علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٨٣ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٣٣٢–٣٤١

وقوله فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد 1 فإنه توكيد لما تقدم وتحقيق لما بعده على تأويل إن الله لا يظلم الناس شيئا في الدنيا فكيف في الآخرة

وللتعيظم والتهويل فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد 1 أي فكيف حالهم إذا جئنا وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس

وقيل وتجيء مصدرا كقوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل 2 فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها 3

وتأتي ظرفا قول سيبويه وهي عنده في قوله كيف تكفرون منصوبة على التشبيه بالظرف أي في حال تكفرون وعلى الحال عند الأخفش أي على حال تكفرون

وجعل منه بعضهم قوله فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد 1 فإن شئت قدرت بعدها اسما وجعلتها خبرا أي كيف صنعكم أو حالكم وإن شئت قدرت بعدها فعلا تقديره كيف تصنعون

وأثبت بعضهم لها الشرط كقوله تعالى ينفق كيف يشاء 4 يصوركم في الأرحام كيف يشاء 5 فيبسطه في السماء كيف يشاء 6

وجوابه في ذلك محذوف لدلالة ما قبلها

ومراد هذا القائل الشرط المعنوي وهو إنما يفيد الربط فقط أي ربط جملة بأخرى كأداة الشرط لا اللفظي وإلا لجزم الفعل

وعن الكوفيين أنها تجزم نحو كيف تكن أكن

وقد يحذف الفعل بعدها قال تعالى كيف وإن يظهروا عليكم 1 أي كيف توالونهم

& اللام

قسمان إما إن تكون عاملة أو غير عاملة & القسم الأول & غير العاملة

وتجيء لعشرة معان معرفة ودالة على البعد ومخففة وموجبة ومؤكدة ومتممة وموجهة ومسبوقة والمؤذنة والموطئة

فالمعرفة التي معها ألف الوصل عند من يجعل المعرفة اللام وحدها وينسب لسيبويه وذهب الخليل إلى أنه ثنائي وهمزته همزة قطع وصلت لكثرة الاستعمال

وتنقسم المعرفة إلى عهدية واستغراقية وقد سبقا في قاعدة التنكير والتعريف وزاد قوم طلب الصلة وجعل منه ركبا في السفينة 1 فأكله الذئب 2

وللإضمار فإن الجحيم هي المأوى 3 ولا خلاف إن الإضمار بعدها مراد وإنما اختلفوا في تقديره فعند الكوفيين هي مأواه وعند البصريين هي المأوى له

واللام في التعريف مرققة إلا في اسم الله فيجب تفخيمها إذا كان قبلها ضمة أو فتحة وهي في الأسماء تفخيم الجرس وفي المعنى توقير المسمى وتعظيمه سبحانه

والدالة على البعد الداخلة على أسماء الإشارة إعلاما بالبعد أو توكيدا له على الخلاف فيه

والمخففة التي يجوز معها تخفيف إن المشددة نحو إن كل نفس لما عليها حافظ 1 2

وتسمى لام الابتداء والفارقة لأنها تفرق بينها وبين إن النافية

والمخففة هي التي تحقق الخبر مع المبتدأ كقوله تعالى ولمن صبر وغفر 2 لقد جاءكم رسول من أنفسكم 3

والموجبة بمعنى إلا عند الكوفيين كقوله تعالى وإن كل لما جميع لدينا محضرون 4 وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا 5 أي ما كل فجعلوا إن بمعنى ما واللام بمعنى إلا في الإيجاب

وقرأ الكسائي وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال 6 بالرفع والمراد وما كان مكرهم إلا لتزول منه

والمؤكدة وهي الزائدة أول الكلام وتقع في موضعين

أحدهما المبتدأ وتسمى لام الابتداء فيؤذن بأنه المحكوم قال تعالى لمسجد أسس على التقوى

1 ليوسف وأخوه أحب 2 لأنتم أشد رهبة 3

ثانيهما في باب إن على اسمها إذا تأخر إن في ذلك لعبرة 4

وعلى خبرها نحو إن ربك لبالمرصاد 5 إن إبراهيم لحليم أواه 6 إن بطش ربك لشديد 7

فإن إن في هذا توكيد لما يليها واللام لتوكيد الخبر

وكذا في إن المفتوحة كقراءة سعيد إلا إنهم ليأكلون 8 بفتح الهمزة فإنه ألغى اللام لأنها لا تدخل إلا على إن المكسورة أو على ما يتصل بالخبر إذا تقدم عليه نحو لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون 9 فإن تقديره ليعمهون في سكرتهم

واختلف في اللام في قوله لمن ضره 10 فقيل هي مؤخرة والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه

وجاز تقديمها وإيلاؤها المفعول لأنها لام التوكيد واليمين فحقها إن تقع صدر الكلام

واعترض بأن اللام في صلة من فتقدمها على الموصول ممتنع وأجاب الزمخشري بأنها حرف لا يفيد غير التوكيد وليست بعاملة ك من المؤكدة في نحو ما جاءني من أحد دخولها وخروجها سواء ولهذا جاء تقديمها

ويجوز إلا تكون هنا موصولة بل نكرة ولهذا قال الكسائي اللام في غ

موضعها و من في موضع نصب يدعو والتقدير يدعو من ضره أقرب من نفعه أي يدعو إلها ضره أقرب من نفعه

قال المبرد يدعو في موضع الحال والمعنى في ذلك هو الضلال البعيد في حال دعائه إياه وقوله لمن مستأنف مرفوع بالابتداء وقوله ضره أقرب من نفعه 1 في صلته و لبئس المولى 1 خبره

وهذا يستقيم لو كان في موضع يدعى يجعى لكن مجيئه بصيغة فعل الفاعل وليس فيه ضميره يبعده

والمتممة كقوله تعالى إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا 2 إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات 3 فاللام هنا لتتميم الكلام

قال الزمخشري إذن دالة على إن ما بعدها جواب وجزاء

والموجهة في جواب لولا كقوله تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم 4 فاللام في لقد توجه للتثبيت

والمسبوقة في جواب لو كقوله تعالى لو نشاء لجعلناه حطاما أي تفيد تأخره لأشد العقوبة كقوله تعالى حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس 6

وهذا بخلاف قوله لو نشاء جعلناه أجاجا بغير لام فإنه يفيد التعجيل أي جعلناه أجاجا لوقته

والمؤذنة الداخلة على أداة الشرط بعد تقدم القسم لفظا أو تقديرا لتؤذن إن الجواب له لا للشرط أو للإيذان بأن ما بعدها مبنى على قسم قبلها

وتسمى الموطئة لأنها وطأت الجواب للقسم أي مهدته

وقول المعربين إنها موطئة للقسم فيه تجوز وإنما هي موطئة لجوابه كقوله لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار 1 وليست جوابا للقسم وإنما الجواب ما يأتي بعد الشرط ويجمع هذه الأربعة المتأخرة قولك لام الجواب

وقد اجتمعا في قوله تعالى كلا لئن لم ينته لنسفعا 2 فاللام في لئن مؤذنه وقوله لنسفعا جواب القسم المقدر تقديره والله لنسفعن

ومن جواب القسم قوله ولقد آتينا موسى الكتاب 3 وزعم الشيخ أثيرالدين في تفسيره أنها لام التوكيد وليس كما قال وقد قال الواحدي في البسيط إنها لام القسم ولا يجوز أن تكون لام ابتداء لأن لام الابتداء لا تلحق إلا الاسماء وما يكون بمنزلتها كالمضارع

& القسم الثاني & العاملة

وهي على ثلاثة أقسام جارة وناصبة وجازمة

الأولى الجارة وتأتي لمعان 2

للملك الحقيقي كقوله تعالى إن الأرض لله 1 ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ولله جنود السماوات والأرض 3

والتمليك نحو وهبت لزيد دينارا ومنه ووهبنا لهم من رحمتنا 4

والاختصاص ومعناها أنها تدل على إن بين الأول والثاني نسبة باعبتار ما دل عليه متعلقة نحو هذا صديق لزيد وأخ له ومنه الجنة للمؤمنين

وللتخصيص ومنه إن وهبت نفسها للنبي 5

وللاستحقاق كقوله تعالى ويل للمطففين 6 لهم اللعنة ولهم سوء الدار 7

والفرق بينه وبين الملك أن الملك لما حصل وثبت وهذا لم يحصل بعد لكن هو في حكم الحاصل من حيث ما قد استحق قاله الراغب

وللولاية كقوله لله الأمر من قبل ومن بعد 1

ويجوز إن تجمع هذه الثلاثة كقولك الحمد لله لأنه يستحق الحمد ووليه والمخصوص به فكأنه يقول الحمد لي وإلي

وللتعليل وهي التي يصلح موضعها من أجل كقوله تعالى وإنه لحب الخير لشديد 2 أي من أجل حب الخير

وقوله لإيلاف قريش 3 وهي متعلقة بقوله فليعبدوا 3 أو بقوله

فجعلهم كعصف مأكول 4 ولهذا كانتا في مصحف أبي سورة واحدة

وضعف بأن جعلهم كعصف مأكول إنما هو لكفرهم وتجرئهم على البيت

وقيل متعلق بمحذوف أي اعجبوا

وقوله سقناه لبلد ميت 5 أي لأجل بلد ميت بدليل فأنزلنا به الماء 5

هذا قول الزمخشري وهو أولى من قول غيره إنها بمعنى إلى

وقوله ولا تكن للخائنين خصيما 6 أي لا تخاصم الناس لأجل الخائنين ز

قال الراغب ومعناه كمعنى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم 7 وليست كالتي في قولك لا تكن لله خصيما لدخولها على المفعول أي لا تكن خصيم الله

وبمعنى إلى كقوله وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى 8 بدليل قوله ويؤخركم إلى أجل مسمى 9

وقوله ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه 1

الحمد لله الذي هدانا لهذا 2

ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان 3

وقوله بأن ربك أوحى لها 4 بدليل وأوحى ربك إلى النحل 5 وزيفه الراغب لأن الوحي للنحل جعل ذلك له للتسخير والإلهام وليس كالوحي الموحى إلى الأنبياء فاللام على جعل ذلك الشيء له بالتسخير

وبمعنى على نحو ويخرون للأذقان 6

فلما أسلما وتله للجبين 7

وقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها 8 أي فعليها لأن السيئة على الإنسان لا له بدليل قوله تعالى فعلي إجرامي 9

وقوله من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها 10 وقوله ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام 11 أي من لم يكن

وقوله لهم اللعنة ولهم سوء الدار 12

وبمعنى في كقوله ونضع الموازين القسط ليوم القيامة 13 يا ليتني قدمت لحياتي 14

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر