الجزء ٤ — ص ٣٠٢–٣١١
في
تجيء لمعان كثيرة
للظرفية
ثم تارة يكون الظرف والمظروف حسيين نحو زيد في الدار ومنه إن المتقين في ظلال وعيون 1 فادخلي في عبادي وادخلي جنتي 2 وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين 3 أولئك الذين حق عليهم القول في أمم 4
وتارة يكونان معنويين نحو رغبت في العلم ومنه ولكم في القصاص حياة 5
وتارة يكون المظروف جسما نحو إنا لنراك في ضلال مبين 6
وتارة يكون الظرف جسما نحو في قلوبهم مرض 7
والأول حقيقة والرابع أقرب المجازات إلى الحقيقة
وتجيء بمعنى مع نحو في تسع آيات 8 فادخلي في عبادي 2 على قول
وبمعنى عند نحو ولبثت فينا من عمرك سنين 9
وللتعليل فذلكن الذي لمتنني فيه 10
وبمعنى على كقوله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك 1 بدليل قوله فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك 2 وقوله ولأصلبنكم في جذوع النخل 3 لما في الكلام من معنى الاستعلاء
وقيل ظرفية لأن الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور فلذلك جاز إن يقال في
وقيل إنما آثر لفظة في للإشعار بسهولة صلبهم لأن على تدل على نبو يحتاج فيه إلى تحرك إلى فوق
وبمعنى إلى نحو فتهاجروا فيها 4
فردوا أيديهم في أفواههم 5
وبمعنى من ويوم نبعث في كل أمة شهيدا 6
وللمقايسة وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق كقوله تعالى فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل 7
وللتوكيد كقوله تعالى اركبوا فيها 8
وبمعنى بعد وفصاله في عامين 9 أي بعد عامين
وبمعنى عن كقوله فهو في الآخرة أعمى 1 قيل لما نزلت ولقد كرمنا بني آدم 2 لم يسمعوا ولم يصدقوا فنزل ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى 1 أي عن النعيم الذي قلناه ووصفناه في الدنيا فهو في نعيم الآخرة أعمى إذ لم يصدق
قد
تدخل على الماضي المتصرف وعلى المضارع بشرط تجرده عن الجازم والناصب وحرف التنفيس
وتأتي لخمس معان التوقع والتقريب والتقليل والتكثير والتحقيق
فأما التوقع فهو نقيض ما التي للنفي وتدخل على الفعل المضارع نحو قد يخرج زيد تدل على إن الخروج متوقع أي منتظر وأما مع الماضي فلا يتحقق الوقوع بمعنى الانتظار لأن الفعل قد وقع وذلك ينافي كونه منتظرا ولذلك استشكل بعضهم كونها للتوقع مع الماضي ولكن معنى التوقع فيه إن قد تدل على أنه كان متوقعا منتظرا ثم صار ماضيا ولذلك تستعمل في الأشياء المترقبة
وقال الخليل إن قولك قد قعد كلام لقول ينتظرون الخير ومنه قول المؤذن قد قامت الصلاة لأن الجماعة منتظرون 1
وظاهر كلام ابن مالك في تسهيله أنها لم تدخل على المتوقع لإفادة كونه متوقعا بل لتقريبه من الحال انتهى
ولا يبعد إن يقال إنها حينئذ تفيد المعنيين
واعلم أنه ليس من الوجه الابتداء بها إلا إن تكون جوابا لمتوقع كقوله تعالى قد أفلح المؤمنون 2 لأن القوم توقعوا علم حالهم عند الله
وكذلك قوله قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها 1 لأنها كانت تتوقع إجابة الله تعالى لدعائها
وأما التقريب فإنها ترد للدلالة عليه مع الماضي فقد فتدخل لتقريبه من الحال ولذلك تلزم قد مع الماضي إذا وقع حالا كقوله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم 2 وأما ما ورد دون قد فقوله تعالى هذه بضاعتنا ردت إلينا 3 ف قد فيه مقدرة هذا مذهب المبرد والفراء وغيرهما
وقيل لا يقدر قبله قد
وقال ابن عصفور إن جواب القسم بالماضي المتصرف المثبت إن كان قريبا من زمن الحال دخلت عليه قد واللام نحو والله لقد قام زيد وإن كان بعيدا لم تدخل نحو والله لقام زيد
وكلام الزمخشري يدل على إن قد مع الماضي في جواب القسم للتوقع قال في الكشاف عند قوله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه 4 في سورة الأعراف 5
فإن قلت مالهم لا يكادون ينطقون باللام إلا مع قد وقل عندهم مثل قوله % % حلفت لها بالله حلفة فآجر % % لناموا فما إن حديث ولا وصال % % 6
قلت إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى قد عند استماع المخاطب كلمة القسم
وقال ابن الخباز إذا دخلت قد على الماضي أثرت فيه معنيين تقريبه من زمن الحال وجعله خبرا منتنظرا فإذا قلت قد ركب الأمير فهو كلام لقوم ينتظرون حديثك هذا تفسير الخليل انتهى
وظاهرة أنها تفيد المعنيين معا في الفعل الواحد
ولا يقال إن معنى التقريب ينافي معنى التوقع لأن المراد به ما تقدم تفسيره
وكلام الزمخشري في المفصل يدل على إن التقريب لا ينفك عن معنى التوقع
وأما التقليل فإنها ترد له مع المضارع إما لتقليل وقوع الفعل نحو قد يجود البخيل وقد يصدق الكذوب أو للتقليل لمتعلق كقوله تعالى قد يعلم ما أنتم عليه 2 أي ما هم عليه هو أقل معلوماته سبحانه
وقال الزمخشري هي للتأكيد وقال إن قد إن دخلت على المضارع كانت بمعنى ربما فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير والمعنى إن جميع السموات والأرض مختصا به خلقا وملكا وعلما فكيف يخفي عليه أحوال المنافقين 3
وقال في سورة الصف لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم 4 قد معناها التوكيد كأنه قال تعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه 5
ونص ابن مالك على أنها كانت للتقليل صرفت المضارع إلى الماضي
وقد نازع بعض المتأخرين في إن قد تفيد التقليل مع أنه مشهور ونص عليه الجمهور فقال قد تدل على توقع الفعل عمن أسند إليه وتقليل المعنى لم يستفد من قد بل لو قيل البخيل يجود والكذوب يصدق فهم منه التقليل لأن الحكم على من شأنه
البخل بالجود وعلى من شأنه الكذب بالصدق إن لم يحمل ذلك على صدور ذلك قليلا كان الكلام كذبا لأن آخره يدفع أوله
وأما التكثير فهو معنى غريب وله من التوجيه نصيب وقد ذكره جماعة من المتأخرين
وجعل منه الزمخشري قد نرى تقلب وجهك في السماء 1
وجعلها غيره للتحقيق
وقال ابن مالك إن المضارع هنا بمعنى الماضي أي قد رأينا
وأما التحقيق فترد لتحقيق وقوع المتعلق مع المضارع والماضي لكنه قد يرد والمراد به المضي كما في قوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء 1
قد نعلم إنه ليحزنك يعلم ما أنتم عليه 3
وقال الراغب إن دخلت على الماضي اجتمعت لكل فعل متجدد نحو قد من الله علينا 4
قد كان لكم آية 5
لقد رضي الله عن المؤمنين 6
لقد تاب الله 7
ولهذا لا تستعمل في أوصاف الله لا يقال قد كان الله غفورا رحيما
فأما قوله أن سيكون منكم مرضى 1 فهو متأول للمرضى في المعنى كما إن النفي في قولك ما علم الله زيد يخرج هو للخروج وتقديره وما يخرج زيد فيما علم الله وإن دخلت على المضارع فذلك لفعل يكون في حاله نحو قد يعلم الله الذين يتسللون منكم 2 أي قد يتسللون فيما علم الله
$ الكاف
للتشبيه نحو وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام 1 وهو كثير
وللتعليل كقوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا 2 قال الأخفش أي لأجل إرسالي فيكم رسولا منكم فاذكروني
وهو ظاهر في قوله تعالى واذكروه كما هداكم 2
وجعل ابن برهان النحوي منه قوله تعالى ويكأنه لا يفلح الكافرون 3
وللتوكيد أو كالذي مر على قرية 4
وقوله ليس كمثله شيء 5 أي ليس شيء مثله وإلا لزم إثبات المثل
قال ابن جنى وإنما زيدت لتوكيد نفي المثل لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيا
وقال غيره الكاف زائدة لئلا يلزم إثبات المثل لله تعالى وهو محال لأنها تفيد نفي المثل عن مثله لا عنه لأنه لولا الحكم بزيادتها لأدى إلى محال آخر وهو أنه إذا لم يكن مثل شيء لزم إلا يكون شيئا لأن مثل المثل مثله
وقيل المراد مثل الشيء ذاته وحقيقته كما يقال مثلي لا يفعل كذا أي أنا لا أفعل وعلى هذا لا تكون زائدة
وقال ابن فورك هي غير زائدة والمعنى ليس مثل مثله شيء وإذا نفيت التماثل عن الفعل فلا مثل لله على الحقيقة
قال صاحب المستوفى ولتأكيد الوجود كقوله تعالى وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا 6 أي إن تربيتهما لي قد وجدت كذلك أوجد رحمتك لهما يا رب
كان
تأتي للمضي وللتوكيد وبمعنى القدرة كقوله ما كان لكم أن تنبتوا شجرها 1 أي ما قدرتم
وبمعنى ينبغي كقوله ما يكون لنا أن نتكلم بهذا 2 أي لم ينبغ لنا
وتكون زائدة كقوله تعالى وما علمي بما كانوا يعملون 3 أي بما يعملون لأنه قد كان عالما ما علموه من إيمانهم به
وقد سبقت في مباحث الأفعال & كأن
للتشبيه المؤكد ولهذا جاء كأنه هو 4 دون غيرها من أدوات التشبيه
ولليقين كما في قوله تعالى ويكأن الله يبسط الرزق 5 على ما سيأتي
وقد تخفف قال تعالى كأن لم يدعنا إلى ضر مسه 6 & كأين
بمعنى كم للتكثير لأنها كناية عن العدد قال تعالى وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله 7 وفيها قراءتان كائن على وزن قائل و بائع وكأين بتشديد الياء
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر