علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٧ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ١٦٢–١٧١

أنه لما عرفها بالنسب وهو أخوهم فى ذلك النسب ذكره ولما عرفهم بالأيكة التى أصابهم فيها العذاب لم يقل أخوهم وأخرجه عنهم

ومنه وذا النون فأضافه إلى الحوت والمراد يونس وقال فى سورة القلم ولا تكن كصاحب الحوت والإضافة بذى أشرف من الإضافة بصاحب ولفظ النون أشرف من الحوت ولذلك وجد فى حروف التهجى كقوله ن والقلم وقد قيل إنه قسم وليس فى الآخر ما يشرفه بذلك

ومنه قوله تعالى تبت يدا أبي لهب فعدل عن الاسم إلى الكنية إما لاشتهاره بها أو لقبح الاسم فقد كان اسمه عبد العزى

واعلم أنه لم يسم الله قبيلة من جميع قبائل العرب باسمها إلا قريشا سماهم بذلك فى القرآن ليبقى على مر الدهور ذكرهم فقال تعالى لإيلاف قريش

الثانى أنه قد بالغ فى الصفات للتنبيه على أنه يريد إنسانا بعينه كقوله تعالى ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم الآية قيل إنه الأخنس بن شريق

وقوله ويل لكل همزة لمزة قيل إنه أمية بن خلف كان يهمز النبى صلى الله عليه وسلم

الثالث قيل لم يذكر الله تعالى امرأة فى القرآن وسماها باسمها إلا مريم بنت عمران فإنه ذكر اسمها فى نحو ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ قال إن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم ولا يبتذلون أسماءهم يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والأهل ونحوه فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى فى مريم وفى أبنها ما قالت صرح الله تعالى باسمها ولم يكن عنهاا تأكيدا لأمر العبودية التى هى صفة لها وإجراء للكلام على عادة العرب فى ذكر أبنائها ومع هذا فإن عيسى لا أب له واعتقاد هذا واجب فإذا تكرر ذكره منسوبا إلى الأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفى الأب عنه وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله

الرابع وأما الرجال فذكر منهم كثيرا وقد قيل فى قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا إنه الوليد بن المغيرة وقد سمى الله زيدا فى سورة الأحزاب للتصريح بأنه ليس بابن النبى صلى الله عليه وسلم وأضيف إلى ذلك السجل قيل إنه كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم وأنه المراد بقوله تعالى كطي السجل للكتب

النوع السابع

$ فى أسرار الفواتح والسور

أعلم أن سور القرآن العظيم مائة وأربع عشرة سورة وفيها يلغز فيقال أى شىء إذا عددته زاد على المائة وإذا عددت نصفه كان دون العشرين

وقد افتح سبحانه وتعالى كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شىء من السور عنها

الاستفتاح بالثناء

الأول استفتاحه بالثناء عليه عز وجل والثناء قسمان إثبات لصفات المدحح ونفى وتنزيه من صفات النقص

والإثبات نحو الحمد لله فى خمس سور و تبارك فى سورتين الفرقان تبارك الذي نزل الفرقان والملك تبارك الذي بيده الملك

والتنزيه نحو سبحان الذي أسرى بعبده سبح اسم ربك الأعلى سبح لله ما في السماوات يسبح لله كلاهما فى سبع سور فهذه أربع عشرة سورة استفتحت بالثناء على الله لثبوت صفات الكمال ونصفها لسلب النقائص

قلت وهو سر عظيم من أسرار الألوهية قال صاحب العجائب

سبح لله هذه كلمة استأثر الله بها فبدأ بالمصدر منها فى بنى إسرائيل لأنه الأصل ثم الماضى سبح لله فى الحديد والحشر والصف لأنه أسبق الزمانين ثم المستقبل فى الجمعة والتغابن ثم بالأمر فى سورة الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها وهى أربع المصدر والماضى والمستقبل والأمر المخاطب فهذه أعجوبة وبرهان

2 الاستفتاح بحروف التهجى

الثانى استفتاح السور بحروف التهجى نحو آلم آلمص آلمر كهيعص طه طس طسم حم حمعسق ق ن وذلك فى تسع وعشرين سورة

قال الزمخشرى وإذا تأملت الحروف التى افتتح الله بها السور وجدتها نصف

أسامى حروف المعجم أربعة عشر الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والخاء والقاف والنون فى تسع وعشرين عدد حروف المعجم ثم تجدها مشتملة على أصناف أجناس الحروف المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة ثم إذا استقريت الكلام تجد هذه الحروف هى أكثر دورا مما بقى ودليله أن الألف واللام لما كانت أكثر تداورا جاءت فى معظم هذه الفواتح فسبحان الذى دقت فى كل شىء حكمته انتهى

قيل وبقى عليه من الأصناف الشديدة والمنفتحة وقد ذكر تعالى نصفها أما حروف الصفير فهى ثلاثة ليس لها نصف فجاء منها السين والصاد ولم يبق إلا الزاى وكذلك الحروف اللينة ثلاثة ذكر منها اثنين الألف والياء أما المكرر وهو الراء والهاوى وهو الألف والمنحرف وهو اللام فذكرها ولم يأت خارجا عن هذا النمط إلا ما بين الشديدة والرخوه فإنه ذكر فيه أكثر من النصف وهذا التداخل موجود فى كل قسم قبله ولولاه لما انقسمت هذه الأقسام كلها ووهم الزمخشرى فى عدد حروف القلقلة إنما ذكر نصفها فإنها خمسة ذكر منها حرفان القاف والطاء

وقال القاضى أبو بكر إنما جاءت على نصف حروف المعجم كأنه قيل من زعم أن القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقى ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق

واعلم أن الأسماء المتهجاة فى أول السور ثمانية وسبعون حرفا فالكاف والنون كل واحد فى مكان واحد والعين والياء والهاء والقاف كل واحد فى مكانين والصاد فى ثلاثة والطاء فى أربعة والسين فى خمسة والراء فى ستة والحاء فى سبعة والألف واللام فى ثلاثة عشر والميم فى سبعة عشر وقد جمع بعضهم ذلك فى بيتين وهما % % كن واحد عيهق اثنان ثلاثة صا % % دالطاء أربعة والسين خمس علا % % والراء ست وسبع الحاء آل ودج % % وميمها سبع عشر تم واكتملا % $

وهى فى القرآن فى تسعة وعشرين سورة وجملتها من غير تكرار أربعة عشر حرفا يجمعها قولك نص حكيم قاطع له سر وجمعها السهيلي فى قوله الم يسطع نور حق كره

وهذا الضابط فى لفظه ثقل وهو عذب فى السمع ولا فى اللفظ ولو قال لم يكرها نص حق سطح لكان أعذب

ومنهم من ضبط بقوله طرق سمعك النصيحة و صن سرا يقطعك حمله و على صراط حق يمسكه وقيل من حرص على بطه كاسر وقيل سر حصين قطع كلامه

ثم بنيتها ثلاثة حروف موحدة ص ق ن وعشرة مثنى طه طس يس حم واثنا عشر مثلثة الحروف آلم آلر طسم واثنان حروفها أربعة آلمص آلمر واثنان حروفها خمسة كهيعص حمعسق

وأكثر هذه السور التى ابتدئت بذكر الحروف ذكر منها ما هو ثلاثة أحرف وما هو أربعة أحرف سورتان وما ابتدىء بخمسة أحرف سورتان

وأما ما بدىء بحرف واحد فاختلفوا فيه فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا وإنما جعله اسما لشىء خاص ومنهم من جعله حرفا وقال أراد أن يتحقق الحروف مفردها ومنظومها

فأما ما ابتدىء بثلاثة أحرف ففيه سر وذلك أن الألف إذا بدىء بها أولا كانت همزة وهى أول المخارج من أقصى الصدر واللام من وسط مخارج الحروف وهى أشد الحروف اعتمادا على اللسان والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم وهذه الثلاثة هى أصل مخارج الحروف أعنى الحلق واللسان والشفتين وترتبت فى التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية

فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة التى يتفرع منها ستة عشر مخرجا ليصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها مدار كلام الخلق أجمعين مع تضمنها سرا عجيبا وهو أن الألف للبداية واللام للتوسط والميم للنهاية فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما

وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف فهى مشتملة على مبدأ الخلق ونهايته وتوسطه مشتملة على خلق العالم وغايته وعلى التوسط بين البداية من الشرائع والأوامر فتأمل ذلك فى البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم

وأيضا فلأن الألف واللام كثرت فى الفواتح دون غيرها من الحروف لكثرتها فى الكلام

وأيضا من أسرار علم الحروف أن الهمزة من الرئة فهى أعمق الحروف واللام مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم فصوتها يملأ ما وراءها من هواء الفم والميم مطبقة لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا ويرمز بهن إلى باقى الحروف كما رمز

صلى الله عليه وسلم

بقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله إلى الإتيان بالشهادتين وغيرهما مما هو من لوازمهما

وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء فى القرآن فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهى الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والإصمات والسين مهموس رخو مستقل صفير منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف

وتأمل السورة التى اجتمعت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك ق والقرآن المجيد فإن السورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن ومن ذكر الخلق وتكرار القول ومراجعته مرارا والقرب من ابن آدم وتلقى الملكين وقول العتيد وذكر الرقيب وذكر السابق والقرين والإلقاء في جهنم والتقدم بالوعد وذكر المتقين وذكر القلب والقرن والتنقيب فى البلاد وذكر القتل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسى فيها وبسوق النخل والرزق وذكر القوم وخوف الوعيد وغير ذلك

وسر آخر وهو أن كل معانى السورة مناسب لما فى حرف القاف من الشدة والجهر والقلقلة والانفتاح

وإذا أردت زيادة إيضاح فتأمل ما اشتملت عليه سورة ص من الخصومات المتعددة فاولها خصومة الكفار مع النبى صلى الله عليه وسلم وقولهم أجعل الآلهة إلها واحدا

إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصام الملأ الأعلى فى العلم وهو الدرجات والكفارات ثم تخاصم إبليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود ثم اختصامه ثانيا فى شأن بنيه وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم

وكذلك سورة ن والقلم فإن فواصلها كلها على هذا الوزن مع ما تضمنت من الألفاظ النونية

وتأمل سورة الأعراف زاد فيها ص لأجل قوله فلا يكن في صدرك حرج وشرح فيها قصص آدم فمن بعده من الأنبياء ولهذا قال بعضهم معنى آلمص ألم نشرح لك صدرك وقيل معناه المصور وقيل أشار بالميم لمحمد وبالصاد للصديق وفيه إشارة لمصاحبة الصاد الميم وأنها تابعة لها كمصاحبة الصديق لمحمد ومتابعته له

وجعل السهيلى هذا من أسرار الفواتح وزاد فى الرعد راء لأجل قوله الله الذي رفع السماوات ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما

واعلم أن عادة القرآن العظيم فى ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها ما يتعلق بالقرآن كقوله الم ذلك الكتاب وقد جاء بخلاف ذلك فى العنكبوت والروم فيسأل عن حكمة ذلك

تنبيهات

ثم لا بد من التنبيه على أحكام تختص بهذه الفواتح الشريفة

الأول أن البصريين لم يعدوا شيئا منها آية وأما الكوفيون فمنها ما عدوه آية ومنها

ما لم يعدوه آية وهو علم توقيفى لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور أما الم فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها وهى ست وكذلك المص آية و المر لم تعد آية و الر ليست بآية من سورها الخمس و طسم آية فى سورتيها و طه و يس آيتان و طس ليست بآية و حم آية في سورها كلها و حم عسق آيتان و كهيعص آية واحدة و ص و ق و ن لم تعد واحدة منها آية وإنما عد ما هو فى حكم كلمة واحدة آية كما عد الرحمن وحده و مدهامتان وحدها آيتين على طريق التوقيف

وقال الواحدى فى البسيط فى أول سورة يوسف لا يعد شىء منها آية إلا فى طه وسره أن جميعها لا يشاكل ما بعده من رءوس الآى فلهذا لم يعد آية بخلاف طه فإنها تشاكل ما بعدها

الثانى هذه الفواتح الشريفة على ضربين أحدهماا مالا يتأتى فيه إعراب نحو كهيعص و الم والثانى ما يتأتى فيه وهو إما أن يكون اسما مفردا كص وق ون أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد ك حم و طس ويس فإنها موازنة لقابيل وهابيل وكذلك طسم يتأتى فيها أن تفتح نونها فتصير ميم مضمومة إلى طس فيجعلا اسما واحدا كداار انجرد فالنوع الأول محكى ليس إلا وأما النوع الثانى فسائغ فيه الأمران الإعراب والحكاية

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر