علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٨٧ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٣٧٢–٣٨١

وأما في الثالث ففيه ما في الثاني مع زيادة التأكيد الذي تعطيه إن وفيه إشعار بأن زيدا كان حقه إن يجيء وأنه بتركه المجيء قد أغفل حظه فتأمل هذه الفروق وقس عليها نظائر التراكيب في القرآن العزيز فإنها لا تخرج عن واحد من الثلاثة

الثالثة الأكثر في جوابها المثبت اللام المفتوحة للدلالة على إن ما دخلت عليه هو اللازم لما دخلت عليه لو قال تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 1 ففي اللام إشعار بأن الثانية لازمة للأولى

وقوله لو نشاء لجعلناه حطاما 2 ويجوز حذفها لو نشاء جعلناه أجاجا 3

الرابعة يجوز حذف جوابها للعلم وللتعظيم كقوله تعالى لو أن لي بكم قوة 4 وقوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال 5 وهو كثير سبق في باب الحذف على ما فيه من البحث وأما قوله ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام فيحتمل إن يكون جواب لو محذوفا والتقدير لنفدت هذه الأشياء وما نفدت كلمات الله وأن يكون ما نفدت هو الجواب مبالغة في نفي النفاد لأنه إذا كان نفي النفاد لازما على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلاما والبحر مدادا كان لزومه على تقدير عدمها أولى

وقيل تقدر هي وجوابها ظاهرا كقوله تعالى ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق 6 تقديره ولو كان معه آلهة إذا لذهب كل إله

وقوله وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون 7 أي ولو يكون وخططت إذن لارتاب

الوجه الثاني من أوجه لو إن تكون شرطية وعلامتها إن يصلح موضعها إن المكسورة وإنما أقيمت مقامها لأن في كل واحدة منهما معنى الشرط وهي مثلها فيليها المستقبل كقوله تعالى ولو أعجبك حسنهن 1 ولو نشاء لطمسنا 2

وإن كان ماضيا لفظا صرفه للاستقبال كقوله ولو كره المشركون 3

ومنه قوله تعالى ولو كنا صادقين 4 وقوله وليخش الذين لو تركوا من خلفهم 5 فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به 6 ونظائره

قالوا ولولا أنها بمعنى الشرط لما اقتضت جوابا لأنه لا بد لها من جواب ظاهر أو مضمر وقد قال المبرد في الكامل إن تأويله عند أهل اللغة لا يقبل منه إن يفتدى به وهو مقيم على الكفر ولا يقبل إن افتدى به

قالوا وجوابها يكون ماضيا لفظا كما سبق وقوله تعالى ولو سمعوا ما استجابوا لكم 7 ومعنى ويكون باللام غالبا نحو ولو شاء الله لذهب بسمعهم 8

وقد يحذف نحو لو نشاء جعلناه أجاجا 9 ولا يحذف غالبا إلا في صلة نحو وليخش الذين لو تركوا 5 الآية

الثالث لو المصدرية وعلامتها إن يصلح موضعها إن المفتوحة كقوله تعالى يود أحدهم لو يعمر ألف سنة 10

وقوله ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم 1

ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم 2

يود المجرم لو يفتدي 3 أي الافتداء

ولم يذكر الجمهور مصدرية لو وتأولوا الآيات الشريفة على حذف مفعول يود وحذف جواب لو أي يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة ليسر بذلك

وأشكل قول الأولين بدخولها على إن المصدرية في نحو قوله تعالى تود لو أن بينها وبينه 4 والحرف المصدري لا يدخل على مثله

وأجيب بأنها إنما دخلت على فعل محذوف مقدر تقديره يود لو ثبت إن بينها فانتفت مباشرة الحرف المصدري لمثله

وأورد ابن مالك السؤال في فلو أن لنا كرة 5 وأجاب بهذا وبأن هذا من باب تو 4 كيد اللفظ بمرادفه نحو فجاجا سبلا 6

وفي كلا الوجهين نظر أما الأول وهو دخول لو على ثبت مقدرا إنما هو مذهب المبرد وهو لا يراه فكيف يقرره في الجواب

وأما الثاني فليست هنا مصدرية بل للتمني كما سيأتي ولو سلم فإنه يلزم ذلك وصل لو بجملة اسمية مؤكدة ب إن وقد نص ابن مالك وغيره على إن صلتها لا بد إن تكون فعلية بماض أو مضارع

قال ابن مالك وأكثر وقوع هذه بعد ود أو يود أو ما في معناهما من مفهم تمن وبهذا يعلم غلط من عدها حرف تمن لو صح ذلك لم يجمع بينها وبين فعل تمن كما لا يجمع بين ليت وفعل تمن

الرابع لو التي للتمني وعلامتها إن يصح موضعها ليت نحو لو تأتينا فتحدثنا كما تقول ليتك تأتينا فتحدثنا ومنه قوله تعالى فلو أن لنا كرة 1 ولهذا نصب فيكون في جوابها لأنها أفهمت التمني كما انتصب فأفوز 2 في جواب ليت يا ليتني كنت معهم 2

وذكر بعضهم قسما آخر وهو التعليل كقوله ولو على أنفسكم 3

& لولا

مركبة عند سيبويه من لو ولا حكاه الصفار والصحيح أنها بسيطة

ومن التركيب ما يغير ومنه ما لايغير فمما لا يغير لولا ومما يتغير بالتركيب حبذا صارت للمدح والثناء وانفصل ذا عن إن يكون مثنى أو مجموعا أو مؤنثا وصار بلفظ واحد لهذه الأشياء وكذلك هلا زال عنها الاستفهام جملة

ثم هي على أربعة أضرب

الأول حرف امتناع لوجوب وبعضهم يقول لوجود بالدال

قيل ويلزم على عبارة سيبويه في لو إن تقول حرف لما سيقع لانتفاء ما قبله

وقال صاحب رصف المباني ( 1 ) الصحيح إن تفسيرها بحسب الجمل التي تدخل عليها فإن كانت الجملتان بعدها موجبتين فهي حرف امتناع لوجوب نحو لولا زيد لأحسنت إليك فالإحسان امتنع لوجود زيد وإن كانتا منفيتين فحرف وجود لامتناع نحو لولا عدم زيد لأحسنت إليك انتهى

ويلزم في خبرها الحذف ويستغنى بجوابها عن الخبر والأكثر في جوابها المثبت اللام نحو لولا أنتم لكنا مؤمنين 2 فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون 3

وقد يحذف للعلم به كقوله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم 4

وقد قيل في قوله تعالى وهم بها لولا أن رأى برهان ربه 1 لهم بها لكنه امتنع همه بها لوجود رؤية برهان ربه فلم يحصل منه هم البتة كقولك لولا زيد لأكرمتك المعنى إن الأكرام ممتنع لوجود زيد وبه يتخلص من الإشكال الذي يورد وهو كيف يليق به الهم

وأما جوابها إذا كان منفيا فجاء القرآن بالحذف نحو ما زكا منكم من أحد أبدا 2

وهو يرد قول ابن عصفور إن المنفى بما الأحسن باللام

الثاني التحضيض فتختص بالمضارع نحو لولا تستغفرون الله 3

لولا ينهاهم الربانيون والأحبار 4

لولا أخرتني إلى أجل قريب 5

والتوبيخ والتنديم فتختص بالماضي نحو لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء 6

فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا 7

وفي كل من القسمين تختص بالفعل لأن التحضيض والتوبيخ لا يردان إلا على الفعل هذا هو الأصل

وقد جوزوا فيها إذا وقع الماضي بعدها إن يكون تحضيضا أيضا وهو حينئذ يكون قرينة صارفة للماضي عن المضي إلى الاستقبال فقالوا في قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة

1 يجوز بقاء نفر على معناه في المضي فيكون لولا توبيخا ويجوز إن يراد به الاستقبال فيكون تحضيضا

قالوا وقد تفصل من الفعل بإذ وإذا معمولين له وبجملة شرطية معترضة

فالأول ولولا إذ سمعتموه قلتم 2 فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا 3

والثاني والثالث نحو فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين 4 المعنى فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم مؤمنين وحالتكم أنكم شاهدون ذلك ونحن أقرب إلى المحتضر منكم بعلمنا أو بالملائكة ولكنكم لا تشاهدون ذلك ولولا الثانية تكرار للأولى

الثالث للاستفهام بمعنى هل نحو لولا أخرتني إلى أجل قريب 5

لولا أنزل عليه ملك 6

قاله الهروي ولم يذكره الجمهور والظاهر إن الأولى للعرض والثانية مثل لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء 7

الرابع للنفي بمعنى لم نحو قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت 8 أي لم تكن

فلولا كان من القرون من قبلكم 9 أي فلم يكن ذكره ابن فارس في كتاب فقه العربية والهروي في الأزهية

والظاهر إن المراد فهلا ويؤيده أنها في مصحف أبي / < فهلا كانت قرية > / نعم يلزم من ذلك الذي ذكراه معنى المضي لأن اقتران التوبيخ بالماضي يشعر بانتفائه

وقال ابن الشجري هذا يخالف أصح الإعرابين لأن المستثنى بعد النفي يقوى فيه البدل ويجوز فيه النصب ولم يأت في الايتين إلا النصب أي فدل على إن الكلام موجب وجوابه ما ذكرنا من إن فيه معنى النفي

وجعل ابن فارس منه لولا يأتون عليهم بسلطان المعنى اتخذوا من دون الله آلهة ولا يأتون عليه بسلطان

ونقل ابن برجان في تفسيره في أواخر سورة هود عن الخليل إن جميع ما في القرآن من لولا فهي بمعنى هلا إلا قوله في سورة الصافات فلولا أنه كان من المسبحين للبث 2 لأن جوابها بخلاف غيرها

وفيه نظر لما سبق & لوما

هي قريب من لولا كقوله تعالى لو ما تأتينا بالملائكة 3 قال ابن فارس هي بمعنى هلا 4

& لم

نفي للمضارع وقبله ماضيا وتجزمه نحو لم يلد ولم يولد 1 ومن العرب من ينصب بها وعليه قراءة ألم نشرح 2 بفتح الحاء وخرجت على إن الفعل مؤكد بالنون الخفيفة ففتح لها ما قبلها ثم حذفت ونويت

& لما

على ثلاثة اوجه

احدها تدخل على المضارع فتجزمه وتقبله ماضيا ك لم نحو ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم 1 بل لما يذوقوا عذاب 2 أي لم يذوقوه ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم 3 لكنها تفارق لم من جهات

احدها إن لم لنفي فعل و لما لنفي قد فعل فالمنفي بها آكد قال الزمخشري في الفائق لما مركبة من لم وما هي نقيضة قد وتنفى ما تثبته من الخبر المنتظر

وهذا اخذه من أبي الفتح فانه قال اصل لما لم زيدت عليها ما فصارت نفيا تقول قام زيد فيقول المجيب بالنفي لم يقم فان قلت قد قام قال لما يقم لما زاد في الاثبات قد زاد في النفي ما إلا انهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى ولفظ اما المعنى فانها صارت في بعض المواضع ظرفا فقالوا لما قمت قام زيد أي وقت قيامك قام زيد وأما اللفظ فلانه يجوز الوقف عليها دون مجزومها نحو جئتك ولما أي ولما تجئ انتهى

ويخرج من كلامه ثلاثة فروق ماذكرناه اولا وكونها قد تقع اسما هو ظرف وانه يجوز الوقف عليها دون النفي بخلاف لم

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر