علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٩١ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٤١٢–٤٢١

وقيل موصولة وضعفة أبو البقاء بأن الذي يتناول اقواما باعيانهم والمعنى هاهنا على الإيهام

وتوسط الزمخشري فقال إن كانت ال للجنس فنكرة أو للعهد فموصولة وكانه قصد مناسبة الجنس للجنس والعهد للعهد لكنه ليس بلازم بل يجوز إن تكون للجنس ومن موصولة وللعهد ومن نكرة

ثم الموصولة قد توصف بالمفرد وبالجملة وفي التنزيل كل من عليها فان 1 في أحد الوجهين أي كل شخص مستقر عليها

قالوا واصلها إن تكون لمن يعقل وإن استعملت في غيره فعلى المجاز

هذه عبارة القدماء وعدل جماعة إلى قولهم من يعلم لإطلاقها على البارى كما في قوله تعالى قل من رب السماوات والأرض قل الله 2 وهو سبحانه يوصف بالعلم لا بالعقل لعدم الإذن فيه

وضيق سيبويه العبارة فقال هي للأناسي

فأورد عليه أنها تكون للملك كقوله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات 3 فكان حقه إن يأتي بلفظ يعم الجميع بأن يقول لأولى العلم

وأجيب بأن هذا يقل فيها فاقتصر على الأناسي للغلبة

وإذا أطلقت على ما لا يعقل فإما لأنه عومل معاملة من يعقل وإما لاختلاطه به

فمن الأول قوله تعالى أفمن يخلق كمن لا يخلق 4 والذي لايخلق المراد به الأصنام لأن الخطاب مع العرب لكنه لما عوملت بالعبادة عبر عنها ب من بالنسبة إلى اعتقاد المخاطب ويجوز أن يكون المراد ب من لا يخلق العموم الشامل لكل ما عبد من دون

الله من العاقلين وغيرهم فيكون مجىء من هنا للتغليب الذي اقتضاه الاختلاط في قوله تعالى والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه 1 الآية فعبر بها عمن يمشي على بطنه وهم الحيات وعمن يمشي على اربع وهم البهائم لاختلاطهم مع من يعقل في صدر الاية لأن عموم الآية يشمل العقلاء وغيرهم فغلب على الجميع حكم العاقل

$ فائدة

قيل إنما كان من لمن يعقل وما لما لا يعقل لأن مواضع ما في الكلام أكثر من مواضع من وما لا يعقل أكثر ممن يعقل فأعطوا ما كثرت مواضعه للكثير واعطوا ما قلت مواضعه للقليل وهو من يعقل للمشاكلة والمجانسة $ تنبيه

ذكر الإبياري في شرح البرهان إن اختصاص من بالعاقل وما بغيره مخصوص بالموصولتين اما الشرطية فليست من هذا القبيل لأن الشرط يستدعى الفعل ولا يدخل على الأسماء $ تنبيه

وقد سبق في قاعدة مراعاة اللفظ والمعنى بيان حكم من في ذلك وقوله تعالى إلا من كان هودا أو نصارى 1 فجعل اسم كان مفردا حملا على لفظ من وخبرها جمعا حملا على معناها ولو حمل الاسم والخبر على اللفظ معا لقال إلا من كان يهوديا أو نصرانيا ولو حملهما على معناها لقال إلا من كانوا هودا أو نصارى فصارت الآية الشريفة بمنزلة قولك لا يدخل الدار إلا من كان عاقلين وهذه المسالة منعها ابن السراج وغيره وقالوا لا يجوز إن يحمل الاسم والخبر معا على اللفظ فيقال إلا من كان عاقلا أو يحملا معا على المعنى فيقال إلا من كانوا عاقلين وقد جاء القرآن بخلاف قولهم

& من

حرف ياتي لبضعة عشر معنى

الأول ابتداء الغاية إذا كان في مقابلتها إلى التى للانتهاء

وذلك إما في اللفظ نحو سرت من البصرة إلى الكوفة وقوله تعالى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى 1

وإما في المعنى نحو زيد أفضل من عمرو لأن معناه زيادة الفضل على عمرو وانتهاؤه في الزيادة إلى زيد

ويكون في المكان اتفاقا نحو من المسجد الحرام

وما نزل منزلته نحو من فلان ومنه إنه من سليمان 2 وقولك ضربت من الصغير إلى الكبير إذا أردت البداءة من الصغير والنهاية بالكبير

وفي الزمان عند الكوفيين كقوله تعالى من أول يوم

وقوله لله الأمر من قبل ومن بعد 3 فإن قبل وبعد ظرفا زمان

وتأوله مخالفوهم على حذف مضاف أي من تأسيس أول يوم ف من داخلة في التقدير على التأسيس وهو مصدر وأما قبل وبعد فليستا ظرفين في الأصل وإنما هما صفتان

الثاني الغاية وهي التي تدخل على فعل هو محل لابتداء الغاية وانتهائه معا نحو

أخذت من التابوت فالتابوت محل ابتداء الأخذ وانتهائه وكذلك اخذته من زيد ف زيد محل الابتداء الأخذ وانتهائه كذلك

قاله الصفار وغاير قيله وبين ما قبله قال وزعم بعضهم انها تكون لانتهاء الغاية نحو قولك رايت الهلال من داري من خلل السحاب فابتداء الرؤية وقع من الدار وانتهاؤها من خلل السحاب وكذلك شممت الريحان من داري من الطريق فابتداء الشم من الدار وانتهاؤه إلى الطريق

وقال وهذا لا حجة فيه بل هما لابتداء الغاية فالأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل والثانية لا بتداء الغاية في حق المفعول ونظيره كتاب أبي عبيدة بن الجراح إلى عمر بالشام وابو عبيدة لم يكن وقت كتبه إلى عمر بالشام بل الذي كان في الشام عمر فقوله بالشام ظرف للفعل بالنسبة إلى المفعول

قال وزعم ابن الطراوة انها إذا كانت لابتداء الغاية في الزمان لزمها إلى الانتهاء فأجاز سرت من يوم الجمعة إلى يوم الأحد لأنك لو لم تذكر لم يدر إلى أين انتهى السير

قال الصفار وهذا الذي قاله غير محفوظ من كلامهم وإذا أرادت العرب هذا أنت فيه بمذ ومنذ ويكون الانتهاء إلى زمن الإخبار

الثالث التبعيض ولها علامتان إن يقع موقعها وان يعم ما قبلها ما بعدها إذا حذفت كقوله تعالى حتى تنفقوا مما تحبون 1 ولهذا في مصحف ابن مسعود بعض ما تحبون

وقوله منهم من كلم الله 2

صلوات الله عليهم كرم الله وجهه الله تبارك وتعالى الرب عز وجل

وقوله إني أسكنت من ذريتي 1 فإنه كان نزل ببعض ذريته

الرابع بيان الجنس وقيل إنها لا تنفك عنه مطلقا حكاه التراس ولها علامتان إن يصح وضع الذي موضعها وأن يصح وقوعها صفة لما قبلها

وقيل هي إن تذكر شيئا تحته اجناس والمراد أحدها فإذا أردت واحدا منها بينته كقوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان 2 وغيرها فلما اقتصر عليه لم يعلم المراد فلما صرح بذكر الأوثان علم أنها المراد من الجنس وقرنت ب من للبيان فلذلك قيل إنها للجنس واما أجتناب غيرها فمستفاد من دليل آخر والتقدير واجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان اي اجتنبوا الرجس الوثني فهي راجعة إلى معنى الصفة

وهي بعكس التى للتبعيض فإن تلك يكون ما قبلها بعضا مما بعدها فإذا قلت أخذت درهما من الدراهم كان الدرهم بعض الدراهم وهذه ما بعدها بعض مما قبلها ألا ترى إن الأوثان بعض الرجس

ومنه قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات 3 أي الذين هم أنتم لأن الخطاب للمؤمنين فلهذا لم يتصور فيها التبعيض

وقد اجتمعت المعاني الثلاثة في قوله تعالى وينزل من السماء من جبال فيها من برد 4 ف من الأولى لابتداء الغاية أي ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض اي بعض جبال منها والثالثة لبيان الجنس لأن الجبال تكون بردا وغير برد

ونظيرها ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم 5 فالأولى للبيان لأن الكافرين نوعان كتابيون

ومشركون والثانية مزيدة لدخولها على نكرة منفية والثالثة لابتداء الغاية

وقوله تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب 1 فالأولى لابتداء الغاية والثانية لبيان الجنس أو زائدة بدليل قوله وحلوا أساور 2 والثالثة لبيان الجنس أو التبعيض

وقد انكر القوم من متأخري المغاربة بيان الجنس وقالوا هي في الآية الشريفة لابتداء الغاية لأن الرجس جامع للأوثان وغيرها فإذا قيل من الأوثان فمعناه الابتداء من هذا الصنف لأن الرجس ليس هو ذاتها ف من في هذه الآية كهي في أخذته من التابوت

وقيل للتبعيض لأن الرجس منها هو عبادتها واختاره ابن أبي الربيع ويؤيده قوله والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها

وأما قوله منكم فهي للتبعيض ويقدر الخطاب عاما للمؤمنين وغيرهم

واما قوله من الجبال فهو بدل من السماء لأن السماء مشتملة على جبال البرد فكانه قال وينزل من برد في السماء وهو من قبيل ما أعيد فيه العامل مع البدل كقوله للذين استضعفوا لمن آمن منهم 3

واما قوله ويلبسون ثيابا خضرا من سندس 1 ففي موضع الصفة فهي للتبعيض

وكثيرا ما تقع بعد ما ومهما لإفراط إبهامهما نحو ما يفتح الله للناس من رحمة 4 ما ننسخ من آية 5 مهما تأتنا به من آية 6 وهي ومخفوضها في موضع نصب على الحال

وقد تقع بعد غيرهما يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق 1 الشاهد في غير الأولى فإن تلك للابتداء 0 وقيل زائدة

الخامس التعليل ويقدر بلام نحو مما خطيئاتهم أغرقوا 2 وقوله أطعمهم من جوع 3 أي من أجل الجوع

ورده الأبذي بان الذي فهم منه العلة إنما هو لأجل المراد وإنما هي للابتداء أي ابتداء الإطعام من أجل الجوع

السادس البدل من حيث العوض عنه فهو كالسبب في حصول العوض فكأنه منه أتى نحو قوله تعالى لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون 4 لأن الملائكة لا تكون من الانس

وقوله أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة 5 اي بدلا من الآخرة ومحلها مع مجرورها النصب على الحال

وقوله لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا 6 أي بدل طاعة الله أو رحمة الله

وقوله قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن 7 أي بدل الرحمن

السابع بمعنى على نحو ونصرناه من القوم 1 أي على القوم وقيل على التضمين اي منعناه منهم بالنصر

الثامن بمعنى عن نحو فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله 2 يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا 3 وقيل هي للابتداء فيهما

وقوله أطعمهم من جوع 4 فقد أشار سيبويه إلى إن من هنا تؤدي معنى عن

وقيل هي بمنزلة اللام للعلة أي لأجل الجوع وليس بشىء فإن الذي فهم منه العلة إنما هو أجل لا من

واختار الصفار أنها لابتداء الغاية

التاسع بمعنى الباء نحو ينظرون من طرف خفي 5 حكاه البغوي عن يونس وقيل إنما قال من طرف لأنه لا يصح عنه وإنما نظره ببعضها

وجعل منه ابن أبان يحفظونه من أمر الله 6 أي بأمر الله

وقوله من كل أمر سلام 6

العاشر بمعنى في نحو إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة 8

أروني ماذا خلقوا من الأرض 1

وقيل لبيان الجنس

الحادي عشر بمعنى عند نحو لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله 2 قال أبو عبيد وقيل إنها للبدل

الثاني عشر بمعنى الفصل وهي الداخلة بين المتضادين نحو والله يعلم المفسد من المصلح 3 حتى يميز الخبيث من الطيب 4

الثالث عشر الزائدة ولها شرطان عند البصريين إن تدخل على نكرة وأن يكون الكلام نفيا نحو ما كان من رجل أو نهيا نحو لا تضرب من رجل أو استفهاما نحو هل جاءك من رجل

وأجرى بعضهم الشرط مجرى النفي نحو إن قام رجل قام عمرو

وقال الصفار الصحيح المنع

ولها في النفي معنيان

أحدهما إن تكون للتنصيص على العموم وهي الداخلة على مالا يفيد العموم نحو ما جاءني من رجل فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة فإذا دخلت من تعين نفي الجنس وعليه قوله تعالى وما من إله إلا إله واحد 5

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر