علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٩٠ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٤٠٢–٤١١

( 1 ) الثاني الشرطية ولها صدر الكلام ويعمل فيها ما بعدها من الفعل نحو ما تصنع أصنع وفي التنزيل ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها 2

وما تفعلوا من خير يعلمه الله 3

وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم 4

وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله 5

ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها 6

ف ما في هذه المواضع في موضع نصب بوقوع الفعل عليها ( 1

الثالث الاستفهامية بمعنى أي شىء ولها صدر الكلام كالشرط ويسأل بها اعيان ما لا يعقل وأجناسه وصفاته عن أجناس العقلاء وأنواعهم وصفاتهم قال تعالى ما هي 7 و ما لونها 8 وما تلك بيمينك يا موسى 9

قال الخليل في قوله تعالى إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء 10 ما استفهام أي أي شىء تدعون من دون الله

ومثال مجيئها لصفات من يعلم قوله تعالى وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا 11 ونظيرها لكن في الموصولة فانكحوا ما طاب لكم من النساء ( 12 )

وجوز بعض النحويين أن يسأل بها عن أعيان من يعقل أيضا حكاه الراغب فإن كان مأخذه قوله تعالى عن فرعون وما رب العالمين 1 فإنما هو سؤال عن الصفة لأن الرب هو المالك والملك صفة ولهذا ( 2 ) اجابه موسى بالصفات ويحتمل إن ما سؤال عن ماهية الشىء ولا يمكن ذلك في حق الله تعالى فاجابه موسى تنبيها على صواب السؤال

ثم فيه مسألتان إحداهما في إعرابها وهو بحسب الاسم المستفهم عنه فإن كانت هي المستفهم عنها كانت في موضع رفع بالابتداء نحو قوله تعالى ما لونها 3 و ما هي 4 ما أصابك من حسنة فمن الله 5

وإن كان ما بعدها هو المسئول عنه كانت في موضع الخبر كقوله وما الرحمن 6 وقوله ما القارعة ما الحاقة

الثانية في حذف الفها ويكثر في حالة الخفض قصدوا مشاكلة اللفظ للمعنى فحذفوا الألف كما أسقطوا الصلة ولم يحذفوا في حال النصب والرفع كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد فإذا اتصل بها حرف الجر أو مضاف اعتمدت عليه لأن الخافض والمخفوض بمنزلة الكلمة الواحدة كقوله تعالى فيم أنت من ذكراها 7 لم تحرم ما أحل الله لك 8 فبم تبشرون 9 عم يتساءلون 10

وأما قوله يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي 11 فقال المفسرون معناه بأي شىء غفر لي فجعلوا ما استفهاما وقال الكسائي معناه بمغفرة ربي فجعلها مصدرية

قال الهروي إثبات الألف في ما بمعنى الاستفهام مع اتصالها بحرف الجر لغة وأما قوله فبما أغويتني لأقعدن لهم 12 فقيل إنها للاستفهام أي بأي شىء

أغويتني ثم ابتدأ لأقعدن لهم وقيل مصدرية والباء متعلقة بفعل القسم المحذوف أي فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن أي بسبب إغوائك أقسم

ويجوز إن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن وإنما أقسم بالإغواء لأنه كان مكلفا والتكليف من افعال الله لكونه تعريفا لسعادة الأبد وكان جديرا إن يقسم به

فإن قيل تعلقها ب لأقعدن قيل يصد عنه لام القسم إلا ترى انك لا تقول والله لا بزيد لأمرن

والرابع التعجبية كقوله تعالى فما أصبرهم على النار 1 )

قتل الإنسان ما أكفره 2

ولا ثالث لهما في القرآن إلا في قراءة سعيد بن جبير ما غرك بربك الكريم 3

وتكون في موضع رفع بالابتداء وما خبر وهو قريب مما قبله لأن الاستفهام والتعجب بينهما تلازم لأنك إذا تعجبت من شىء فبالحرى إن تسأل عنه

والخامس نكرة بمعنى شىء ويلزمها النعت كقولك رأيت ما معجبا لك وفي التنزيل بعوضة فما فوقها 4 إن الله نعما يعظكم به 5 أي نعم شيئا يعظكم به

والسادس نكرة بغير صفة ولا صلة كالتعجب وموضعها نصب على التمييز كقوله إن تبدوا الصدقات فنعما هي 1 أي فنعم شيئا هي كما تقول نعم رجلا زيد أي نعم الرجل رجلا زيد ثم قام ما مقام الشىء

فائدة قال بعضهم وقد تجىء ما مضمرة كقوله تعالى وإذا رأيت ثم رأيت 2 أي ما ثم

وقوله هذا فراق بيني وبينك 3 اي ما بيني

لقد تقطع بينكم 4 أي ما بينكم & ما الحرفية

وأما الحرفية فستة

الأول النافية ولها صدر الكلام وقد تدخل على الأسماء والأفعال ففي الأسماء ك ليس ترفع وتنصب في لغة اهل الحجاز ووقع في القرآن في ثلاث مواضع

قال تعالى ما هذا بشرا 5

وقوله تعالى ما هن أمهاتهم 6 على قراءة كسر التاء وقوله فما منكم من أحد عنه حاجزين 7

وعلى الأفعال فلا تعمل وتدخل على الماضي بمعنى لم نحو ما خرج أي لم يخرج

وقوله تعالى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين 8

وعلى المضارع لنفي الحال بمعنى لا نحو ما يخرج زيد اي لا يخرج نفيت أن يكون منه خروج في الحال

ومنهم من يسميه جحدا وأنكره بعضهم وسبق الفرق بين الجحد والنفي في الكلام على قاعدة المنفي

وقال ابن الحاجب هي لنفي الحال في اللغتين الحجازية والتميمية نحو ما زيد منطلقا ومنطلق ولهذا جعلها سيبويه في النفي جوابا لقد في الإثبات ولا ريب إن قد للتقريب من الحال فلذلك جعل جوابا لها في النفي

قال ويجوز إن تستعمل للنفي في الماضي والمستقبل عند قيام القرائن قال تعالى حكاية عن الكفار وما نحن بمنشرين 1 وما نحن بمبعوثين 2

وفي الماضي نحو جاءنا من بشير ولا نذير 3 فإنه ورد للتعليل على معنى كراهة إن يقولوا عند إقامة الحجة عليهم ما جاءنا في الدنيا من بشير ولا نذير وهذا للماضي المحقق وامثال ذلك كثيرة

قال ثم إن سيبويه جعل فيها معنى التوكيد لإنها جرت موضع قد في النفي فكما أن قد فيها معنى التأكيد فكذلك ما جعل جوابا لها

وهنا ضابط وهو إذا ما اتت بعدها إلا في القرآن فهي من نفي إلا في ثلاثة عشر موضعا

أولها في البقرة قوله تعالى مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا 4

الثاني فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون 5

الثالث في النساء قوله لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين 6

الرابع ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف 7

الخامس في المائدة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم 1

السادس في الأنعام ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا 2

السابع وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا 3

الثامن والتاسع في هود ما دامت السماوات والأرض إلا 4 في موضعين أحدهما في ذكر أهل النار والثاني في ذكر أهل الجنة

العاشر والحادي عشر في يوسف فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا 5 وفيها ما قدمتم لهن إلا 5

الثاني عشر في الكهف وما يعبدون إلا الله 6 على خلاف فيها

الثالث عشر وما بينهما إلا بالحق 7 حيث كان

والثاني المصدرية وهي قسمان وقتية وغير وقتية

فالوقتية هي التى تقدر بمصدر نائب عن الظرف الزمان كقوله تعالى خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض 8 وقوله إلا ما دمت عليه قائما 9 و ما دمتم حرما 10 اي مدة دوام السموات والأرض ووقت دوام قيامكم وإحرامكم وتسمى ظرفية أيضا

وغير الوقتية هي التي تقدر مع الفعل نحو بلغني ما صنعت أي صنعك قال تعالى وبما كانوا يكذبون 11 أي بتكذيبهم أو بكذبهم على القرآن

وقوله ضاقت عليهم الأرض بما رحبت 1 وقوله كما آمن الناس 2 و كما أرسلنا فيكم رسولا 2 و بئسما اشتروا 2 أي كإيمان الناس وكإرسال الرسل وبئس اشتراؤهم

وكلما أتت بعد كاف التشبيه أو بئس فهي مصدرية على خلاف فيه وصاحب الكتاب يجعلها حرفا والأخفش يجعلها اسما وعلى كلا القولين لا يعود عليها من صلتها شىء

والثالث الكافة للعامل عن عمله وهو ما يقع بين ناصب ومنصوب أو جار ومجرور أو رافع ومرفوع

فالأول كقوله تعالى إنما الله إله واحد 3 إنما يخشى الله من عباده العلماء 4 إنما نملي لهم ليزدادوا إثما 5

والثاني كقوله ربما رجل أكرمته وقوله ربما يود الذين كفروا 6

والثالث كقولك قلما تقولين وطالما تشتكين

والرابع المسلطة وهي التي تجعل اللفظ متسلطا بالعمل بعد إن لم يكن عاملا نحو ما في إذما وحيثما لأنهما لا يعملان بمجردهما في الشرط ويعملان عند دخولها عليهما

والخامس إن تكون مغيرة للحرف عن حاله كقوله في لو لوما غيرتها إلى معنى هلا قال تعالى لو ما تأتينا 6

والسادس المؤكد اللفظ ويسميه بعضهم صلة وبعضهم زائدة والأول أولى لأنه ليس في القرآن حرف إلا وله معنى ويتصل بها الاسم والفعل وتقع ابدا حشوا اوآخرا ولا تقع ابتداء وإذا وقعت حشوا فلا تقع إلا بين الشيئين المتلازمين وهو مما يؤكد زيادتها لأقحامها بين ما هو كالشىء الواحد

نحو أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا 1

أينما تكونوا يدرككم الموت 2

وكذا قوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله 3

أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى 4

فبما رحمة من الله لنت لهم 5

فبما نقضهم ميثاقهم 6

عما قليل 7

أيما الأجلين قضيت 8

مما خطيئاتهم 9

وجعل منه سيبويه في باب الحروف الخمسة قوله تعالى إن كل نفس لما عليها حافظ 10 قال فجعلها زائدة ( 11 )

وأجاز الفارسي زيادة اللام والمعنى إن كل نفس ما عليها حافظ

ثم قال سيبويه وقال تعالى وإن كل لما جميع 1 إنما هو لجميع ( 2 ) وما لغو

قال الصفار والذي دعاه إلى إن يجعلها لغوا ولم يجعلها موصولا لأن بعدها مفرد فيكون من باب تماما على الذي أحسن 3

فإن قيل فهلا جعلها في لما عليها حافظ موصولة لأن بعدها الظرف

قلنا منع من ذلك وقوع ما على آحاد من يعقل ألا ترى كل نفس وهذا يمنع في الايتين من الصلة

انتهى وكان ينبغي إن يتجنب عبارة اللغو

من

لا تكون إلا اسما لوقوعها فاعلة ومفعولة ومبتدأة ولها اربعة اقسام متفق عليها الموصولة والاستفهامية والشرطية والنكرة الموصوفة

فالموصولة كقوله تعالى وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون 1

ولله يسجد من في السماوات والأرض 2

والاستفهامية وهي التي أشربت معنى النفي ومنه ومن يغفر الذنوب إلا الله 3 و ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون 4

ولا يتقيد جواز ذلك بأن يتقدمها الواو خلافا لابن مالك في التسهيل بدليل من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه 5

والشرطية كقوله تعالى من عمل صالحا فلنفسه 6

و من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها 7

والنكرة الموصوفة كقوله ومن الناس من يقول 8 اي قريق يقول

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر