكر بعد
ومن أوضحه خاتمة سورة إبراهيم هذا بلاغ للناس وخاتمة سورة الأحقاف بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ولأنها بين أدعية ووصايا وفرائض ومواعظ وتحميد وتهليل ووعد ووعيد إلى غير ذلك كتفصيل جملة المطلوب فى خاتمة فاتحة الكتاب إذ المطلوب الأعلى الإيمان المحفوظ من المعاصى المسببة لغضب الله والضلال ففصل جملة ذلك بقوله الذين أنعمت عليهم والمراد المؤمنين ولذلك أطلق الإنعام ولم يقيده ليتناول كل إنعام لأن من أنعم عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم عليه بكل نعمة لأن نعمة الإيمان مستتبعة لجميع النعم ثم وصفهم بقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يعنى أنهم جمعوا بين النعم المطلقة وهى نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال المسببين عن معاصيه وتعدى حدوده
وكالدعاء الذى اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة
وكالوصايا التى ختمت بها سورة آل عمران بالصبر على تكاليف الدين والمصابرة لأعداء الله فى الجهاد ومعاقبتهم والصبر على شدائد الحرب والمرابطة فى الغزو المحضوض عليها بقوله ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم والتقوى الموعود عليها بالتوفيق فى المضايق وسهولة الرزق فى قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وبالفلاح لأن لعل من الله واجبة
وكالوصايا والفرائض التى ختمت بها سورة النساء وحسن الختم بها لأنها آخر ما نزل من الأحكام عام حجة الوداع
وكالتبجيل والتعظيم الذى ختمت به المائدة لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ولإرادة المبالغة فى التعظيم أختيرت ما على من لإفادة العموم فيتناول الأجناس كلها
وكالوعد والوعيد الذى ختمت به سورة الأنعام بقوله إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ولذلك أورد على وجه المبالغة فى وصف العقاب بالسرعة وتوكيد الرحمة بالكلام المفيد لتحقيق الوقوع
وكالتحريض على العبادة بوصف حال الملائكة الذى ختمت به سورة الأعراف والحض على الجهاد وصلة الأرحام الذى ختم به الأنفال
ووصف الرسول ومدحه والاعتداد على الأمم به وتسليمه ووصيته والتهليل الذى ختمت به براءة
وتسليته عليه الصلاة والسلام الذى ختم بها سورة يونس ومثلها خاتمة هود ووصف القرآن ومدحه الذى ختم به سورة يوسف
والرد على من كذب الرسول الذى ختم به الرعد
ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة فى أنه إله واحد الذى ختمت به إبراهيم ووصيته الرسول التى ختم بها الحجر
وتسلية الرسول بطمأنينته ووعد الله سبحانه الذى ختمت به النحل والتحميد الذى ختمت به سبحان
وتحضيض الرسول على البلاغ والإقرار بالتنزيه والأمر بالتوحيد الذى ختمت به الكهف
وقد أتينا على نصف القرآن ليكون مثالا لمن نظر فى بقيته
فصل &
فى مناسبة فواتح السور وخواتمها $
ومن أسراره مناسبة فواتح السور وخواتمها وتأمل سورة القصص وبداءتها بقصة مبدأ أمر موسى ونصرته وقوله فلن أكون ظهيرا للمجرمين وخروجه من وطنه ونصرته وإسعافه بالمكالمة وختمها بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بألا يكون ظهيرا
للكافرين وتسليته بخروجه من مكة والوعد بعوده إليها بقوله إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد
قال الزمخشرى وقد جعل الله فاتحة سورة المؤمنين قد أفلح المؤمنون وأورد فى خاتمتها إنه لا يفلح الكافرون فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة
فصل
فى مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التى قبلها
ومن أسراره مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التى قبلها حتى إن منها ما يظهر تعلقها به لفظا كما قيل فى فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش
وفى الكواشى لما ختم سورة النساء أمرا بالتوحيد والعدل بين العباد أكد ذلك بقوله فى أول سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود
النوع التاسع
معرفة المكى والمدنى
$ ومانزل بمكة والمدينة وترتيب ذلك
ومن فوائده معرفة الناسخ والمنسوخ والمكى أكثر من المدنى
اعلم أن للناس فى ذلك ثلاثة اصطلاحات
أحدها أن المكى ما نزل بمكة والمدنى ما نزل بالمدينة
والثانى وهو المشهور أن المكى ما نزل قبل الهجرة وإن كان بالمدينة والمدنى ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة
والثالث أن المكى ما وقع خطابا لأهل مكة والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة وعليه يحمل قول ابن مسعود الآتى لأن الغالب على أهل مكة الكفر فخوطبوا يأيها الناس وإن كان غيرهم داخلا فيها وكان الغالب على أهل المدينة الإيمان فخوطبوا يأيها الذين آمنواا وإن كان غيرهم داخلا فيهم
وذكر الماوردى أن البقرة مدنية فى قول الجميع إلا آية وهى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنها نزلت يوم النحر فى حجة الوداع بمنى انتهى
ونزولها هناك لا يخرجها عن المدنى بالاصطلاح الثانى أن ما نزل بعد الهجرة مدنى سواء كان بالمدينة أو بغيرها
وقال الماوردى فى سورة النساء هى مدنية إلا آية واحدة نزلت فى مكة فى عثمان ابن طلحة حين أراد النبى صلى الله عليه وسلم أن ياخذ منه مفاتيح الكعبة ويسلمها إلى العباس فنزلت إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها والكلام فيه كما تقدم
ومن جملة علاماته أن كل سورة فيها يا أيها الناس فيها يا أيها الذين آمنوا فهى مكية وفى الحج اختلاف وكل سورة فيها كلا فهى مكية وكل سورة فيها حروف المعجم فهى مكية إلا البقرة وآل عمران وفى الرعد خلاف وكل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهى مكية سوى البقرة وكل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية سوى العنكبوت
وقال هشام عن أبيه كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهى مدنية وكل ما كان فيه ذكر القرون الماضية فهى مكية
وذكر أبو عمرو عثمان بن سعيد الدارمى بإسناده إلى يحيى بن سلام قال ما نزل بمكة وما نزل فى طريق المدينة قبل أن يبلغ النبى صلى الله عليه وسلم المدينة فهو من المكى
وما نزل على النبى صلى الله عليه وسلم فى أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدنى وما كان من القرآن يا أيها الذين آمنوا فهو مدنى وما كان يا أيها الناس فهو مكى
وذكر أيضا بإسناده إلى عروة بن الزبير قال ما كان من حد أو فريضة فإنه أنزل بالمدينة وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه أنزل بمكة
وقال الجعبرى لمعرفة المكى والمدنى طريقان سماعى وقياسى فالسماعى ما وصل إلينا نزوله بأحدهما والقياسى قال علقمة عن عبد الله كل سورة فيها يأيها الناس فقط أو كلا أو أولها حروف تهج سوى الزهراوين والرعد فى وجه أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى فهى مكية وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية وكل سورة فيها فريضة أو حد فهى مدنية انتهى
وذكر ابن أبى شيبة فى مصنفة فى كتاب فضائل القرآن حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال كل شىء نزل فيه يا أيها الناس فهو بمكة وكل شىء نزل فيه يا أيها الذين آمنوا فهو بالمدينة وهذا مرسل قد أسند عن عبد الله بن مسعود
ورواه الحاكم فى مستدركه فى آخر كتاب الهجرة عن يحيى بن معين قال حدثنا وكيع عن أبيه عن الأعمش وعن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود به
ورواه البيهقى فى أواخر دلائل النبوة وكذا رواه البزار فى مسنده ثم قال وهذا يرويه غير قيس عن علقمة مرسلا ولا نعلم أحدا أسنده إلا قيس انتهى
ورواه ابن مردويه فى تفسيره فى سورة الحج عن علقمة عن أبيه وذكر فى آخر الكتاب عن عروة بن الزبير نحوه وقد نص على هذا القول جماعة من الأئمة منهم أحمد بن حنبل وغيره وبه قال كثير من المفسرين ونقله عن ابن عباس
وهذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر فإن سورة البقرة مدنية وفيها يا أيها الناس اعبدوا ربكم وفيها يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا وسورة النساء مدنية وفيها يا أيها الناس اتقوا ربكم وفيها إن يشأ يذهبكم أيها الناس وسورة الحج مكية وفيها يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا فإن أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح ولذا قال مكى هذا
إنما هو فى الأكثر وليس بعام وفى كثير من السور المكية يا أيها الذين آمنوا انتهى
والأقرب تنزيل قول من قال مكى ومدنى على أنه خطاب المقصود به أو جل المقصود به أهل مكة يا أيها الذين آمنوا كذلك بالنسبة إلى أهل المدينة
وفى تفسير الرازى عن علقمة والحسن أن ما فى القرآن يا أيها الناس مكى وما كان يا أيها الذين آمنوا فبالمدينة وأن القاضى قال إن كان الرجوع فى هذا إلى النقل فمسلم وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم واسمهم وجنسهم ويؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها والازدياد منها انتهى
فصل
ويقع السؤال أنه هل نص النبى صلى الله عليه وسلم على بيان ذلك قال القاضى أبو بكر فى الانتصار إنما هذا يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم كما أنه لا بد فى العادة من معرفة معظمى العالم والخطيب وأهل الحرص على حفظ كلامه ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا وحال القرآن فى ذلك أمثل والحرص عليه أشد غير أنه لم يكن من النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا وفصله لهم ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر وإنما لم يفعله أنه لم يؤمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب فى بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ ليعرف الحكم الذى تضمنهما فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول بعينه وقوله
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر