الجزء ٤ — ص ٢٩٢–٣٠١
وهو عند الله عظيم 1 أي في حكمه تعالى
وقوله إن كان هذا هو الحق من عندك 2 أي في حكمك وقيل بحذف عند في الكلام وهي مرادة للإيجاز كقوله تعالى الحق من ربك 3
رسول من الله 4
عذاب من الرحمن 5 أي من عند الرحمن لظهور قد جاءكم من الله نور 6
وقد تكون عند للحضور نحو فلما رآه مستقرا عنده 7
وقد يكون الحضور والقرب معنويين نحو قال الذي عنده علم من الكتاب 8
ويجوز وأنزل عندك
& غير
متى حسن موضعها لا كانت حالا ومتى حسن موضعها إلا كانت استثناء
ويجوز إن تقع صفة لمعرفة إذا كان مضافها إلى ضد الموصوف بشرط إن يكون له ضد واحد نحو مررت بالرجل الصادق غير الكاذب لأنه حينئذ يتعرف
ومنه قوله تعالى الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم 1 فإن الغضب ضد النعمة والأول هم المؤمنون والثاني هم الكفار
وأورد عليه قوله تعالى نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل 3 فإنه أضيف إلى الذين كانوا يعملون وهو ضد الصالح كأنه قيل الصالح
وأجيب بأن الذين كانوا يعملون بعض الصالح فلم يتمحض فيهما
& الفاء
ترد عاطفة وللسببية وجزاء وزائدة
الأول العاطفة ومعناها التعقيب نحو قام زيد فعمرو أي إن قيامه بعده بلا مهلة والتعقيب في كل شىء بحسبه نحو فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه 1
وأما قوله تعالى وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا 2 و البأس في الوجود قبل الهلاك وبها احتج الفراء على إن ما بعد الفاء يكون سابقا ففيه عشرة أوجه
أحدها أنه حذف السبب وابقى المسبب اي اردنا إهلاكها
الثاني إن الهلاك على نوعين استئصال وبغير استئصال 3 والمعنى وكم قرية أهلكناها بغير استئصال للجميع فجاءها بأسنا باستئصال الجميع
الثالث انه لما كان مجىء البأس مجهولا للناس والهلاك معلوم لهم وذكره عقب الهلاك وإن كان سابقا لأنه لا يتضح إلا بالهلاك
الرابع إن المعنى قاربنا إهلاكها فجاءها باسنا فأهلكناها
الخامس أنه على التقديم والتأخير أي جاءها بأسنا فأهلكناها
السادس إن الهلاك ومجىء البأس لما تقاربا في المعنى جاز تقديم أحدهما على الآخر
السابع إن معنى فجاءها أنه لما شوهد الهلاك علم مجىء البأس وحكم به من باب الاستدلال بوجود الأثر
الثامن انها عاطفة للمفصل على المجمل كقوله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا 1
التاسع أنها للترتيب الذكرى
العاشر ( 2 )
وتجىء للمهلة ك ثم كقوله تعالى ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما 3 ولا شك إن بينها وسائط
وكقوله والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى 4 فإن بين الإخراج والغثاء وسائط
وجعل منه ابن مالك قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة 5 وتؤولت على إن تصبح معطوف على محذوف تقديره أتينا به فطال النبت فتصبح
وقيل بل هي للتعقيب والتعقيب على ما بعد في العادة تعقيبا لا على سبيل المضيافة فرب سنين بعد الثاني عقب الأول في العادة وإن كان بينهما أزمان كثيرة كقوله ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا قاله ابن الحاجب
وقيل بل للتعقيب الحقيقي على بابها وذلك لأن أسباب الاخضرار عند زمانها
فإذا تكاملت اصبحت مخضرة بغير مهلة والمضارع بمعنى الماضي يصح عطفه على الماضي وإنما لم ينصب على جواب الاستفهام لوجهين
أحدهما انه بمعنى التقرير أي قد رأيت فلا يكون له جواب لأنه خبر
ة والثاني أنه إنما ينصب ما بعد الفاء إذا كان الأول سببا له ورؤيته لإنزال الماء ليست سببا لاخضرار الأرض إنما السبب هو إنزال الماء ولذلك عطف عليه
وأما قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ 1 إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا 2 قالتقدير فإذا أردت فاكتفى بالسبب عن المسبب
ونظيره أن اضرب بعصاك الحجر 3 أي فضرب فانفجرت
واما قوله ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما 4 فقيل الفاء في فخلقنا العلقة وفي فكسونا بمعنى ثم لتراخي معطوفها
وقال صاحب البسيط طول المدة وقصرها بالنسبة إلى وقوع الفعل فيهما فإن كان الفعل يقتضي زمنا طويلا طالت المهلة وإن كان في التحقيق وجود الثاني عقيب الأول بلا مهلة وأن كان الفعل يقتضي زمنا قصيرا ظهر التعقيب بين الفعلين فالآية واردة على التقدير الأول فلا ينافي معنى الفاء
والحاصل إن المهلة بين الثاني والأول بالنسبة إلى زمن الفعل وأما بالنسبة إلى الفعل فوجود الثاني عقب الأول من غير مهلة بينهما هذا كله في سورة المؤمنين
وقال في سورة الحج ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة 1 فعطف الكل ب ثم ولهذا قال لبعضهم ثم لملاحظة أول زمن المعطوف عليه والفاء لملاحظة آخره وبهذا يزول سؤال إن المخبر عنه واحد وهو مع أحدهما بالفاء وهي للتعقيب وفي الأخرى بثم وهي للمهلة وهما متناقضان
وقد أورد الشيخ عز الدين هذا السؤال في قوله ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون 2 وفي أخرى ثم ينبئكم 3
واجاب بأن أول ما تحاسب امة النبي صلى الله عليه وسلم ثم الأمم بعدهم فتحمل الفاء على أول المحاسبين ويكون من باب نسبة الفعل إلى الجماعة إذا صدر عن بعضهم كقوله تعالى وقتلهم الأنبياء بغير حق 4 ويحمل ثم على تمام الحساب
فإن قيل حساب الأولين متراخ عن البعث فكيف يحسن الفاء فيعود السؤال
قلنا نص الفارسي في الإيضاح على إن ثم أشد تراخيا من الفاء فدل على إن الفاء لها تراخ وكذا ذكر غيره من المتقدمين ولم يدع أنها للتعقيب إلا المتاخرون انتهى
وتجىء لتفاوت ما بين رتبتين كقوله والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا 5 تحتمل الفاء فيه التفاوت رتبة الصف من الزجر ورتبة الزجر من التلاوة ويحتمل تفاوت رتبة الجنس الصاف من رتبة الجنس الزاجر بالنسبة إلى صفهم وزجرهم ورتبة الجنس الزاجر من الجنس التالي بالنسبة إلى زجره وتلاوته
وقال الزمخشري للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال
أحدها انها تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله
% % يالهف زيابة للحارث فال % % صابح فالغانم فالآيب % $ ( 1 )
أي الذي اصبح فغنم فآب
الثاني إن تدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه نحو قولك خذ الأكمل فالأفضل واعمل الأحسن فالأجمل
الثالث انها تدل على ترتيب موصوفاتها فإنها في ذلك نحو رحم الله المحلقين فالمقصرين
النوع الثاني لمجرد السببية والربط نحو إنا أعطيناك الكوثر فصل 3 ولا يجوز إن تكون عاطفة فإنه لا يعطف الخبر على الإنشاء وعكسه عكسها بمجرد العطف فيما سبق من نحو فجعله غثاء أحوى 3
وقد تأتي لهما نحو فوكزه موسى فقضى عليه 4 فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه 5 لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم 6
واما قوله تعالى فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين 7 فهذه ثلاث فاءات وهذا هو الغالب على الفاء المتوسطة بين الجمل المتعاطفة
وقال بعضهم إذا ترتب الجواب بالفاء فتارة يتسبب عن الأول وتارة يقام مقام ما تسبب عن الأول
مثال الجاري على طريق السببية سنقرئك فلا تنسى 8 فآمنوا فمتعناهم إلى حين
1 فكذبوه فأنجيناه 2
ومثال الثاني فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا 3 وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم 4
والنوع الثالث الجزائية والفاء تلزم في جواب الشرط إذا لم يكن فعلا خبريا أعنى ماضيا ومضارعا فإن كان فعلا خبريا امتنع دخول الفاء فيحتاج إلى بيان ثلاثة أمور
العلة وتعاقب الفعل الخبري والفاء
والجواب عن اجتماعهما في قوله تعالى ومن جاء بالسيئة فكبت 5 وقوله فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا 6 وقراءة حمزة أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى 7
وعن ارتفاعهما في قوله تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون 8 وفي قول الشاعر % % من يفعل الحسنات الله يشكرها % $
والجواب عن الأول وهو السؤال عن علة تعاقب الفعل والفاء إن الجواب هو جملة تامة يجوز استقلالها فلا بد من شىء يدل على ارتباطها بالشرط وكونها جوابا له فإذا كانت الجملة فعلية صالحة لأن تكون جزاء اكتفى بدلالة الحال على كونها جوابا لأن الشرط يقتضي جوابا وهذه الجملة تصلح جوابا ولم يؤت بغيرها فلزم كونها جوابا وإذا تعقبت الجواب امتنع دخول الفاء للاستغناء عنها فإن كانت الجملة غير فعلية لم تكن صالحة
للجواب بنفسها لأن الشرط إنما يقتضي فعلين شرطا وجزاء فما ليس فعلا ليس من مقتضيات أداة الشرط حتى يدل اقتضاؤها على أنه الجزاء فلا بد من رابطة فجعلوا الفاء رابطة لأنها للتعقيب فيدل تعقيبها الشرط بتلك الجملة على أنها الجزاء فهذا هو السبب في تعاقب الفعل والفاء في باب الجزاء
والجواب عن الثاني هو إن اجتماع الفعل والفاء في الآيتين غير مبطل للمدعي بتعاقبهما وهو ا المدعى تعاقبهما إذا كان الفعل صالحا لأن يجازى به وهو إذا ما كان صالحا للاستقبال لإن الجزاء لا يكون إلا مستقبلا
وقوله صدقت و كذبت المراد بالفعل في الآية المضي فلم يصح إن يكون جوابا فوجبت الفاء
فإن قيل فلم سقطت الفاء في قوله وإذا ما غضبوا هم يغفرون 2 قلنا عنه ثلاثة أجوبة
أحدها إن إذا في الآية ليست شرطا بل لمجرد الزمان والتقدير والذين هم ينتصرون زمان إصابة البغي لهم
والثاني إن هم زائدة للتوكيد
والثالث إن الفاء حسن حذفها كون الفعل ماضيا
وبالأول يجاب عن قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا 3
والجواب عن الثالث إن الفعل والفاء أيضا من قوله وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون 1 فهو إن إذا قامت مقام الفاء وسدت مسدها لحصول الربط بها كما يحصل بالفاء وذلك لأن إذا للمفاجأة وفي المفاجأة معنى التعقيب
وأما الأخفش فإنه جوز حذف الفاء حيث يوجب سيبويه دخولها واحتج بقوله تعالى وإن أطعتموهم إنكم لمشركون 2
وبقراءة من قرأ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم 3 في قراءة نافع وابن عامر
ولا حجة فيه لأن الأول يجوز إن يكون جواب قسم والتقدير والله إن أطعمتموهم فتكون إنكم لمشركون جوابا للقسم ولجزاء محذوف سد جواب القسم مسده
وأما الثانيه فلأن ما فيه موصولة لا شرطية فلم يجز دخول الفاء في خبرها
والرابع الزائدة كقوله تعالى فليذوقوه حميم 4 والخبر حميم وما بينهما معترض
وجعل منه الأخفش فذلك الذي يدع اليتيم 5
وقال سيبويه هي جواب لشرط مقدر أي إن أردت عليه فذلك
وقوله فصل لربك وانحر 6 على قول
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر