علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٨٩ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٣٩٢–٤٠١

& لعل

تجىء لمعان الاول للترجي في المحبوب نحو لعل الله يغفر لنا وللاشفاق في المكروه نحو لعل الله يغفر للعاصي ثم وردت في كلام من يستحيل عليه الوصفان لان الترجي للجهل بالعاقبة وهو محال على الله وكذلك الخوف والاشفاق

فمنهم من صرفها إلى المخاطبين قال سيبويه في قوله تعالى لعله يتذكر أو يخشى 1 معناه كونا على رجائكما في ذكرهما يعني انه كلام منظور فيه إلى جانب موسى وهارون عليهما السلام لانهما لم يكونا جازمين بعدم ايمان فرعون

وأما استعمالهما في الخوف ففي قوله تعالى لعل الساعة قريب 2 فان الساعة مخوفة في حق المؤمنين بدليل قوله والذين آمنوا مشفقون منها ( 3 )

وفي هذا رد على الزمخشري حيث انكر إن تكون هذه الآية من هذا القبيل فان قلت ما معنى قولهم لعل من الله واجبه هل ذلك من شان المحبوب أو مطلقا واذا كانت في المحبوب فهل ذلك اخراج لها عن وضع الترجي إلى وضع الخبر فيكون مجازا أم لا

قلت ليس اخراجا لها عن وضعها وذلك انهم لما راوها من الكريم للمخاطبين في ذلك المحبوب تعريض بالوعد وقد علم إن الكريم لايعرض بان يفعل إلا بعد التصميم عليه فجرى الخطاب الالهي مجرى خطاب عظماء الملوك من الخلق وقوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم

الآية إلى تتقون 1 اطماع المؤمن بان يبلغ بايمانه درجة التقوى العالية لأنه بالايمان يفتتحها وبالايمان يختتمها ومن ثم قال مالك وابو حنيفة الشرع ملزم

وقد قال الزمخشري وقد جاءت على سبيل الاطماع ف مواضع من القرآن لكنه كريم رحيم اذا اطمع فعل ما يطمع لا محالة فجرى اطماعه مجرى وعده فلهذا قيل انها من الله واجبة

وهذا فيه رائحة الاعتزال في الايجاب العقلي وانما يحسن الاطماع دون التحقيق كيلا يتكل العباد كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم 2

وقال الراغب لعل طمع واشفاق

وذكر بعض المفسرين إن لعل من الله واجبة وفسر في كثير من المواضع ب لا وقالوا إن الطمع والاشفاق لا يصح على الله تعالى

وقال ولعل وان كان طمعا فان ذلك يقتضي في كلامهم تارة طمع المخاطب وتارة طمع المخاطب وتارة طمع غيرهما فقوله تعالى لعلنا نتبع السحرة 3 فذلك طمع منهم في فرعون

و في قوله لعله يتذكر أو يخشى 4 اطماع موسى وهارون ومعناه قولا له قولا لينا راجيين إن يتذكر أو يخشى

وقوله فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك 5 اي تظن بك الناس وعليه قوله تعالى لعلك باخع نفسك 6 وقوله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون 7 اي راجين الفلاح

كما قال يرجون رحمة الله ( 1 )

وزعم بعضهم بانها لا تكون للترجي إلا في الممكن لانه انتطار ولا ينتظر إلا في ممكن فاما قوله تعالى لعلي أبلغ الأسباب 2 الآية فاطلاع فروعون إلى الاله مستحيل وبجهله اعتقد امكانه لانه يعتقد في الاله الجسمية والمكان تعالى الله عن ذلك

الثاني للتعليل كقوله تعالى فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون 3

وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون 4 اي كي

وجعل منه ثعلب لعله يتذكر 5 اي كي حكاه عنه صاحب المحكم

الثالث الاستفهام كقوله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا 6 وما يدريك لعله يزكى 7

وحكى البغوي في تفسيره عن الواقدي إن جميع مافي القرآن من لعل فانها للتعليل إلا قوله لعلكم تخلدون 8 فانها للتشبيه وكونها للتشبيه غريب لم يذكره النحاة ووقع في صحيح البخاري في قوله لعلكم تخلدون إن لعل للتشبيه

وذكر غيره انها للرجاء المحض وهو بالنسبة اليهم

واعلم أن الترجي والتمني من باب الانشاء كيف يتعلقان بالماضي

وقد وقع خبر ليت ماضيا في قوله يا ليتني مت قبل هذا 1

وممن نص على منع وقوع الماضي خبرا للعل الرماني

& ليس

فعل معناه نفي مضمون الجملة في الحال اذا قلت ليس زيدا قائما نفيت قيامه في حالك هذه وان قلت ليس زيد قائما غدا لم يستقم ولهذا لم يتصرف فيكون فيها مستقبلا

هذا قول الاكثرين وبعضهم يقول انها لنفي مضمون الجملة عموما

وقيل مطلقا حالا كان أو غيره وقواه ابن الحاجب

ورد الاول بقوله ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم 1 وهذا نفي لكون الغذاب مصروفا عنهم يوم القيامة فهو نفي في المستقبل وعلى هذين القولين يصح ليس إلا الله وعلى الاول يحتاج إلى تاويل وهو انه قد ينفى عن الحال بالقرينة نحو ليس خلق الله مثله

وهل هو لنفي الجنس أو الوحدة لم ار من تعرض لذلك غير ابن مالك في كتاب شواهد التوضيح فقال في قوله صلى الله عليه وسلم ليس صلاة اثقل على المنافقين ففيه شاهد على استعمال ليس للنفي العام المستغرق به للجنس وهو مما يغفل عنه

ونظيره قوله تعالى ليس لهم طعام إلا من ضريع 2 بمعنى عند وهي أخص منها لدلالته على ابتدائها به نحو أقمت عنده من لدن

طلوع الشمس إلى غروبها فتوضح نهاية الفعل وهي ابلغ من عند قال تعالى قد بلغت من لدني عذرا 1

لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا 2

من لدن حكيم عليم 3

فهب لي من لدنك وليا 4

وقد سبق الفرق بينهما في عند

وقد تحذف نونها قال تعالى وألفيا سيدها لدى الباب 5

هذا ما لدي عتيد 6

@ 398 & ما

تكون على اثني عشر وجها ستة منها اسماء وستة حروف & ما الاسمية

فالاسمية ضربان معرفة ونكرة لانه اذا حسن موضعها الذي فهي معرفة أو شئ فهي نكرة وان حسنا معا جاز الامران كقوله تعالى ويغفر ما دون ذلك 1 و هذا ما لدي عتيد 2

والنكرة ضربان ضرب يلزم الصفة وضرب لا يلزمه والذي يلزمه الاستفهامية والشرطية والتعجب وما عداها تكون منه نكرة فلا بد لها من صفة تلزمها

فالأول من الستة الاسماء الخبرية وهي الموصولة ويستوي فيها التذكير والتانيث والافراد والتثنية والجمع كقوله تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق 3 وقوله بما أنزل إليك 4 ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض 5

فان كان المراد بها المذكر كانت للتذكير بمعنى الذي وان كان المراد بها المؤنث كانت للتانيث بمعنى التي

وقال السهيلي كذا يقول النحويون انها بمعنى الذي مطلقا وليس كذلك بل بينهما تخالف في المعنى وبعض الاحكام

أما المعنى فلان ما اسم مبهم في غاية الابهام حتى انه يقع على المعدوم نحو إن الله عالم بما كان وبما لم يكن

واما في الاحكام فانها لاتكون نعتا لما قبلها ولا منعوتة لان صلتها تغنيها عن النعت ولاتثنى ولا تجمع انتهى

ثم لفظها مفرد ومعناها الجمع ويجوز مراعاتها في الضمير

ونحوه من مراعاة المعنى ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم 1 ثم قال هؤلاء شفعاؤنا 1 لما اراد الجمع

وكذلك قوله ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون 2

ومن مراعاة اللفظ قل بئسما يأمركم به إيمانكم 2

واصلها إن تكون لغير العاقل كقوله تعالى ما عندكم ينفد 4

وقد تقع على من يعقل عند اختلاطه بمالا يعقل تغليبا كقوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض 5 وقوله إنكم وما تعبدون من دون الله 6 الآية بدليل نزول الاية بعدها مخصصة إن الذين سبقت لهم منا الحسنى 7

قالوا وقد تاتي لانواع من يعقل كقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء 8 اي الابكار إن شئتم أو الثيبات

ولا تكون لاشخاص من يعقل على الصحيح لانها اسم مبهم يقع على جميع الاجناس فلا يصح وقوعها إلا على جنس

ومنهم من جوزه محتجا بقوله تعالى ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي 1 والمراد آدم

وقوله والسماء وما بناها 2

وقوله ولا أنتم عابدون ما أعبد 3 أي الله

فأما الأولى فقيل إنها مصدرية وقال السهيل بل إنها وردت في معرض التوبيخ على امتناعه من السجود ولم يستحق هذا من حيث كان السجود لما يعقل ولكن لعلة أخرى وهي المعصية والتكبر فكأنه يقول لم عصيتني وتكبرت على ما خلقته وشرفته فلو قال ما منعك إن تسجد لمن كان استفهاما مجردا من توبيخ ولتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل أو لعلة موجودة فيه أو لذاته وليس كذلك

وأما آية السماء فلأن القسم تعظيم للمقسم به من حيث ما في خلقها من العظمة والآيات فثبت لهذا القسم بالتعظيم كائنا ما كان وفيه إيحاء إلى قدرته تعالى على إيجاد هذا الأمر العظيم بخلاف قوله من لأنه كان يكون للمعنى مقصورا على ذاته دون أفعاله ومن هذا يظهر غلط من جعلها بتأويل المصدر

وأما ما أعبد فهي على بابها لأنها واقعة على معبوده عليه السلام على الإطلاق لأن الكفار كانوا يظنون انهم يعبدون الله وهم جاهلون به فكأنه قال أنتم لا تعبدون معبودي

ووجه آخر وهو أنهم كانوا يحسدونه ويقصدون مخالفته كائنا من كان معبوده فلا يصح في اللفظ إلا لفظة ما لإبهامها ومطابقتها لغرض أو لازدواج الكلام لأن معبودهم لا يعقل وكرر الفعل على بنية المستقبل حيث أخبر عن نفسه إيماء إلى عصمة الله له عن

الزيغ والتبديل وكرره بلفظ حين أخبر عنهم بأنهم يعبدون أهواءهم ويتبعون شهواتهم بفرض أن يعبدوا اليوم مالا يعبدون غدا

وهاهنا ضابط حسن الفرق بين الخبرية والاستفهامية وهو إن ما إذا جاءت قبل ليس أو لم أو لا أو بعد إلا فإنها تكون خبرية كقوله ما ليس لي بحق 1 ما لم يعلم 2 ما لا تعلمون 3 إلا ما علمتنا 4 وشبهه

وكذلك إذا جاءت بعد حرف الجر نحو ربما وعما وفيما ونظائرهاإلا بعد كاف التشبيه

وربما كانت مصدرا بعد الباء نحو بما كانوا يظلمون 5 بما كانوا يكذبون 6 بما تعملون 7

وإن وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية أو نظر جاز فيها الخبر والاستفهام كقوله تعالى وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون 8

والله يعلم ما تسرون وما تعلنون 9 وإنك لتعلم ما نريد 10 هل علمتم ما فعلتم 11

وما أدري ما يفعل بي ولا بكم 12

ولتنظر نفس ما قدمت 13

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر