علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٨٨ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٣٨٢–٣٩١

ورابعها يجئ اتصال منفيها بالحال والمنفي بلم لا يلزم فيه ذلك بل قد يكون منقطعا نحو هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا 1 وقد يكون متصلا نحو ولم أكن بدعائك رب شقيا 2

وخامسها إن الفعل بعد لما يجوز حذفه اختيارا

سادسها إن لم تصاحب وادوات الشرط بخلاف لما فلا يقال إن لما يقم وفي التنزيل وإن لم تفعل 3 وإن لم ينتهوا 4

سابعها إن منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم إلا ترى إن معنى بل لما يذوقوا عذاب 5 انهم لم يذوقوه إلى الآن وان ذوقهم له متوقع

قال الزمخشري في قوله تعالى ولما يدخل الإيمان في قلوبكم 6 ما في لما من معنى التوقع دال على إن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد ( 7 )

وانكر الشيخ أبو حيان دلالة لما على التوقع فكيف يتوهم انه يقع بعد

واجاب بعضهم بان لما ليست لنفي المتوقع حيث يستبعد توقعه وانما هي لنفي الفعل المتوقع كما إن قد لاثبات الفعل المتوقع وهذا معنى قول النحويين انها موافقه ل قد فعل أي يجاب بها في النفي حيث يجاب ب قد في الاثبات ولهذا قال ابن السراج جاءت لما بعد فعل يقول القائل لما يفعل فتقول قد فعل

الوجه الثاني إن تدخل على ماض فهي حرف لوجود أو وجوب لوجوب فيقتضى وقوع الامرين جميعا عكس لو نحو لما جاءني زيد اكرمته

وقال ابن السراج والفارسي ظرف بمعنى حين ورده ابن عصفور بقوله وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا 1 قال لأن الهلاك لم يقع حين ظلموا بل كان بين الظلم والهلاك ارسال الرسل وانذارهم اياهم وبعد ذلك وقع الاهلاك فليست بمعنى حين وهذا الرد لايحسن إلا اذا قدرنا الاهلاك أول ما ابتدا الظلم وليس كذلك بل قوله ظلموا في معنى استداموا الظلم أي وقع الاهلاك لهم حين ظلمهم أي في حين استدامتهم الظلم وهم متلبسون به

ومن امثلتها قوله تعالى فلما نجاكم إلى البر أعرضتم 2 وقوله ولما ورد ماء مدين 3

ولما جاءت رسلنا لوطا 4

إلا قوم يونس لما آمنوا 5

فلما أحسوا بأسنا 6 (

واما جوابها فقد يجئ ظاهرا كما ذكرنا قد يكون جملة اسمية مقرونة بالفاء نحو فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد 7 أو مقرونة بما النافية كقوله فلما جاءهم نذير ما زادهم

( 8 وباذا المفاجئة نحو فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون 6

ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون 2

فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون 3

وبهذا رد على من زعم انها ظرف بمعنى حين فان ما النافية واذا الفجائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلها فانتفى إن يكون ظرفا

وقد يكون مضارعا كقوله فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا 4 وهو بمعنى الماضي أي جادلنا

وقد يحذف كقوله فمنهم مقتصد 5 قال بعضهم التقدير انقسموا قسمين منهم مقتصد ومنهم غير ذلك لكن الحق إن مقتصد هو الجواب هو الذي ذكره ابن مالك ونوزع في ذلك من جهة إن خبرها مقرون بالفاء يحتاج لدليل

وقوله لو أن لي بكم قوة 6 جوابه محذوف أي لمنعتكم

واما قوله عز وجل ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ( 7 )

قيل جواب لما الأولى لما الثانية وجوابها ورد باقترانه وقيل كفروا به جواب لهما لان الثانية تكرير للاولى ز وقيل جواب الاولى محذوف أي انكروه

واختلف في قوله تعالى فلما أضاءت ما حوله 8 فقيل الجواب ذهب الله وقيل محذوف استطالة للكلام مع امن اللبس أي حمدت

وكذلك قوله فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه 1 قيل الجواب قوله وأوحينا إليه 1 على جعل الواو زائدة

وقيل الجواب محذوف أي انجيناه وحفظناه

وقوله فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا 2 قيل الجواب وجاءته على زيادة الواو

وقيل الجواب محذوف أي اخذ يجادلنا وقيل يجادلنا مؤول ب جادلنا وكذلك قوله فلما أسلما وتله للجبين 3 أي اجزل له الثواب وتله

واما قوله وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا 4 فما تقدم من قوله وجعلنا يسد مسد الجواب لا انه الجواب لان الجواب لايقدم عليها وكذا قوله وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا 5 فما تقدم من قوله أهلكناهم يسد مسد الجواب لا انه الجواب لان الجواب لا يقدم عليها وقوله فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا 6 فإنما وقع جوابها بالنفي لان التقدير فلما جاءهم نذير زادهم نفورا أو ازداد نفورهم

تنبيه يختلف المعنى بين تجردها من إن ودخولها عليه وذلك إن من شانها إن تدل على إن الفعل الذي هو ناصبها قد تعلق بعقب الفعل الذي هو خافضته من غير مهلة واذا انفتحت أن بعدها اكدت هذا المعنى وشددته وذكره الزمخشري في كشافه القديم قال ونراه مبنيا في قوله تعالى ولما أن جاءت رسلنا لوطا 7 الآية كأنه قال لما ابصرهم لحقته المساءة وضيق الذرع في بديهة الامر وغرته

الوجه الثالث حرف استثناء كقوله تعالى إن كل نفس لما عليها حافظ 1 على قراة تشديد الميم

وقوله وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا 2 & لما المخففة

مركبة من حرفين اللام وما النافية وسيبويه يجعل ما زائدة والفارسي يجعل اللام وسياتي في حرف الميم

& لن

صيغة مرتجلة للنفي في قول سيبويه ومركبة عند الخليل من لا وان واعترض بتقديم المفعول عليها نحو زيدا لن اضرب وجوابه يجوز في المركبات ما لايجوز في البسائط

وكان ينبغي إن تكون جازمة وقد قيل به إلا إن الاكثر النصب وعلى كل قول فهي لنفي الفعل في المستقبل لانها في النفي نقيضة السين وسوف وان في الاثبات فاذا قلت سافعل أو سوف افعل كان نقيضه لن افعل

وهي في نفي الاستقبال آكد من لا وقوله تعالى فلن أبرح الأرض 1 آكد من قوله لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين 2

وليس معناها النفي على التأييد خلافا لصاحب الانموذج بل إن النفي مستمر في المستقبل إلا إن يطرأ ما يزيله فهي لنفي المستقبل ولم لنفي الماضي وما لنفي الحال

ومن خواصها انها تنفي ما قرب ولايمتد معنى النفي فيها كامتداد معناها وقد جاء في قوله تعالى ولا يتمنونه أبدا 3 بحرف لا في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم يعم الازمنه كانه يقول متى زعموا ذلك لوقت من الاوقات وقيل لهم تمنوا الموت فلا يتمنونه

وقال في البقرة ولن يتمنوه 4 فقصر من صيغة النفي لان قوله تعالى

قل إن كانت لكم الدار الآخرة وليست لن مع كان من صيغ العموم لان كان لا تدخل على حدث وانما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن قصر الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث كأنه يقول إن كان قد وجب لكم الدار الآخرة فتمنوا الموت ثم قال في الجواب ولن يتمنوه فانتظم معنى الآيتين وأما التأبيد فلا يدل على الدوام تقول زيد يصوم ابدا ويصلي ابدا وبهذا يبطل تعلق المعتزلة بان لن تدل على امتناع الرؤية ولو نفي ب لا لكان لهم فيه متعلق اذ لم يخص بالكتاب أو بالسنة وأما الإدراك الذي نفي ب لا فلا يمنع من الرؤية لقول النبي صلى الله عليه وسلم انكم ترون ربكم ولم يقل تدركون ربكم والعرب تنفي المظنون ب لن والمشكوك ب لا

وممن صرح بان التأبيد عبارة عن الزمن الطويل لا عن الذي لا ينقطع ابن الخشاب

وقد سبق مزيد كلام فيها في فصل التاييد وادواته

قيل وقد تاتي للدعاء كما اتت لا لذلك ومنه قوله تعالى قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين 2

ومنعه آخرون لان فعل الدعاء لايسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب والغائب نحو يارب لا عذبت فلانا ونحوه لا عذب الله عمرا

& لكن

للاستدراك مخففه ومثقلة وحقيقته رفع مفهوم الكلام السابق تقول ما زيد شجاع ولكنه غير كريم فرفعت ب لكن ما افهمة الوصف بالشجاعة من ثبوت الكرم له لكونهما كالمتضايفين فان رفعنا ما افاده منطوق الكلام السابق فذاك استثناء وموقع الاستدراك بين متنافيين بوجه ما فلا يجوز وقوعها بين متوافقين وقوله تعالى ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم 1 لكونه جاء في سياق لو ولو تدل على امتناع الشئ لامتناع غيره فدل على إن الرؤية ممتنعة في المعنى فلما قيل ولكن الله سلم علم اثبات ما فهم اثباته اولا وهو سبب التسليم وهو نفي الرؤية فعلم إن المعنى ولكن الله ما أراكهم كثيرا ليسلمكم فحذف السبب واقيم المسبب مقامه

قال ابن الحاجب الفرق بين بل ولكن وان اتفقا في إن الحكم للثاني إن لكن وضعها على مخالفة ما بعدهما لما قبلهما ولا يستقيم تقديره إلا مثبتا لامتناع تقدير النفي في المفرد واذا كان مثبتا وجب إن يكون ما قبله نفيا كقولك ما جاءني زيد لكن عمرو ولو قلت جاءني زيد لكن عمرو لم يجز لما ذكرنا واما بل فللاضراب مطلقا موجبا كان الاول أو منفيا

واذا ثقلت فهي من اخوات إن تنصب الاسم وترفع الخبر ولا يليها الفعل

واما وقوع المرفوع بعدها في قوله تعالى لكن هو الله ربي 2 وهو ضمير الرفع فجوابه انها هنا ليست المثقلة بل هي المخففه والتقدير لكن انا هو الله ربي

ولهذا تكتب في المصاحف بالالف ويوقف عليها بها إلا انهم القوا حركة الهمزة على النون فالتقت النونان فادغمت الاولى في الثانية وموضع انا رفع بالابتداء وهو مبتدأ ثان والله مبتدأ ثالث وربي خبر المبتدأ الثالث والمبتدأ الثالث وخبره خبر الثاني والثاني هو خبر الآول والراجع إلى الاول الياء

ثم المخففه قد تكون مخففه من الثقيلة فهي عاملة وقد تكون غير عاملة فيقع بعدها المفرد نحو ما قام زيد لكن عمرو فتكون عاطفة على الصحيح وان وقع بعدها جملة كانت حرف ابتداء

وقال صاحب البسيط اذا وقع بعدها جملة فهل هي للعطف أو حرف ابتداء قولان كقوله تعالى لكن الله يشهد 1

قال ونظير فائدة الخلاف في جواز الوقف على ما قبلها فعلى العطف لايجوز وعلى كونها حرف ابتداء يجوز

قال واذا دخل عليها الواو انتقل العطف اليها وتجردت للاستدراك

وقال الكسائي المختار عند العرب تشديد النون اذا اقترنت بالواو وتخفيفها اذا لم تقترن بها وعلى هذا جاء اكثر القرآن العزيز كقوله تعالى ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون 2 ولكن أكثرهم لا يعلمون 3 لكن الله يشهد 1 لكن الرسول 4

لكن الذين اتقوا 1 لكن الظالمون اليوم 2

وعلل الفراء ذلك بانها مخففه تكون عاطفة فلا تحتاج إلى واو معها ك بل فاذا كان قبلها واو لم تشبه بل لان بل لا تدخل عليها الواو واما اذا كانت مشدده فانها تعمل عمل إن ولا تكون عاطفة

وقد اختلف القراء في ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله 3 فاكثرهم على تخفيفها ونصب رسول باضمار كان أو بالعطف على أبا أحد

والاول أليق لكن ليست عاطفة لاجل الواو فالأليق لها إن تدخل على الجمل ك بل العاطفة

وقرأ أبو عمرو بتشديدها على انها عاملة وحذف خبرها أي ولكن رسول الله هو أي محمد

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر