الجزء ٤ — ص ٣١٢–٣٢١
قال ابن فارس سمعت بعض أهل القرية يقول ما أعلم كلمة تثبت فيها النون خطا غيره هذه ( 1 ) & كاد
بمعنى قارب وسبقت في مباحث الأفعال
& كلا
قال سيبويه حرف ردع وزجر
قال الصفار إنها تكون اسما للرد إما لرد ما قبلها وإما لرد ما بعدها كقوله تعالى كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون 1 هي رد لما قبلها لأنه لما قال ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر 2 كان إخبارا بأنهم لا يعلمون الآخرة ولا يصدقون بها فقال كلا سوف تعلمون فلا يحسن الوقف عليها هنا إلا لتبيين ما بعدها ولو لم يفتقر لما بعدها لجاز الوقف
وقوله يحسب أن ماله أخلده كلا 3 هي رد لما قبلها فالوقف عليها حسن انتهى
وقال ابن الحاجب شرطه إن يتقدم ما يرد بها ما في غرض المتكلم سواء كان من كلام غير المتكلم على سبيل الحكاية أو الإنكار أو من كلام غيره
كقوله تعالى كلا 4 بعد قوله يقول الإنسان يومئذ أين المفر 4
وكقوله تعالى قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا 5
وكقولك أنا أهين العالم كلا انتهى
وهي نقيض إي في الإثبات كقوله كلا لا تطعه 1
وقوله أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا 2
وقوله واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا 3
وتكون بمعنى حقا صلة لليمين كقوله كلا والقمر
كلا إذا دكت الأرض دكا دكا 5
وقوله كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون 6 كلا إن كتاب الفجار لفي سجين 7 كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين 8
وأما قوله يحسب أن ماله أخلده كلا 9 فيحتمل الأمرين
وقد اختلف القراء في الوقف عليها
فمنهم من يقف عليها أينما وقعت وغلب عليها معنى الزجر
ومنهم من يقف دونها أينما وقعت ويبتدىء بها وغلب عليها معنى الزجر
ومنهم من يقف دونها أينما وقعت ويبتدىء بها وغلب عليها إن تكون لتحقيق ما بعدها
ومنهم من نظر إلى المعنيين فيقف عليها إذا كانت بمعنى الردع ويبتدىء بها إذا كانت بمعنى التحقيق وهو أولى
ونقل ابن فارس عن بعضهم إن ذلك و هذا نقيضان ل لا وأن كذلك نقيض 1 ل كلا كقوله تعالى ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم 2 على معنى ذلك كما قلنا وكما فعلنا
ومثله هذا وإن للطاغين لشر مآب 3
قال ويدل على هذا المعنى دخول الواو بعد قوله ذلك و هذا لأن ما بعد الواو يكون معطوفا 4 على ما قبله بها وإن كان مضمرا وقال تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة 5 ثم قال كذلك أي كذلك فعلنا ونفعله من التنزيل وهو كثير ( 6 )
وقيل إنها إذا كانت بمعنى لا فإنها تدخل على جملة محذوفة فيها نفي لما قبلها والتقدير ليس الأمر كذلك وهي على هذا حرف دال على هذا المعنى ولا تستعمل عند خلاف النحويين بهذا المعنى إلا في الوقف عليها ويكون زجرا وردا أو إنكارا لما قبلها وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش والمبرد والزجاج وغيرهم لأن فيها معنى التهديد والوعيد ولذلك لم تقع في القرآن إلا في سورة مكية لأن التهديد والوعيد أكثر ما نزل بمكة لأن أكثر عتو المشركين وتجبرهم بمكة فإذا رأيت سورة فيها كلا فأعلم أنها مكية
وتكون كلا بمعنى حقا عند الكسائي فيبتدأ بها لتأكيد ما بعدها فتكون في موضع المصدر ويكون موضعها نصبا على المصدر والعامل محذوف أي أحق ذلك حقا
ولا تستعمل بهذا المعنى عند حذاق النحويين إلا إذا ابتدىء بها لتأكيد ما بعدها
وتكون بمعنى إلا فيستفتح بها الكلام وهي على هذا حرف وهذا مذهب أبي حاتم واستدل على أنها للاستفتاح أنه روى إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بخمس آيات من سورة العلق ولما قال علم الإنسان ما لم يعلم 1 طوى النمط فهو وقف صحيح ثم لما نزل بعد ذلك كلا إن الإنسان ليطغى 2 فدل على إن الابتداء ب كلا من طريق الوحي فهي في الابتداء بمعنى ألا عنده
فقد حصل ل كلا معاني النفي في الوقف عليها و حقا و إلا في الابتداء بها
وجميع كلا في القرآن ثلاثة وثلاثون موضعا في خمس عشرة سورة ليس في النصف الأول من ذلك شيء
وقوله تعالى كلا إنها كلمة هو قائلها 3 على معنى إلا واختار قوم جعلها بمعنى حقا وهو بعيد لأنه يلزم فتح إن بعدها ولم يقرأ به أحد
كل
اسم وضع لضم أجزاء الشيء على جهة الإحاطة من حيث كان لفظه مأخوذا من لفظ الإكليل و الكلة والكلالة مما هو للإحاطة بالشيء وذلك ضربان أحدهما انضمام لذات الشيء وأحواله المختصة به وتفيد معنى التمام كقوله تعالى ولا تبسطها كل البسط 1 أي بسطا تاما
فلا تميلوا كل الميل 2 ونحوه
والثاني انضمام الذوات وهو المفيد للاستغراق
ثم إن دخل على منكر أوجب عموم افراد المضاف إليه أو على معرف أوجب عموم أجزاء ما دخل عليه
وهو ملازم للأسماء ولا يدخل على الأفعال
وأما قوله تعالى وكل أتوه داخرين 3 فالتنوين بدل من المضاف أي كل واحد
وهو لازم للإضافة معنى ولا يلزم إضافته لفظا إلا إذا وقع تأكيدا أو نعتا وإضافته منوية عند تجرده منها
ويضاف تارة إلى الجمع المعرف نحو كل القوم ومثله اسم الجنس نحو كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل 4 وتارة إلى ضميره نحو وكلهم آتيه يوم القيامة فردا
1 فسجد الملائكة كلهم أجمعون 2 ليظهره على الدين كله 3
وإلى نكرة مفردة نحو وكل إنسان ألزمناه طائره 4 والله بكل شيء عليم 5 كل نفس بما كسبت رهينة 6
وربما خلا من الإضافة لفظا وينوي فيه نحو كل في فلك يسبحون 7 وكل أتوه داخرين 8 وكلهم آتيه يوم القيامة فردا 1 كلا هدينا 9 كل من الصابرين 10 وكلا ضربنا له الأمثال 11
وهل تنوينه حينئذ عوض أو تنوين صرف قولان
قال أبو الفتح وتقديمها أحسن من تأخيرها لأن التقدير كلهم فلو أخرت لباشرت العوامل مع أنها في المعنى منزلة منزلة مالايباشره فلما تقدمت أشبهت المرتفعة بالابتداء في إن كلا منهما لم يل عاملا في اللفظ وأما كل المؤكد بها فلازمة للإضافة
وتحصل لها ثلاثة أحوال
مؤكدة ومبتدأ بها مضافة ومقطوعة عن الإضافة
فأما المؤكدة فالأصل فيها إن تكون توكيدا للجملة أو ما هو في حكم الجملة مما يتبعض لأن موضوعها الإحاطة كما سبق
وأما المضافة غير المؤكدة فالأصل فيها إن تضاف إلى النكرة الشائعة في الجنس لأجل
معنى الإحاطة وهو إنما ما يطلب جنسا يحيط به فإن أضفته إلى جملة معرفة نحو كل إخوتك ذاهب قبح إلا في الابتداء إلا أنه إذا كان مبتدأ وكان خبره مفردا تنبيها على إن اصله الإضافة للنكرة لشيوعها
فإن لم يكن مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة نحو ضربت كل إخوتك وضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله لأنك لم تضفه إلى جنس ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس معرف بالألف واللام حسن ذلك كقوله تعالى فأخرجنا به من كل الثمرات 1 لأن الألف واللام للجنس ولو كانت للعهد لم يحسن لمنافاتها معنى الإحاطة
ويجوز إن يؤتى بالكلام على أصله فتؤكد الكلام ب كل فتقول خذ من الثمرات كلها
فإن قيل فإذا استوى الأمران في قوله كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها فما الحكمة في اختصاص أحد الجائزين في نظم القرآن دون الآخر
قال السهيلي في النتائج ( 2 ) له حكمة وهو إن من في الآية لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف وإنما يريد الثمرات أنفسها لأنه أخرج منها شيئا وأدخل من لبيان الجنس كله ولو قال أخرجنا به من الثمرات كلها لقيل أي شيء أخرج منها وذهب التوهم إلى إن المجرور في موضع ظرف وأن مفعول أخرجنا فيما بعد وهذا يتوهم مع تقدم كل لعلم المخاطبين إن كلا
إذا تقدمت اقتضت الإحاطة بالجنس وإذا تأخرت اقتضت الإحاطة بالمؤكد بتمامه جنسا شائعا كان أو معهودا
وأما قوله تعالى ثم كلي من كل الثمرات 1 ولم يقل من الثمرات كلها ففيه الحكمة السابقة وتزيد فائدة وهي أنه تقدمها في النظم ومن ثمرات النخيل والأعناب 2 الآية
فلو قال بعدها ثم كلي من الثمرات كلها لأوهم أنها للعهد المذكور قبله فكان الابتداء ب كل أحضر للمعنى وأجمع للجنس وأرفع للبس
وأما المقطوع عن الإضافة فقال السهيلي حقها إن تكون مبتدأة مخبرا عنها أو مبتدأة منصوبة بفعل بعدها لا قبلها أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها كقولك كلا ضربت وبكل مررت فلا بد من مذكورين قبلها لأنه إن لم يذكر قبلها جملة ولا أضيفت إلى جملة بطل معنى الإحاطة فيها ولم يعقل لها معنى
واعلم إن لفظ كل لأفراد التذكير ومعناه بحسب ما يضاف إليه والأحوال ثلاثة
فالأول إن يضاف إلى نكرة فيجب مراعاة معناها فلذلك جاء الضمير مفردامذكرا في قوله تعالى وكل شيء فعلوه في الزبر 3 وكل إنسان ألزمناه 4 ومفردا مؤنثا في قوله كل نفس بما كسبت رهينة 5 كل نفس ذائقة الموت 6
ومجموعا مذكرا في قوله كل حزب بما لديهم فرحون 1 في معنى الجمع لأنه اسم جمع
وما ذكرناه من وجوب مراعاة المعنى مع النكرة دون لفظ كل قد أوردوا عليه نحو قوله تعالى وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه 2 وقوله وعلى كل ضامر يأتين 3 وقوله وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى 4
وأجيب بأن الجمع في الأولى باعتبار الأمة
وكذلك في الثانية فإن الضامر اسم جمع كالجامل والباقر
وكذلك في الثالثة إنما عاد الضمير إلى الجمع المستفاد من الكلام فلا يلزم عوده إلى كل
وزعم الشيخ أثير الدين في تفسيره ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله 5 ثم قال أولئك لهم عذاب مهين أنه مما روعي فيه المعنى بهذا اللفظ
وليس كذلك فإن الضمير لم يعد إلى كل بل على الأفاكين الدالة عليه كل أفاك
وايضا فهاتان جملتان والكلام في الجملة الواحدة
الثاني إن تضاف إلى معرفة فيجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها سواء كانت الإضافة لفظا نحو وكلهم آتيه يوم القيامة فردا 6 فراعى لفظ كل
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ولم يقل راعون ولا مسئولون
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر