الجزء ٤ — ص ٢٨٢–٢٩١
& سوف
حرف يدل على التاخير والتنفيس وزمانه ابعد من زمان السين لما فيها ن ارادة التسويف
ومنه قيل فلان يسوف فلانا قال تعالى وسوف تسألون 1
وقال سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم 2 فقرب القول
وممن صرح بالتفاوت بينهما الزمخشري وابن الخشاب في شرح الجمل وابن يعيش وابن ابان وابن بابشاذ وابن عصفور وغيرهم
ومنع ابن مالك كون التراخي في سوف اكثر بان الماضي والمستقبل متقابلان والماضي لايقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب الزمان أو بعده فكذا المستقبل ليجري المتقابلان على سنن واحد ولانهما قد استعملا في الوقت الواحد وقال تعالى في سورة عم يتساءلون 3 كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون 3 وفي سورة التكاثر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون 4
وقوله وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما 5
قلت ولا بد من دليل على إن قوله تعالى وسوف يؤت الله المؤمنين 5 وقوله فسيدخلهم في رحمة منه وفضل 6 معبرا به عن معنى واحد
ولمانع إن يمنعه مستندا إلى إن الله تعالى وعد المؤمنين احوال خير في الدنيا والاخرة فجاز إن يكون ما قرن بالسين لما في الدنيا وما قرن بسوف لما في الاخرة ولا يخفى خروج
قوله كلا سيعلمون 1 وقوله كلا سوف تعلمون 2 عن دعواه لان الوعد والوعيد مع سوف لا اسكان فيه ومع السين للمبالغة وقصد تقريب الوقوع بخلاف سيقوم زيد وسوف يقوم مما القصد فيه الاخبار المجرد
وفرق ابن بابشاذ أيضا بينهما بان سوف تستعمل كثيرا في الوعيد والتهديد وقد تستعمل في الوعد
مثال الوعيد وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا 3 و كلا سيعلمون 1
وامثالها في الوعد ولسوف يعطيك ربك فترضى 4 فاما قوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه 5 لتضمنه الوعد والوعيد جميعا فالوعد لاجل المؤمنين والمحبين والوعيد لما تضمنت من جواب المرتدين بكونهم أعزة عليهم وعلى جميع الكافرين
والاكثر في السين الوعد وتاتي للوعيد
مثال الوعد إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا 6
ومثال الوعيد وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون 7
& على
للاستعلاء حقيقة نحو وعليها وعلى الفلك تحملون 1
أو مجازا نحو ولهم علي ذنب 2
فضلنا بعضهم على بعض 3
وأما قوله وتوكل على الحي الذي لا يموت 4 فهي بمعنى الاضافة والاسناد اي اضفت توكلي واسندته إلى الله تعالى لا إلى الاستعلاء فانها لا تفيده هاهنا
وللمصاحبة كقوله وآتى المال على حبه 5
وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم 6
وتاتي للتعليل نحو لتكبروا الله على ما هداكم 7 اي لهدايته اياكم
قال بعضهم واذا ذكرت النعمة في الغالب مع الحمد لم تقترن بعلى نحو الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض 8 الحمد لله فاطر السماوات والأرض 9 واذا اريدت النعمة اتى ب على ففي الحديث كان اذا رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال ثم اورد هذه الآية
واجاب بان العلو هنا رفع الصوت بالتكبير
وتجئ للظرفيه نحو ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها 10
ونحو واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان 1 اي في ملك سليمان أو في زمن سليمان اي زمن ملكه
ويحتمل إن تتلوا ضمن معنى تقول فتكون بمنزلة ولو تقول علينا 2
وبمعنى من كقوله تعالى اكتالوا على الناس 3
وحمل عليه قوله من الذين استحق عليهم الأوليان 4 اي منهم
وقوله كان على ربك حتما مقضيا 5 اي كان الورود حتما مقضيا من ربك
وبمعنى عند نحو ولهم علي ذنب 6 اي عندي
والباء نحو حقيق على أن لا أقول 7 وفي قراءة أبي رضي الله عنه بالباء & تنبيه
حيث وردت في حق الله تعالى فإن كانت في جانب الفضل كان معناه الوقوع وتاكيده كقوله فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب 8
وقوله ثم إن علينا حسابهم 9
& عن
تقتضي مجاوزة ما اضيف إليه نحو غيره وتعديه عنه تقول اطعمته عن جوع اي ازلت عنه الجوع ورميت عن القوس اي طرحت السهم عنها وقولك اخذت العلم عن فلان مجاز لان علمه لم ينتقل عنه ووجه المجاز انك لما تلقيته منه صار كالمنتقل اليك عن محله وكذلك قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره 1 لانهم اذاخالفوا امره بعدوا عنه وتجاوزوه
قال أبو محمد البصري عن تستعمل اعم من على لانه يستعمل في الجهات الست وكذلك وقع موقع على قوله * اذا رضيت على بنو قشير *
ولو قلت اطعمته من جوع وكسوته على عرى لم يصح
وتجئ للبدل نحو واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا 2
وللاستعلاء نحو ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه 3
وقوله إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي 4 اي قدمته عليه
وقيل على بابها اي منصرفا عن ذكر ربي
وحكى الرماني عن أبي عبيدة إن احببت من احب البعير احبابا اذا برك فلم يقم ف عن متعلقة باعتبار معناه التضمين اي تثبطت عن ذكر ربي وعلى هذا ف حب الخير مفعول لاجله
وللتعليل نحو وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة 1
وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك 2
وبمعنى بعد نحو عما قليل ليصبحن نادمين 3
يحرفون الكلم عن مواضعه 4 بدليل أن مكان آخر من بعد مواضعه
لتركبن طبقا عن طبق 5
وبمعنى من نحو وهو الذي يقبل التوبة عن عباده 6
أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا 7 بدليل فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر 8 3 وبمعنى الباء نحو وما ينطق عن الهوى 9 وقيل على حقيقتها اي وما يصدر قوله عن هوى وقيل للمجاوزة لان نطقه متباعد عن الهوى متجاوز عنه
وفيه نظر لانها اذا كانت بمعنى الباء نفي عنه النطق في حال كونه متلبسا بالهوى وهو صحيح واذا كانت على بابها نفي عنه التعلق حال كونه مجاوزا عن الهوى فيلزم إن يكون النطق حال كونه متلبسا بالهوى وهو فاسد
& عسى
للترجي في المحبوب والاشفاق في المكروه وقد اجتمعا في قوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم 1
قال ابن فارس وتاتي للقرب والدنوا كقوله تعالى قل عسى أن يكون ردف لكم قال وقال الكسائي كل ما في القرآن من عسى على وجه الخبر فهو موحد نحو عسى أن يكونوا خيرا منهم 3 وعسى أن تكرهوا شيئا 1 ووحد على عسى الامر إن يكون كذا
وما كان على الاستفهام فهو يجمع كقوله تعالى فهل عسيتم إن توليتم 4
قال أبو عبيدة معناه هل عدوتم ذلك ( 5 ) هل جزتموه وروى البيهقي في سننة عن ابن عباس قال ك عسى في القرآن فهي واجبه 3 وقال الشافعي يقال عسى من الله واجبه
وحكى ابن الانباري عن بعض المفسرين إن عسى في جميع القرآن واجبه إلا في موضعين في سورة بني اسرائيل
عسى ربكم أن يرحمكم 6 يعني بني النضير فما رحمهم الله بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واوقع عليهم العقوبة ه
وفي سورة التحريم عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن 1 ولازمت هحتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعمم بعضهم القاعدة وابطل الاستثناء لان تقديره إن يكون على شرط اي في وقت من الاوقات فلما زال الشرط وانقضى الوقت وجب عليكم العذاب فعلى هذا لم تخرج عن بابها الذي هو الايجاب
وكذلك قوله عسى ربه إن طلقكن 1 تقديره واجب إن يبدله ازواجا خيرا منكن اي لبت طلاقكن ولم يبت طلاقهن فلا يجب التبديل
وقال صاحب الكشاف في سورة التحريم عسى ربه 1 اطماع من الله تعالى العباده وفيه وجهان احدهما إن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من الاجابة ب لعل وعسى ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت والثاني إن تجئ تعليما للعبادة وجوب الترجيح بين الخوف والرجاء
& عند
ظرف مكان بمعنى لدن إلا إن عند معربة وكان القياس بناءها لافتقارها إلى ما تضاف إليه ك لدن وإذ ولكن أعربوا عند لأنهم توسعوا فيها فأوقعوها على ما هو ملك الشخص حضره أو غاب عنه بخلاف لدن فإنه لا يقال لدن فلان إلا إذا كان بحضرة القائل ف عند بهذا الاعتبار أعم من لدن ويستأنس له بقوله آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما أي من العلم الخاص بنا وهو علم الغيب
وقوله وهب لنا من لدنك رحمة 2 الظاهر أنها بمعنى عندك وكأنها أعم من لدن لما ذكرنا فهي أعم من بين يدي لاختصاص هذه بجهة أمام فإن من حقيقتها الكون من جهتي مسامته البدن
وتفيد معنى القرب
وقد تجىء بمعنى وراء وأمام إذا تضمنت معنى قبل ك بين يدي الساعة
وقد تجىء وراء بمعنى لدى المضمن معنى أمام كقوله تعالى وكان وراءهم ملك 3
من ورائه جهنم 4
ويكفرون بما وراءه 1
وقوله من وراء جدر 2 ويتناول الحالين بالتضايف
وقد يطلق لتضمنه معنى الطواعية وترك الاختيار مع المخاطب كقوله تعالى لا تقدموا بين يدي الله ورسوله 3 من النهي عن التقديم أو التقدم على وجه المبادرة بالرأي والقول أي لا تقدموا القول أو لا تقدموا بالقول بين يدي قول الله وعلى هذا يكون المعنى بقوله بين يدي الله ورسوله أملاء بالمعنى
وإذا ثبت إن عند ولدى للقرب فتارة يكون حقيقيا كقوله ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى 4
وألفيا سيدها لدى الباب 5
وتارة مجازا إما قرب المنزلة والزلفى كقوله بل أحياء عند ربهم يرزقون 6
إن الذين عند ربك 7 وعلى هذا قيل الملائكة المقربون
أو قرب التشريف كقوله رب ابن لي عندك بيتا في الجنة 8 وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدي كل ذلك عندي أي في دائرتي إشارة لأحوال أمته وإلا فقد ثبتت له العصمة
وتارة بمعنى الفضل ومنه فإن أتممت عشرا فمن عندك 9 أي من فضلك وإحسانك
وتارة يراد به الحكم كقوله فأولئك عند الله هم الكاذبون 10
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر