الجزء ٤ — ص ٣٢٢–٣٣١
أو معنى نحو فكلا أخذنا بذنبه 1 فراعى لفظها وقال وكل أتوه داخرين 2 فراعى المعنى
وقد اجتمع مراعاة اللفظ والمعنى في قوله تعالى إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا 3 هذا إذا جعلنا من موصولة فإن جعلناها نكرة موصوفة خرجت من هذا القسم إلى الأول
الثالث إن تقطع عن الإضافة لفظا فيجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها
فمن الأول كل آمن بالله 4 قل كل يعمل على شاكلته 5 إن كل إلا كذب الرسل 6 ولم يقل كذبوا فكلا أخذنا بذنبه 7
ومن الثاني وكل كانوا ظالمين 8 كل في فلك يسبحون 9 كل له قانتون 10 وكل أتوه داخرين 11
قال أبو الفتح وعلته إن أحد الجمعين عندهم كان عن صاحبه فإن لفظ كل للأفراد ومعناها الجمع وهذا يدل على أنهم قدروا المضاف إليه المحذوف في الموضعين جمعا فتارة روعى كما إذا صرح به وتارة روعى لفظ كل وتكون حالة الحذف مخالفة لحال الإثبات
قيل ولو قال قائل حيث أفرد يقدر الحذف مفردا وحيث جمع يقدر جمعا فيقدر في قوله فكلا أخذنا بذنبه 1 كل واحد ويقدر في قوله وكل أتوه داخرين 2 كل نوع مما سبق لكان موافقا إذا أضيف لفظا إلى نكرة
وما ذكروه يقتضى إن تقديره وكلهم آتوه وكلا التقديرين سائغ والمراد الجمع
ويتعين في قوله تعالى كل في فلك يسبحون 3 إن كلا من الشمس والقمر والليل والنهار لايصح وصفه بالجمع وقد قدر الزمخشري كل يعمل على شاكلته 4 كل أحد وهو يساعد ما ذكرناه
وما ذكرناه في هذه الحالة هو المشهور
وقال السهيلي السهيلي في نتاج الفكر إذا قطعت كل عن الإضافة فيجب إن يكون خبرها جمعا لأنها أسم في معنى الجمع تقول كل ذاهبون إذا تقدم ذكر قوم وأجاب عن إفراد الخبر في الآيات السابقة بأن فيها قرينة تقتضي تحسين المعنى بهذا اللفظ دون غيره
أما قوله كل يعمل على شاكلته فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين مؤمنين وظالمين فلو جمعهم في الأخبار وقال كل يعملون لبطل معنى الاختلاف وكان لفظ الإفراد أدل على المراد والمعنى كل فريق يعمل على شاكلته
وأما قوله إن كل إلا كذب الرسل فلأنه ذكر قرونا وأمما وختم ذكرهم بقوم تبع فلو قال كل كذبوا لعاد إلى أقرب مذكور فكان يتوهم إن الأخبار عن قوم تبع خاصة فلما قال إن كل إلا كذب علم أنه يريد كل فريق منهم كذب لأن إفراد الخبر عن كل حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى
مسألة
وتتصل ما ب كل نحو كلما رزقوا منها 1 وهي مصدرية لكنها نائبة بصلتها عن ظرف زمان كما ينوب عنه المصدر الصريح والمعنى كل وقت
وهذه تسمى ما المصدرية الظرفية أي النائبة عن الظرف لا أنها ظرف في نفسها ف كل من كلما منصوب على الظرفية لإضافته إلى شيء هو قائم مقام الظرف
ثم ذكر الفقهاء والأصوليون إن كلما للتكرار قال الشيخ أبو حيان وإنما ذلك من عموم ما لأن الظرفية مراد بها العموم فإذا قلت أصحبك ما ذر لله شارق فإنما تريد العموم ف كل أكدت العموم الذي أفادته الظرفية لا إن لفظ كلما وضع للتكرار كما يدل عليه كلامهم وإنما جاءت كل توكيدا للعموم المستفاد من ما الظرفية انتهى
وقوله إن التكرار من عموم ما ممنوع فإن ما المصدرية لا عموم لها ولا يلزم من نيابتها عن الظرف دلالتها وإن استفيد عموم في مثل هذا الكلام فليس من ما إنما هو من التركيب نفسه
وذكر بعض الأصوليين أنها إذا وصلت ب ما صارت أداة لتكرار الأفعال وعمومها قصدي وفي الأسماء ضمنى قال تعالى كلما نضجت جلودهم 2 وإذا جردت من لفظ ما انعكس الحكم وصارت عامة في الأسماء قصدا وفي الأفعال ضمنا
ويظهر الفرق بينهما في قوله كل أمرأة أتزوجها فهي طالق تطلق كل امرأة يتزوجها وتكون عامة في جميع النساء لدخولها على الأسم وهو قصدي ولو تزوج امرأة ثم تزوجها مرة أخرى لم تطلق في الثانية لعدم عمومها قصدا في الأسماء ولو قال كلما تزوجت امرأة فهى طالق فتزوج امرأة مرارا طلقت في كل مرة لاقتضائها عموم الأفعال قصدا وهو التزوج & مسألة
ويأتي كل صفة ذكره سيبويه في باب النعت قال ومن الصفة أنت الرجل كل الرجل ومررت بالرجل كل الرجل
قال الصفار هذا يكون عند قصد التأكيد والمبالغة فإن قولك الرجل معناه الكامل ومعنى كل الرجل أي هو الرجل لعظمته قد قام مقام الجنس كما تقول أكلت شاة كل شاة وإليه اشار بقوله صلى الله عليه وسلم كل الصيد في جوف الفرا أي إن من صاده فقد صاد جميع الصيد لقيامه مقامه لعظمته قال وهذا إنما يجوز إذا سبقها ما فيه رائحة الصفة كما ذكرنا فلو كان جامدا لم يجز نحو مررت بعيد الله كل الرجل لا يفهم من عبد الله شيء
& كلا وكلتا
هما توكيد الاثنين وفيهما معنى الإحاطة ولهذا قال الراغب هي في التثنية ككل في الجمع ومفرد اللفظ مثنى المعنى عبر عنه مرة بلفظة ومرة بلفظ الاثنين إعتبارا بمعناه قال تعالى إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما 1
قلت لا خلاف إن معناها التثنية واختلف في لفظها فقال البصريون مفردة وقال الكوفيون تثنية
والصحيح الأول بدليل عود الضمير إليها مفردا في قوله كلتا الجنتين آتت 2 فالإخبار عن كلتا بالمفرد دليل على أنها مفرد إذ لو كان مثنى لقال آتتا ودليل إضافتها إلى المثنى في قوله أحدهما أو كلاهما 1 ولو كان مثنى لم يجز إضافته إلى التثنية لأنه لا يجوز إضافة الشيء إلى نفسه والفصيح مراعاة اللفظ لأنه الذي ورد به القرآن فيقال كلا الرجلين خرج وكلتا المرأتين حضرت
وقد نازع بعض المتأخرين وقال ليس معناه التثنية على الإطلاق كما ذكره النحاة ولو كان كذلك لكثرة مراعاة المعنى كما كثرة مراعاته في من و ما الموصولتين لكن أكثر ما جاء في لسان العرب عود الضمير مفردا كلتا الجنتين آتت 2 وما جاء فيه مراعاة المعنى في غاية القلة
قال فالصواب إن معناها مفرد صالح لكل من الأمرين المضاف إليهما وأما مراعاة التثنية فيه فعلى سبيل التوسع ووجه التوسع إن كل فرد في جانب الثبوت معه غيره
فجاءت التثنية بهذا الاعتبار فالإفراد فيه مراعاة المعنى واللفظ والتثنية مراعاة المعنى من بعض الوجوه & فائدة
وقع في شعر أبي تمام كلا الآفاق وخطأه المعرى لأن كلا يستعمل في الاثنين لا الجمع
قال ولم يأت في المسموع كلا القوم ولا كلا الأصحاب وإنما يقال كلا الرجلين ونحوه فإن أخذ من الكلأ من قولك كلأت الشيء إذا رعيته وحفظته فالمعنى يصح إلا إن المتكلم يقصر وهي ممدودة
كم
نكرة لا تتعرف لأنها مبهمة في العدد ك أين في الأمكنة و متى في الأزمنة و كيف في الأحوال
وقول سيبويه كم أرضك جريبا كم مبتدأ و ارضك مبني عليه مجاز ليس بحقيقة وإنما أرضك مبتدأ و كم الخبر مثل كيف زيد
وهي قسمان
استفهامية تحتاج إلى جواب بمعنى أي عدد فينصب ما بعدها نحو كم رجلا ضربت
وخبرية لا تحتاج إلى جواب بمعنى عدد كثير فيجر ما بعدها نحو كم عبد ملكت
وقد تدخل عليها من كقوله وكم من قرية أهلكناها 1 وكم قصمنا من قرية 2
وليست الاستفهامية أصلا للخبرية خلافا للزمخشري حيث ادعى ذلك في سورة يس عند الكلام على ألم يروا كم أهلكنا 3
ولم تستعمل الخبرية غالبا إلا في مقام الافتخار والمباهاة لأن معناها التكثير
ولهذا ميزت بما يميز العدد الكثير وهو مائة وألف فكما إن مائة تميز بواحد مجرور فكذلك كم
وأعلم إن كم مفردة اللفظ ومعناها الجمع فيجوز في ضميرها الأمران بالاعتبارين قال تعالى وكم من ملك في السماوات 1 ثم قال لا تغني شفاعتهم فأتى به جمعا وقال وكم من قرية أهلكناها 2 ثم قال أو هم قائلون 2
كيف
استفهام عن حال الشيء لا عن ذاته كما إن ما سؤال عن حقيقته ومن عن مشخصاته ولهذا لا يجوز إن يقال في الله كيف
وهي مع ذلك منزلة منزلة الظرف فإذا قلت كيف زيد كان زيد مبتدأ و كيف في محل الخبر والتقدير على أي حال زيد
هذا أصلها في الوضع لكن قد تعرض لها معان تفهم من سياق الكلام أو من قرينة الحال مثل معنى التنبيه والاعتبار وغيرهما
وقال بعضهم لها ثلاثة أوجه
أحدها سؤال محض عن حال نحو كيف زيد
وثانيها حال لا سؤال معه كقولك لأكرمنك كيف أنت أي على أي حال كنت
ثالثها معنى التعجب
وعلى هذين تفسير قوله تعالى كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم 1 قال الراغب في تفسيره كيف هنا استخبار لا استفهام والفرق بينهما إن الاستخبار قد يكون تنبيها للمخاطب وتوبيخا ولا يقتضى عدم المستخبر والاستفهام بخلاف ذلك
وقال في المفردات كل 2 ما أخبر الله بلفظ كيف عن نفسه فهو إخبار على طريق التنبيه للمخاطب أو توبيخ نحو كيف تكفرون
كيف يهدي الله قوما 1
كيف يكون للمشركين عهد 2 انظر كيف ضربوا لك الأمثال 3
فانظروا كيف بدأ الخلق 4 أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده 5
وقال غيره قد تأتي للنفي والإنكار كقوله كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله 6 كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم 7
ولتضمنها معنى الجحد شاع إن يقع بعدها إلا كقوله إلا الذين عاهدتم 8
وللتوبيخ كقوله وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله 9 كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم 10
وللتحذير كقوله فانظر كيف كان عاقبة مكرهم 11
وللتنبيه والاعتبار كقوله انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض 12
وللتأكيد وتحقيق ما قبلها كقوله وانظر إلى العظام كيف ننشزها 13
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر