علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٨٦ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٣٦٢–٣٧١

& لات

قال سيبويه لات مشبهة ب لميس في بعض المواضع ولم تتمكن تمكنها ولم يستعملوها إلا مضمرا فيها لأنها ك لميس في المخاطبة والإخبار عن غائب ألا ترى أنك تقول ليست وليسوا وعبد الله ليس ذاهبا فتبنى عليها ولات فيها ذلك قال تعالى ولات حين مناص 1 أي ليس حين مهرب

وكان بعضهم يرفع حين لأنها عنده بمنزلة ليس والنصب بها الوجه & لا جرم

جاءت في القرآن في خمسة مواضع متلوة بأن واسمها ولم يجيء بعدها فعل

الأول في هود وثلاثة في النحل والخامس في غافر وفيه فسرها الزمخشري

وذكر اللغويون والمفسرون في معناها أقوالا

أحدها إن لا نافية ردا للكلام المتقدم وجرم فعل معناه حق وأن مع في حيزها فاعل أي حق ووجب بطلان دعوته وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش فقوله تعالى لا جرم معناه أنه رد على الكفار وتحقيق لخسرانهم

الثاني إن لا زائدة وجرم معناه كسب أي كسب عملهم الندامة وما في خبرها على هذا القول في موضع نصب وعلى الأول في موضع رفع

الثالث لا جرم كلمتان ركبتا وصار معناهما حقا وأكثر المفسرين يقتصر على ذلك

والرابع إن معناها لا بد وأن الواقعة بعدها في موضع نصب بإسقاط الخافض & لو

على خمسة أوجه

أحدها لامتناعية واختلف في حقيقتها فقال سيبويه هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره

ومعناه كما قال الصفار أنك إذا قلت لو قام زيد قام عمرو دلت على إن قيام عمرو كان يقع لو وقع من زيد وأما أنه إذا امتنع قيام زيد هل يمتنع قيام عمرو أو يقع القيام من عمرو بسبب آخر فمسكوت عنه لم يتعرض له اللفظ

وقال غيره هي لتعليق ما امتنع بامتناع غيره

وقال ابن مالك هي حرف شرط يقتضى امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه

وهي تسمى امتناعية شرطية ومثاله قوله تعالى ولو شئنا لرفعناه بها 2 دلت على أمرين

أحدهما إن مشيئة الله لرفعه منتفية ورفعه منتف إذ لا سبب لرفعه إلا المشيئة

الثاني استلزام مشيئة الرفع للرفع إذ المشيئة سبب والرفع مسبب وهذا بخلاف

لو لم يخف الله لم يعصه إذ لا يلزم من انتفاء لم يخف انتفاء لم يعص حتى يكون خاف وعصى لأن انتفاء العصيان له سببان خوف العقاب والإجلال وهو أعلى والمراد إن صهيبا لو قدر خلوه عن الخوف لم يعص للإجلال كيف والخوف حاصل

ومن فسرها بالامتناع اختلفوا فقال الأكثرون إن الجزاء وهو الثاني امتنع لامتناع الشرط وهو الأول فامتنع الثاني وهو الرفع لامتناع الأول وهو المشيئة

قال ابن الحاجب ومن تبعه كابن جمعة الموصلي وابن خطيب زملكا امتنع الأول لامتناع الثاني قالوا لأن امتناع الشرط لا يستلزم امتناع الجزاء لجواز إقامة شرط آخر مقامه وأما امتناع الجزاء فيستلزم امتناع الشرط مطلقا

وذكروا إن لها مع شرطها وجوابها أربعة أحوال

أحدهاا إن تتجرد من النفي نحو لو جئتني لأكرمتك وتدل حينئذ على انتفاء الأمرين وسموها حرف وجوب لوجوب ومنه قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا 1

ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة 2

وقوله أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين 3 أي ما هداني بدليل قوله بعده بلى قد جاءتك آياتي 3 لأن بلى جواب للنفي

وثانيها إذا اقترن بها حرف النفي تسمى حرف امتناع لامتناع نحو لو لم تكرمني لم أكرمك فيقتضي ثبوتهما لأنهما للامتناع فإذا اقترن بهما حرف نفي سلب عنهما الامتناع فحصل الثبوت لأن سلب السلب إيجاب

ثالثها إن يقترن حرف النفي بشرطها دون جوابها وهي حرف امتناع لوجوب نحو لو تكرمني أكرمتك ومعناه عند الجمهور انتفاء الجزاء وثبوت الشرط

رابعها عكسه وهو حرف وجوب لامتناع نحو لو جئتني لم أكرمك فيقتضي ثبوت الجزاء وانتفاء الشرط ومنه قوله تعالى ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء 1

واعلم إن تفسير سيبويه لها مطرد في جميع مواردها ألا ترى إن مفهوم الآية 2 عدم نفاذ كلمات الله مع فرض شجر الأرض أقلاما والبحر ممدودا بسبعة أبحر مدادا ولا يلزم إلا يقع عدم نفاذ الكلمات إذا لم يجعل الشجر أقلاما والبحر مدادا

وكذا في نعم العبد صهيب فإن مفهومه إن عدم العصيان كان يقع عند عدم الخوف ولا يلزم إلا يقع عدم العصيان إلا عند الخوف وهكذا الباقي

وأما تفسير من فسرها بأنها حرف امتناع لامتناع وذكر لها هذه الأحوال الأربعة فلا يطرد وذلك لتخلف هذا المعنى في بعض الموارد وهو كل موضوع دل الدليل فيه على إن الثاني ثابت مطلقا إذ لو كان منفيا لكان النفاد حاصلا والعقل يجزم بأن الكلمات إذا لم تنفد مع كثرة هذه الأمور فلأن تنفد مع قلتها وعدم بعضها أولى

وكذا قوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا 3

وكذا قوله ولو أسمعهم لتولوا 4 فإن التولي عند عدم الإسماع أولى

وأما قوله نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه فنفي العصيان ثابت إذ لو انتفى نفي العصيان لزم وجوده وهو خلاف ما يقتضيه سياق الكلام في المدح

ولما لم يطرد لهم هذا التفسير مع اعتقادهم صحته اختلفوا في تخريجها على طرق

الأول دعوى أنها في مثل هذه المواضع أعنى الثابت فيها الثاني دائما إنما جاءت لمجرد الدلالة على ارتباط الثاني بالأول لا للدلالة على الامتناع وضابطها ما يقصد به الدلالة على مجرد الارتباط دون امتناع كل موضع قصد فيه ثبوت شيء على كل حال فيربط ذلك الشيء بوجود أحد النقيضين لوجوده دائما ثم لا يذكر إذ ذاك إلا النقيض الذي يلزم من وجود ذلك الشيء على تقدير وجود النقيض الاخر فعدم النفاد في الآية الكريمة واقع على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلام وكون البحر مد من سبعة أبحر فعدم النفاد على تقدير انتفاء كون هذين الأمرين أولى وكذا عدم عصيان صهيب واقع على تقدير عدم خوفه فعدم عصيانه على تقدير وجود الخوف أولى وعلى هذا يتقرر جميع ما يرد عليك من هذا الباب

والتحقيق أنها تفيد امتناع الشرط كما سبق من الآيات الشريفة وتحصل أنها تدل على أمرين

أحدهما امتناع شرطها والاخر بكونه مستلزما لجوابها ولا يدل على امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته فإذا قلت لو قام زيد لقام عمرو فقيام زيد محكوم بانتفائه فيما مضى ويكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام عمرو وهل لقيام عمرو وقت آخر غير اللازم عن قيام زيد أو ليس له لا يعرض في الكلام لذلك ولكن الأكثر كون الثاني والأول غير واقعين

وقد سلب الإمام فخر الدين الدلالة على الامتناع مطلقا وجعلها لمجرد الربط واحتج بقوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا 1 قال

فلو أفادت لو انتفاء الشيء لانتفاء غيره لزم التناقض لأن قوله ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم يقتضى أنه ما علم فيهم خيرا وما أسمعهم وقوله ولو أسمعهم لتولوا يفيد أنه تعالى ما أسمعهم ولا تولوا لكن عدم التولي خير فيلزم إن يكون وما علم فيهم خيرا

قال فعلمنا إن كلمة لو لا تفيد إلا الربط هذا كلامه

وقد يمنع قوله إن عدم التولي خير فإن الخير إنما هو عدم التولي بتقدير حصول الإسماع والفرض إن الإسماع لم يحصل فلا يكون عدم التولي على الإطلاق خيرا بل عدم التولي المرتب على الإسماع

الطريق الثاني إن قولهم لامتناع الشيء لامتناع غيره معناه إن ما كان جوابا لها كان يقع لوقوع الأول فلما امتنع الأول امتنع إن يكون الثاني واقعا لوقوعه فإن وقع فلأمر آخر وذلك لا ينكر فيها ألا ترى أنك إذا قلت لو قام زيد قام عمرو دل ذلك على امتناع قيام عمرو الذي كان يقع منه لو وقع قيام زيد لا على امتناع قيام عمرو لسبب آخر وكذلك لو لم يخف الله لم يعصه امتنع عدم العصيان الذي كان سيقع عند عدم الخوف لو وقع ولا يلزم امتناع عدم العصيان عند وجود الخوف

الثالث إن تحمل لو فيما جاء من ذلك على أنها محذوفة الجواب فيكون قوله ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام معناه لو كان هذا لتكسرت الأشجار وفنى المداد ويكون قوله ما نفذت مستأنف أو على حذف حرف العطف أي وما نفدت

الرابع إن تحمل لو في هذه المواضع على التي بمعنى إن قال أبو العباس لو أصلها في الكلام إن تدل على وقوع الشيء لوقوع غيره تقول لو جئتني لأعطيتك ولو كان زيد هناك لضربتك ثم تتسع فتصير في معنى إن الواقعة للجزاء تقول أنت لا

تكرمني ولو أكرمتك تريد وإن قال تعالى وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين 1

وقوله فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به 2 تأويله عند أهل اللغة لا يقبل إن يتبرر به وهو مقيم على الكفر ولا يقبل وإن افندى به

فإن قيل كيف يسوغ هذا في قوله ولو أنما في الأرض فإن إن الشرطية لا يليها إلا الفعل وإن المشددة مع ما عملت فيه اسم فإذا كانت لو بمنزلة إن فينبغي ألا تليها

أجاب الصفار بأنه قد يلي إن الاسم في اللفظ فأجاز ذلك في إن نفسها فأولى إن يجوز في لو المحمولة عليها وكما جاز ذلك في لو قبل خروجها إلى الشرط مع أنها من الحروف الطالبة للأفعال

قال والدليل على إن لو في الآيتين السابقين بمعنى إن إن الماضي بعدها في موضع المستقبل ولو الامتناعية تصرف معنى المستقبل إلى الماضي فإن المعنى وإن يفتد به

واعلم إن ما ذكرناه من أنها تقتضي امتناع ما يليها أشكل عليه قوله تعالى ولو كنا صادقين فإنهم لم يقروا بالكذب

وأجيب بوجهين أحدهما أنها بمعنى إن والثاني قاله الزمخشري أنه على الفرض أي ولو كنا من أهل الصدق عندك

وقال الزمخشري فيما أفرده على سورة الحجرات لو تدخل على جملتين فعليتين تعلق ما بينهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ولما لم تكن مخلصة بالشرط كان ولا عاملة مثلها

وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في مضموني جملتها إن الثاني امتنع لامتناع الأول وذلك إن تكسو الناس فيقال لك هلا كسوت زيدا فتقول لو جاءني زيد لكسوته افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على التعليق فزيدت اللام ولم تفتقر إلى مثل ذلك إن لعملها في فعلها وخلوصها للشرط

ويتعلق لو الامتناعية مسائل

الأولى إنها كالشرطية في 1 اختصاصها بالفعل فلا يليها إلا فعل أو معمول فعل يفسره ظاهر بعده كقوله تعالى قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي 2 حذف الفعل فانفصل الضمير

وانفردت لو بمباشرة إن كقوله تعالى ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم 3 وهو كثير

واختلف في موضع إن بعد لو فقال سيبويه في موضع رفع بالابتداء واختلف عنه في الخبر فقيل محذوف وقيل لا يحتاج إليه

وقال الكوفيون فاعل بفعل مقدر تقديره ولو ثبت أنهم وهو أقيس لبقاء الاختصاص

الثانية قال الزمخشري يجب كون خبر إن الواقعة بعد لو فعلا ليكون عوضا عن الفعل المحذوف

وقال أبو حيان هو وهم وخطأ فاحش قال الله تبارك وتعالى ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام وكذا رده ابن الحاجب وغيره بالآية وقالوا إنما ذاك في الخبر المشتق لا الجامد كالذي في الآية

وأيد بعضهم كلام الزمخشري بأنه إنما جاء من حيث إن قوله والبحر يمده لما التبس بالعطف بقوله أنما في الأرض من شجرة أقلام صار خبر الجملة المعطوفة وهو يمده كأنه خبر الجملة المعطوف عليها لالتباسها بها

قال الشيخ في المغنى وقد وجدت آية في التنزيل وقع فيها الخبر مشتقا ولم يتنبه لها الزمخشري كما لم يتنبه لآية لقمان ولا ابن الحاجب وإلا لمنع ذلك ( 1 )

قلت وهذا عجيب فإن لو في الآية للتمني والكلام في الامتناعية بل أعجب من ذلك كله إن مقالة الزمخشري سبقه إليها السيرافي وهذا الاستدراك وما استدرك به منقول قديما في شرح الإيضاح لابن الخباز لكن في غير مظنته فقال في باب إن وأخواتها قال السيرافي تقول لو إن زيدا أقام لأكرمته ولا تجوز لو أن زيدا حاضر لأكرمته لأنك لم تلفظ بفعل يسد مسد ذلك الفعل

هذا كلامهم وقد قال الله تعالى وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب 2 فأوقع خبرها صفة ولهم إن يفرقوا بأن هذه للتمني فأجريت مجرى ليت كما تقول ليتهم بادون انتهى كلامه & تنبيه

ذكر الزمخشري بعد كلامه السابق في سورة الحجرات سؤالا وهو ما الفرق بين قولك لو جاءني زيد لكسوته ونظيره قوله تعالى لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى 3 وبين قوله لو زيد جاءني لكسوته ومنه قوله تعالى قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي

1 وبين قوله لو إن زيدا جاءني لكسوته ومنه قوله تعالى ولو أنهم صبروا 2

وأجاب بأن القصد في الأول إن الفعلين تعليق أحدهما بصاحبه لا غير من غير تعرض لمعنى زائد على التعليق الساذج على الوجه الذي بينته وهو المعنى في الآية الأولى لأن الغرض نفي إن يتخذ الرحمن ولدا وبيان تعاليه عن ذلك وليس لأداء هذا الغرض إلا تجديد الفعلين للتعلق دون أمر زائد عليه وأما في الثاني فقد انضم إلى التعليق بأحد معنيين إما نفي الشك أو الشبهة إن المذكور الذي هو زيد مكسو لا محالة لو وجد منه المجيء ولم يمتنع وإما بيان أنه هو المختص بذلك دون غيره وقوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك محتمل المعنيين جميعا أعنى أنهم لا محالة يمكون وأنهم المخصوصون بالإمساك لو ملكوا إشارة إلى إن الإله الذي هو مالكها وهو الله الذي وسعت رحمته كل شيء لا يمسك

فإن قلت لو لا تدخل إلا على فعل وأنتم ليس بمرفوع بالابتداء ولكن ب تملك مضمرا وحينئذ فلا فرق بين لو تملكون وبين لو أنتم تملكون لمكان القصد إلى الفعل في الموضعين دون الاسم وإنما يسوغ هذا الفرق لو ارتفع بالابتداء

قلت التقدير وإن كان على ذلك إلا أنه لما كان تمثيلا لا يتكلم به ينزل الاسم في الظاهر منزلة الشيء تقدم لأنه أهم بدليل لو ذات سوار لطمتني في ظهور قصدهم إلى الاسم لكنه أهم فيما ساقه المثل لأجله

وكذا قوله وإن أحد من المشركين استجارك 3 وإن كان أحد مرفوعا بفعل مضمر في التقدير

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر