الجزء ٤ — ص ٤٢٢–٤٣١
وما تسقط من ورقة إلا يعلمها 1
ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت 2
وثانيهما لتوكيد العموم وهي الداخلة على الصيغة المستعملة في العموم نحو ما جاءني من أحد أو من ديار لأنك لو اسقطت من لبقي العموم على حاله لأن أحدا لا يستعمل إلا للعموم في النفي
وما ذكرناه من تغاير المعنيين خلاف ما نص عليه سيبويه من تساويهما
قال الصفار وهو الصحيح عندي وانها مؤكدة في الموضعين فإنها لم تدخل على جاءني رجل إلا و هو يراد به ما جاءني أحد لأنه قد ثبت فيها تأكيد الاستغراق مع أحد ولم يثبت لها الاستغراق فيحمل هذا عليه فلهذا كان مذهب سيبويه أولى
قال واشار إلى إن المؤكدة ترجع لمعنى التبعيض فإذا قلت ما جاءني من رجل فكانه قال ما أتاني بعض هذا الجنس ولا كله وكذا ما أتاني من أحد اي بعض من الأحدين انتهى
وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير نص سيبويه على أنها نص في العموم قال فإذا قلت ما أتاني رجل فإنه يحتمل ثلاثة معان
أحدها أن تريد ما اتاك من رجل في قوته ونفاذه بل أتاك الضعفاء
أحدها أن تريد انه ما أتاك رجل واحد بل أكثر من واحد
والثالث إن تريد ما أتاك رجل واحد ولا أكثر من ذلك
فإن قلت ما أتاني من رجل كان نفيا لذلك كله قال هذا معنى كلامه
والحاصل إن من في سياق النفي تعم وتستغرق
ويلتحق بالنفي الاستفهام كقوله تعالى هل ترى من فطور 1
وجوز الأخفش زيادتها في الاثبات كقوله يغفر لكم من ذنوبكم 2 والمراد الجميع بدليل إن الله يغفر الذنوب جميعا 3 فوجب حمل الأول على الزيادة دفعا للتعارض
وقد نوزع في ذلك بانه إنما يقع التعارض لو كانتا في حق قبيل واحد وليس كذلك فإن الآية التى فيها من قوم نوح والآخرى لهذه الأمة
فإن قيل فإذا غفر للبعض كان البعض الآخر معاقبا عليه فلا يحصل كمال الترغيب في الإيمان إلا بغفران الجميع
وأيضا فكيف يحسن التبعيض فيها مع إن الإسلام يجب ما قبله فيصح قول الأخفش فالجواب من وجوه
أحدها إن المراد بغفران بعض الذنوب في الدنيا لأن إغراق قوم نوح عذاب لهم وذلك إنما كان في الدنيا مضافا إلى عذاب الآخرة فلو آمنوا لغفر لهم من الذنوب ما استحقوا به الإغراق في الدنيا وأما غفران الذنب بالإيمان في الآخرة فمعلوم
والثاني إن الكافر إذا آمن فقد بقي عليه ذنوب وهي مظالم العباد فثبت التبعيض بالنسبة للكافر
الثالث إن قوله ذنوبكم يشمل الماضية والمستقبلة فإن الإضافة تفيد
العموم فقيل من لتفيد إن المغفور الماضي وعدم إطماعهم في غفران المستقبل بمجرد الإسلام حتى يجتنبوا المنيهات
وقيل إنها لابتداء الغاية وهو حسن لقوله يغفر لهم ما قد سلف 1 وسيبويه يقدر في نحو ذلك مفعولا محذوفا اي يغفر لكم بعضا من ذنوبكم محافظة على معنى التبعيض
وقيل بل الحذف للتفخيم والتقدير يغفر لكم من ذنوبكم ما لو كشف لكم عن كنهه لاستعظمتم ذلك والشىء إذا أرادوا تفخيمه ابهموه كقوله فغشيهم من اليم ما غشيهم 2 أي أمر عظيم وقال الصفار من للتبعيض على بابها وذلك إن غفر تتعدى لمفعولين أحدهما باللام فالأخفش يجعل المفعول المصرح الذنوب وهو المفعول الثاني فتكون من زائدة ونحن نجعل المفعول محذوفا وقامت من ذنوبكم مقامه اي جملة من ذنوبكم وذلك إن المغفور لهم بالإسلام ما اكتسبوه في حال الكفر لا حال الإسلام والذي اكتسبوه في حال الكفر بعض ذنوبهم لا جميعها
واما قوله في آية الصدقة ويكفر عنكم من سيئاتكم فللتبعيض لأن أخذ الصدقة لا يمحو كل السيئات
ومما احتج به الأخفش أيضا قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم 3 أي ابصارهم وقوله ولهم فيها من كل الثمرات 4 اي كل الثمرات
وقوله ولقد جاءك من نبإ المرسلين 5
وهذا ضعيف أيضا بل هي في الأول للتبعيض لإن النظر قد يكون عن تعمد وغير تعمد والنهي إنما يقع على نظر العمد فقط ولهذا عطف عليه قوله ويحفظوا فروجهم 1 من غير إعادة من لأن حفظ الفروج واجب مطلقا ولأنه يمكن التحرز منه ولا يمكن في النظر لجواز وقوعه اتفاقا وقد يباح للخطبة وللتعليم ونحوهما
وأما الثانية فإن الله وعد أهل الجنة إن يكون لهم فيها كل نوع من أجناس الثمار مقدار ما يحتاجون إليه وزيادة ولم يجعل جميع الذي خلقه الله من الثمار عندهم بل عند كل منهم من الثمرات ما يكفيه وزيادة على كفايته وليس المعنى على إن جميع الجنس عندهم حتى لم تبق معه بقية لأن في ذلك وصف ما عند الله بالتناهي
واما الثالثة فللتبعيض بدليل قوله ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك 2
لطيفة إنها حيث وقعت في خطاب المؤمنين لم تذكر كقوله في سورة الصف يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم 3 إلى قوله يغفر لكم ذنوبكم 3
وقوله في سورة الأحزاب يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله 4 إلى قوله ويغفر لكم ذنوبكم 4
وقال في خطاب الكفار في سورة نوح يغفر لكم من ذنوبكم 5
وفي سورة الأحقاف يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم
1 وما ذاك إلا للتفرقة بين الخطابين لئلا يسوى بين الفريقين في الوعد ولهذا إنه في سورة نوح والأحقاف وعدهم مغفرة بعض الذنوب بشرط الإيمان لا مطلقا وهو غفران ما بينه وبينهم لا مظالم العباد
الرابع عشر الملابسة كقوله تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض 2 اي يلابس بعضهم بعضا ويواليه وليس المعنى على النسل والولادة لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن وعكسه
ونظيره قوله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض 3
وكذا قوله ذرية بعضها من بعض 4
كما يتبرأ الكفار كقوله إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا 5
فأما قوله والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض 6 أي بعضكم يلابس بعضا ويواليه في ظاهر الحكم من حيث يشملكم الإسلام
& مع
للمصاحبة بين أمرين لا يقع بينهما مصاحبة واشتراك إلا في حكم يجمع بينهما ولذلك لا تكون الواو التى بمعنى مع إلا بعد فعل لفظا أو تقديرا لتصح المعية
وكمال معنى المعية الاجتماع في الأمر الذي به الاشتراك دون زمانه
فالأول يكثر في أفعال الجوارح والعلاج نحو دخلت مع زيد وانطلقت مع عمرو وقمنا معا ومنه قوله تعالى ودخل معه السجن فتيان 1 أرسله معنا غدا 2 فأرسل معنا أخانا 3 لن أرسله معكم 4
والثاني يكثر في الأفعال المعنوية نحو آمنت مع المؤمنين وتبت مع التائبين وفهمت المسألة مع من فهمها ومنه قوله تعالى يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين 5
وقوله وكونوا مع الصادقين 6 وقيل ادخلا النار مع الداخلين 7
إنني معكما أسمع وأرى 6 إن معي ربي سيهدين 9
لا تحزن إن الله معنا 10 أي بالعناية والحفظ
يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه 11 يعني الذين شاركوه في الإيمان وهو الذي وقع فيه الاجتماع والاشتراك من الأحوال والمذاهب
وقد ذكروا الاحتمالين المذكورين في قوله تعالى واتبعوا النور الذي أنزل معه 1 قيل إنه من باب المعية في الاشتراك فتمامه الاجتماع في الزمان على حذف مضاف إما إن يكون تقديره أنزل مع نبوته وإما إن يكون التقدير مع اتباعه
وقيل لأنه فيما وقع به الاشتراك دون الزمان وتقديره واتبعوا معه النور
وقد تكون المصاحبة في الاشتراك بين المفعول وبين المضاف كقوله شممت طيبا مع زيد
ويجوز إن يكون منه قوله تعالى إنك لن تستطيع معي صبرا 3 نقل ذلك أبو الفتح القشيري في شرح الإلمام عن بعضهم ثم قال وقد ورد في الشعر استعمال مع في معنى ينبغي إن يتأمل ليلحق باحد الأقسام وهو قوله % % يقوم مع الرمح الرديني قامة % % ويقصر عنه طول كل نجاد % $
وقال الراغب مع تقتضي الاجتماع إما في المكان نحو هما معا في الدار أو في الزمان نحو ولدا معا أو في المعنى كالمتضايقين نحو الأخ والأب فإن أحدهما صار أخا للآخر في حال ما صار الآخر أخاه وإما في الشرف والرتبة نحو هما معا في العلو وتقتضي مع النصرة والمضاف إليه لفظ مع هو المنصور نحو قوله تعالى لا تحزن إن الله معنا 3
إن الله مع الذين اتقوا 4
وهو معكم أين ما كنتم 5 واعلموا أن الله مع المتقين 6 إن معي ربي سيهدين 7 انتهى
وقال ابن مالك إن معا إذا أفردت تساوى جميعا معنى
ورد عليه الشيخ أبو حيان بأن بينهما فرقاء قال ثعلب إذا قلت قام زيد وعمرو جميعا احتمل إن يكون القيام في وقتين وان يكون في واحد وإذا قلت قام زيد وعمرو معا فلا يكون إلا في وقت واحد
والتحقيق ما سبق
ويكون بمعنى النصرة والمعونة والحضور كقوله إنني معكما أي ناصر كما
إن الله مع الذين اتقوا 1 اي معينهم
وهو معكم أين ما كنتم 2 أي عالم بكم ومشاهدكم فكانه حاضر معهم وهو ظرف زمان عند الأكثرين إذا قلت كان زيد مع عمرو أي زمن مجىء عمرو ثم حذف الزمن والمجىء وقامت مع مقامهما
7 النون
للتأكيد وهي إن كانت خفيفة كانت بمنزلة تأكيد الفعل مرتين أو شديدة فمنزلة تأكيده ثلاثا وأما قوله تعالى ليسجنن وليكونن من الصاغرين 1 من حيث أكدت السجن بالشدة دون ما بعده إعظاما
ولم يقع التأكيد بالخفيفة في القرآن إلا في موضعين هذا وقوله لنسفعا بالناصية 2
وفي القواعد انها إذا دخلت على فعل الجماعة الذكور كان ما قبلها مضمونا نحو يا رجال اضربن زيدا ومنه وقوله تعالى لتؤمنن به ولتنصرنه 3 فاما قوله تعالى لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل 4 فإنما جاء قبلها مفتوحا لأنها دخلت على فعل الجماعة المتكلمين وهو بمنزلة الواحد ولا تلحقة واو الجماعة لأن الجماعة إذا أخبروا عن انفسهم قالوا نحن نقوم ليكون فعلهم كفعل الواحد والرجل الرئيس إذا أخبر عن نفسه قال كقولهم فلما دخلت النون هذا الفعل مرة أخرى بنى آخره معها على الفتح لما كان لا يلحقه واو الجمع وإنما يضمون ما قبل النون في الأفعال التى تكون للجماعة ويلحقها واو الجمع التى هي ضميرهم وذلك إن واو الجمع يكون ما قبلها مضموما نحو قولك يضربون فإذا دخلت النون حذفت نون الإعراب لدخولها وحذف الواو لسكونها وسكون النون وبقي ما قبل الواو مضموما ليدل عليه
ومثله لنكونن من الخاسرين 5
فإن كان ما قبل الواو مفتوحا لم يحذفها ولكنها تحركها لالتقاء الساكنين نحو اخشون زيدا
لها الهاء تكون ضميرا للغائب وتستعمل في موضع الجر والنصب نحو قال له صاحبه وهو يحاوره 1 وتكون لبيان السكت وتلحق وقفا لبيان الحركة وإنما تلحق بحركة بناء لا تشبه حركة الإعراب نحو ما هيه 2 وكالهاء في كتابيه 3 و حسابيه 4 و سلطانيه 5 و ماليه 6
وكان حقها إن تحذف وصلا وتثبت وقفا وإنما أجرى الوصل مجرى الوقف أو وصل بنيه الوقف في كتابيه و وحسابيه أتفاقا فاثبتت الهاء كذا عند الجميع القراء إلا حمزة فإنه حذف الهاء من هذه الكلم الثلاث وأثبتها وقفا أعنى في ماليه و سلطانيه وماهيه في القارعة لأنها في الوقف يحتاج إليها لتحصين حركة الموقوف عليه وفي الوصل يستغني عنه
فإن قيل فلم لا يفعل ذلك في كتابيه و حسابيه قيل إنه جمع بين اللغتين
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر