علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٨ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ١٧٢–١٨١

الثالث أنه يوقف على جميعها وقف التمام إن حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور وينعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله تعالى الم الله أى هذه السورة آلم ثم ابتدأ فقال الله لا إله إلا هو الحي القيوم

الرابع أنها كتبت فى المصاحف الشريفة على صورة الحروف أنفسها لا على صورة أساميها وعلل ذلك بأن الكلمة لما كانت مركبة من ذوات الحروف واستمرت العادة متى تهجيت ومتى قيل للكاتب اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع فى الكتابة الحروف أنفسها فحمل على ذلك للمشاكلة المألوفة فى كتابة هذه الفواتح وأيضا فإن شهرة أمرها وإقامة ألسنة الأحمر والأسود لها وأن اللافظ بها غير متهجاة لا يجىء بطائل فيها وأن بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده أمنت وقوع اللبس فيها وقد اتفقت فى خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التى يبنى عليها علم الخط والهجاء ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف أشار إلى هذه الأحكام المذكورة صاحب الكشاف

وقد اختلف الناس فى الحروف المقطعة أوائل السور على قولين

أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به ولهذا قال الصديق رضى الله عنه فى كل كتاب سر وسره فى القرآن أوائل السور قال الشعبى إنها من المتشابه نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل

قال الإمام الرازى وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا لا يجوز أن يرد فى كتاب الله ما لا يفهمه الخلق لأن الله تعالى أمر بتدبره والاستنباط منه وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه ولأنه كما جاز التعبد بما لا يعقل معناه فى الأفعال فلم لا يجوز فى الأقوال بأن يأمرنا الله تارة بأن نتكلم بما نقف على معناه وتارة بما لا نقف على معناه ويكون القصد منه ظهور الانقياد والتسليم

القول الثانى أن المراد منها معلوم وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها فمنها البعيد ومنها القريب

أحدها ويروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه سبحانه فالألف من الله واللام من لطيف والميم من مجيد أو الألف من الائه واللام من لطفه والميم من مجده قال ابن فارس وهذا وجه جيد وله فى كلام العرب شاهد % % قلنا لها قفى فقالت ق % $

فعبر عن قولها وقفت بق

الثانى أن الله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذى يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان وما فى كتب الله المنزلة باللغات المختلفة وهى أصول كلام الأمم بها يتعارفون وقد أقسم الله تعالى ب الفجر والطور فكذلك شأن هذه الحروف فى القسم بها

الثالث أنها الدائرة من الحروف التسعة والعشرين فليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه عز وجل أو آلائه أو بلائه أو مدة أقوام أو آجالهم فالألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون روى عن الربيع بن أنس قال ابن فارس وهو قول حسن لطيف لأن الله تعالى أنزل على نبيه الفرقان فلم يدع نظما عجيبا ولا علما نافعا إلا أودعه إياه علم ذلك من علمه وجهله من جهله

الرابع ويروى عن ابن عباس أيضا فى قوله تعالى الم أنا الله أعلم وفى المص أنا الله أفضل و الر أنا الله أرى ونحوه من دلالة الحرف الواحد على الاسم العام والصفة التامة

الخامس أنها أسماء للسور ف الم اسم لهذه و حم اسم لتلك وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز فهكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور من غيرها ونقله الزمخشرى عن الأكثرين وأن سيبويه نص عليه فى كتابه وقال الإمام فخر الدين هو قول أكثر المتكلمين فإن قيل فقد وجدنا الم افتتح بها عدة سور فأين التمييز قلنا قد يقع الوفاق بين اسمين لشخصين ثم يميز بعد ذلك بصفة وقعت كما يقال زيد وزيد ثم يميزان بأن يقال زيد الفقيه وزيد النحوى فكذلك إذا قرأ القارىء الم ذلك الكتاب فقد ميزها عن الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم

السادس أن لكل كتاب سرا وسر القرآن فواتح السور قال ابن فارس وأظن قائل ذلك أراد أنه من السر الذى لا يعلمه إلا الله والراسخون فى العلم واختاره جماعة منهم أبو حاتم بن حبان

قلت وقد استخرج بعض أئمة المغرب من قوله تعالى الم غلبت الروم فتوح بيت المقدس واستنقاذه من العدو فى سنة معينة وكان كما قال

السابع أن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه وقال بعضهم لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا منه ويكون تعجبهم سببا لاستماعهم واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب وتلين الأفئدة

الثامن أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف التى هى أ ب ت ث فجاء بعضها مقطعا وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التى يعقلونها ويبنون كلامهم منها

التاسع واختاره ابن فارس وغيره أن تجعل هذه التأويلات كلها تأويلا واحد فيقال إن الله جل وعلا افتتح السور بهذه الحروف إرادة منه للدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لا على معنى واحد فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا وأن يكون كل واحد منها مأخوذا من اسم من أسماء الله تعالى وأن يكون الله عز وجل قد وضعها هذا الوضع فسمى بها وأن كل حرف منها فى آجال قوم وأرزاق آخرين وهى مع ذلك مأخوذة من صفات الله تعالى فى إنعامه وإفضاله ومجده وأن الافتتاح بها سبب لأن يسمع القرآن من لم يكن سمع وأن فيها إعلاما للعرب أن القرآن الدال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الحروف وأن عجزهم عن الاتيان بمثله مع نزوله بالحروف المتعالمة بينهم دليل على كفرهم وعنادهم وجحودهم وأن كل عدد منها إذا وقع أول كل سورة فهو اسم لتلك السورة

قال وهذا القول الجامع للتأويلات كلها والله أعلم بما أراد من ذلك

العاشر أنها كالمهيجة لمن سمعها من الفصحاء والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل والأخذ فى التفاصيل وهى بمنزلة زمجرة الرعد قبل الناظر فى الأعلام لتعرف الأرض فضل الغمام وتحفظ ما أفيض عليها من الإنعام وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه والوقوف على معانيه بعد حفظ مبانيه

الحادى عشر التنبيه على أن تعداد هذه الحروف ممن لم يمارس الخط ولم يعان الطريقة على ما قال تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون

الثانى عشر انحصارها فى نصف اسماء حروف المعجم لأنها أربعة عشر حرفا على ما سبق تفصيله وهذا واضح على من عد حروف المعجم ثمانية وعشرين حرفا وقال لا مركبة من اللام والألف والصحيح أنها تسعة وعشرون حرفا والنطق بلا فى الهجاء كالنطق فى لا رجل فى الدار وذلك لأن الواضع جعل كل حرف من حروف المعجم صدر اسمه إلا الألف فإنه لما لم يمكن أن يبتدأ به لكونه مطبوعا على السكون فلا يقبل الحركة أصلا توصل إليه باللام لأنها شابهته فى الاعتداد والانتصاب ولذلك يكتب على صورة الألف إلا إذا اتصل بما بعده

فإن قلت فقد تقدم اسم الألف فى أول حروف الهجاء قلت ذلك اسم الهمزة لوجهين أحدهما أنه صدره والثانى أنتها صدر ما تصدر من حروف المعجم لتكون صورته ثلاثا وإنما كانت صدره لأن صورتها كالمتكررة أربع مرات لأنها تلبس صورة العين وصورة الألف والواو والياء لما يعرض من الحركة والسكون ولذلك أخروا ما بعد الطاء

والظاء والعين لأن صورتها ليست متكررة وجوابه على هذا المذهب أن الحرف لا يمكن تنصيفه فيتعين سقوط حرف لأنه الأليق بالإيجاز

الثالث عشر مجيئها فى تسع وعشرين سورة بعدد الحروف فإن قلت هلا روعى صورتها كما روعى عددها قلت عرض لبعضها الثقل لفظا فأهمل

فصل

اعلم أنه لما كانت هذه الحروف ضرورية فى النطق واجبة فى الهجاء لازمة التقدم فى الخط والنطق إذ المفرد مقدم على المركب فقدمت هذه المفردات على مركباتها فى القرآن فليس فى المفرد ما فى المركب بل فى المركب ما فى المفرد وزيادة ولما كان نزول القرآن فى أزمنة متطاولة تزيد على عشرين سنة وكان باقيا إلى آخر الزمان لأنه ناسخ لما قبله ولا كتاب بعده جعل الله تعالى حروفه كالعلائم مبينة أن هذه السورة هى من قبيل تلك التى أنزلت من عشر سنين مثلا حتى كأنها تتمة لها وإن كان بينهما مدة

وأما نزول ذلك فى مدد وأزمنة أو نزول سور خالية عن الحروف فبحسب تلك الوقائع وأما ترتيب وضعها فى المصحف أعنى السور فله أسباب مذكورة فى النوع الثالث عشر

وأما زيادة بعض الحروف فى بعض السور وتغيير بعضها فليعلم أن المراد الإعلام بالحروف فقط وذلك أنه متى فرض الإنسان فى بعضها شيئاا مثل الم السجدة لزمه فى مثلها مثله كألف لام ميم البقرة فلما لم يجد دله ذلك الثانى على بطلان الأول وتحقق أن هذه الحروف هى علامات المكتوب والمنطوق وأما كونها اختصت بسورة البقرة فيحتمل أن

ذلك تنبيه على السور وأنها احتوت على جملة المنطوق به من جهة الدلالة ولهذا حصلت فى تسعة وعشرين سورة بعدد جملة الحروف ولو كان القصد الاحتواء على نصف الكتاب لجاءت فى أربع عشرة سورة وهذا الاحتواء ليس من كل وجه بل من وجه يرجع إلى إلى النطق والفصاحة وتركيب ألفاظ اللغة العربية وما يقتضى أن يقع فيه التعجيز ويحتمل لأن يكون لمعان أخر يجدها من يفتح الله عليه بالتأمل والنظر أو هبة من لدنه سبحانه

ولا يمتنع أن يكون فى بقية السور أيضا كما فى ذوات الحروف بل هذه خصصت بعلامات لفضيلة وجب من أجلها أن تعلم عليها السور لينبه على فضلها وهذا من باب الاحتمال والأولى أن الأحرف إنما جاءت فى تسعة وعشرين سورة لتكون عدة السور دالة لنا على عدة الحروف فتكون السور من جهة العدة مؤدية إلى الحروف من جهة العدة فيعلم أن الأربعة عشر عوض عن تسعة وعشرين

3 الاستفتاح بالنداء

النوع الثالث من أنواع استفتاح السور النداء نحو يا أيها الذين آمنوا يا أيها النبي يا أيها المدثر وذلك فى عشر سور

4 الاستفتاح بالجمل الخبرية

الرابع الجمل الخبرية نحو يسألونك عن الأنفال براءة من الله أتى أمر الله اقترب للناس حسابهم قد أفلح المؤمنون سورة أنزلناها تنزيل الكتاب الذين كفروا إنا فتحنا اقتربت الساعة الرحمن علم القرآن قد سمع الله الحاقة سأل سائل إنا أرسلنا لا أقسم فى موضعين عبس إنا أنزلناه لم يكن القارعة ألهاكم إنا أعطيناك فتلك ثلاث وعشرون سورة

5 الاستفتاح بالقسم

الخامس القسم نحو والصافات والذاريات والطور والنجم والمرسلات والنازعات والسماء ذات البروج والسماء والطارق والفجر والشمس والليل والضحى والتين والعاديات والعصر فتلك خمس عشرة سورة

$ 6 الاستفتاح بالشرط

السادس الشرط نحو إذا وقعت الواقعة إذا جاءك المنافقون إذا الشمس كورت إذا السماء انفطرت إذا السماء انشقت إذا زلزلت إذا جاء نصر الله فذلك سبع سور

7 الاستفتاح بالأمر

االسابع الاستفتااح بالأمر فى ست سور قل أوحي اقرأ باسم ربك قل يا أيها الكافرون قل هو الله أحد قل أعوذ فى سورتين

8 الاستفتاح بالاستفهام

الثامن لفظ الاستفهام فى هل أتى عم يتساءلون هل أتاك ألم نشرح ألم تر أرأيت فتلك ست سور

9 الاستفتاح بالدعاء

التاسع الدعاء فى ثلاث سور ويل للمطففين ويل لكل همزة تبت يدا أبي لهب

10 الاستفتاح بالتعليل

العاشر التعليل فى موضع واحد نحو لإيلاف قريش

هكذا جمع الشيخ شهاب الدين أبو شامة المقدسى قال وما ذكرناه فى قسم

الدعاء يجوز أن يذكر مع الخبر وكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى كله خبر إلا سبح اسم ربك الأعلى فإنه يدخل أيضا فى قسم الأمر و سبحان الذي أسرى بعبده يحتمل الأمر والخبر ونظم ذلك فى بيتين فقال % % أثنى على نفسه سبحانه بثبو % % ت المدح والسلب لما استفتح السورا % $

% والأمر شرط الندا التعليل والقسم الدعا حروف التهجى استفهم الخبرا %

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر