الجزء ٤ — ص ٢٣٢–٢٤١
لانتهاء إلى الغاية وهي مقابلة من ثم لايخلوا إن يقترن بها قرينة تدل على إن ما بعدها داخل فيما قبلها أو غير داخل وان لم يقترن بها قرينة تدل على إن ما بعدها داخل فيما قبلها أو غير داخل فيصار إليه قطعا وان لم يقترن بها
واختلف في دخول ما بعدها في حكم ما قبلها على مذاهب
احدها لاتدخل إلا مجازا لانها تدل على غاية الشيء ونهايته التي هي حدة وما بعد الحد لايدخل في المحدود ولهذا لم يدخل شئ من الليل في الصوم في قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل 1
الثاني عكسه أي انه يدخل ولا يخرج إلا مجازا بدليل آية الوضوء
والثالث انها مشتركة فيهما لوجود الدخول وعدمه
والرابع إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها أو جزءا كالمرافق دخل والا فلا
والحق انه لايطلق فقد يدخل نحو وأيديكم إلى المرافق 2 وقد لايدخل نحو ثم أتموا الصيام إلى الليل 1
وقيل في آية المرافق انها على بابها وذلك إن المرفق هو الموضع الذي يتكئ الانسان عليه في راس العضد وذلك هو المفصل وفريقه فيدخل فيه مفصل الذراع ولا يجب في الغسل اكثر منه
وقيل إلى تدل على وجوب الغسل إلى المرافق ولاينبغي وجوب غسل المرفق
لأن الحد لايدخل في المحدود ولا ينفيه التحديد كقولك سرت إلى الكوفة فلا يقتضي دخولها ولا ينفيه كذلك المرافق إلا إن غسله ثبت بالسنة
ومنشأ الخلاف في آية الوضوء إن إلى حرف مشترك يكون للغاية والمعية واليد تطلق في كلام العرب على ثلاثة معان على الكفين فقط وعلى الكف والذراع والعضد فمن جعل إلى بمعنى مع وفهم من اليد مجموع الثلاثة اوجب دخوله في الغسل ومن فهم من إلى الغاية ومن اليد ما دون المرفق لم يدخلها في الغسل
قال الآمدي ويلزم من جعلها بمعنى مع إن يوجب غسلها إلى المنكب لان العرب تسمية يدا
وقد تاتي بمعنى مع كقوله من أنصاري إلى الله 1
ويزدكم قوة إلى قوتكم 2
ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم 3
وأيديكم إلى المرافق 4
وإذا خلوا إلى شياطينهم 5
وقيل ترجع إلى الانتهاء والمعنى في الاول من يضيف نصرته إلى نصرة الله وموضعها حال أي من انصاري مضافا إلى الله
والمعنى في الاخرى ولا تضيفوا اموالكم إلى اموالهم وكني عنه بالاكل كما قال ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل 6 أي لا تاخذوا
وقد تاتي للتبيين قال ابن مالك وهي المعلقة في تعجب أو تفضيل بحب أو بغض
مبينة لفاعلية مصحوبها كقوله تعالى قال رب السجن أحب إلي 1
ولموافقه اللام كقوله والأمر إليك 2 وقيل للانتهاء واصله والامر اليك
وكقوله ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 3 وموافقة في قوله تعالى هل لك إلى أن تزكى 4 وقيل المعنى بل ادعوك إلى إن تزكي
وزائدة كقراءة بعضهم فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم 5 بفتح الواو
وقيل ضمن تهوى معنى تميل & تنبيه
من الغريب إن إلى قد تستعمل اسما فيقال انصرفت من اليك كما يقال غدوت من عليك حكاه ابن عصفور في شرح ابيات الايضاح عن ابن الانباري
ولم يقف الشيخ ابن حيان على هذا فقال في تفسيره في قوله وهزي إليك بجذع النخلة 6 وقوله واضمم إليك جناحك 7 إلى حرف جر بالاجماع وظاهرها انها متعلقة ب هزي
وكيف يكون ذلك مع القاعدة المشهورة إن الفعل لايتعدى إلى ضمير متصل
وقد يرفع المتصل وهما المدلول واحد فلا تقول ضربتني ولا ضربتك إلا في باب ظن والضمير المجرور عندهم بالحرف كالمنصوب المستقل فلا تقول هززت إلى ولا هززت اليك
& إلا بالفتح والتخفيف
تاتي للاستفتاح وفائدته التنبيه على تحقيق ما بعدها ولذلك قل وقوع الجمل بعدها إلا مصدره بنحو ما يتلقى به القسم نحو ألا إنهم هم المفسدون 1
ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط 2
ألا لعنة الله على الظالمين 3
ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود 4
ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم 5
ألا حين يستغشون ثيابهم 6
وتاتي مركبة من كلمتين همزة الاستفهام ولا النافية
والاستفهام اذا دخل على النفي افاد تحقيقا كقوله تعالى قوم فرعون ألا يتقون 7
وقوله قال ألا تأكلون 8 والتقدير انهم ليسوا بمتقين وليسوا بآكلين
وللعرض وهو طلب بلين نحو ألا تحبون أن يغفر الله لكم 9 ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم 10
ألا بالفتح والتشديد
حرف تحضيض مركبة من إن الناصبة ولا النافية كقوله تعالى ألا تعلوا علي 1 ألا يسجدوا لله 2
ثم قيل المشددة اصل والمخففة فرع قيل بالعكسر
وقيل الهمزة بدل من الهاء وبالعكس حكاه ابن هشام الخضراوي ( 3 ) في حاشية سيبويه & إلا
ترد لمعان
الاول الاستثناءوينقسم إلى متصل وهوما كان المستثنى من جنس المستثنى منه نحو جاء القوم إلا زيدا والى منقطع وهو ما كان من غير جنسه
وتقدر ب لكن كقوله لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر 4
و قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء 5
وقوله إلا الذين آمنوا 6 في سورة الانشقاق و
إلا من تولى وكفر 7 في آخر الغاشية
وكذلك إلا من ارتضى من رسول 1 ودخول الفاء في فإنه يسلك دليل انقطاعه ولو كان متصلا لتم الكلام عند قوله رسول
وقوله إلا تذكرة لمن يخشى 2 ويجوز إن تكون تذكرة بدلا من لتشقى 3 وهو منصوب ب انزلنا ( 3 ) تقديره ما انزلنا عليك القرآن إلا تذكرة
وقوله وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى 4 فابتغاء وجه ربه ليس من جنس النعم التي تجزى
وقوله الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله 5
فقولهم ربنا الله ليس بحق يوجب اخراجهم
وقوله لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر 6 لاحرج عليهم في قعودهم وانما كان منقطعا لان القاعد عن ضرر وان كانت له نية الجهاد ليس مستويا في الاجر مع المجاهد لان الاجر على حسب العمل والمجاهد يعمل ببدنه وقلبه والقاعد بقلبه
وقوله فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس 7 اذ لو كان متصلا لكان المعنى فهل آمنت قرية إلا قوم يونس فلا يؤمنون فيكون طلب الايمان من خلاف قوم يونس وذلك باطل لان الله تعالى يطلب من كل شخص الايمان فدل على إن المعنى لكن قوم يونس
وقال الزجاج يمكن اتصاله لان قوله فلولا في المعنى نفي فان الخطاب لما يقع منه الايمان وذلك اذا كان الكلام نفيا كان ما بعد إلا يوجب إنكاره
قال ما من قرية آمنت فنفعها ايمانها إلا قوم يونس
وقد رد عليه الآمدي بان جعل إلا متقطعة عما قبلها لغة فصيحة وان كان جعلها متصلة اكثر وحمل الكلام على المعنى ليس بقياس
ومنه قوله تعالى لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم 1 فان من رحم بمعنى المرحوم ليس من جنس العاصمين وانما هو معصوم فدل على انها بمعنى لكن
فان قيل يمكن اتصاله على إن من رحم بمعنى الراحم أي الذي يرحم فيكون الثاني من جنس الاول
قيل حمل هذه القراءة على القراءة الاخرى اعني قراءة رحم بضم الراء حتى يتفق معنى القراءتين
الثاني بمعنى بل كقوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة 2 أي بل تذكرة
الثالث عاطفة بمعنى الواو في التشريك كقوله تعالى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا 3 معناه ولا الذين ظلموا
وقوله إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم 4 أي ومن ظلم تاولها الجمهور على الاستثناء المنقطع
الرابع بمعنى غير اذا كانت صفة ويعرب الاسم بعد إلا اعراب غير كقوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 1 وليست هنا للاستثناء
والا لكان التقدير لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا وهو باطل
ومثله قوله تعالى ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم 2 فلو كان استثناء لكان من غير الجنس لان انفسهم ليس شهودا على الزنا لان الشهداء على الزنا يعتبر فيهم العدد ولا يسقط الزنا المشهود به بيمين المشهود عليه
واذا جعل وصفا فقد امن فيه مخالفة الجنس ف إلا هي بمنزلة غير لا بمعنى الاستثناء لان الاستثناء اما من جنس المستثنى منه أو من غير جنسه ومن توهم في صفة الله واحدا من الامرين فقد ابطل
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني هذا توهم منه وخاطر خطر من غير اصل ويلزم عليه إن تكون إلا في قوله تعالى فإنهم عدو لي إلا رب العالمين 3 وقوله ضل من تدعون إلا إياه استثناء وأن تكون بمنزلة غير وذلك لا يقوله أحد لان إلا اذا كانت صفة كان اعراب الاسم الواقع بعدها اعراب الموصوف بها وكان تابعا له في الرفع والنصب والجر
وقال والاسم بعد إلا في الآيتين منصوب كما ترى وليس قبل إلا في واحد منهما منصوب بالا
واعلم انه يوصف بما بعد إلا سواء كان استثناء منقطعا أو متصلا قال المبرد والجرمي في قوله تعالى إلا قليلا ممن أنجينا منهم 5 لو قرئ بالرفع قليل على الصفة لكان حسنا والاستثناء منقطع
الخامس بمعنى بدل وجعل ابن الضائع منه قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 1 أي بدل الله أي عوض الله وبه يخرج على الاشكال المشهور في الاستثناء وفي الوصف ب إلا من جهة المفهوم
بقي إن يقال إن ابن مالك جعلها في الاية صفة وأنها للتأكيد لا للتخصيص لانه لو قيل لو كان فيهما آلهة فسدتا لصح لان الفساد مرتب على تعدد الالهة
فيقال ما فائدة الوصف المقتضى ها هنا للتأكيد وجوابه إن آلهة ة تدل على الجنس أو على الجمع فلو اقتصر عليه لتوهم إن الفساد مرتب على الجنس من حيث هو فاتى بقوله إلا الله ليدل على إن الفساد مرتب على التعدد وهذا نظير قولهم في إلهين اثنين 2 إن الوصف هنا مخصص لا مؤكد لان إلهين يدل على الجنسية وعلى التثنية فلوا اقتصر عليه لم يفهم النهي عن احدهما فاتى ب اثنين ليدل على إن النهي عن الاثنين على ما سبق
السادس للحصر اذا تقدمها نفي
اما صريح كقوله تعالى وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون 3
أو مقدر كقوله تعالى وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين 4 فان إلا ما دخلت بعد لفظ الايجاب إلا لتاويل ما سبق إلا بالنفي أي فانها لاتسهل وهو معنى كبيرة واما لان الكلام صادق معها أي وانها لكبيرة على كل أحد إلا على الخاشعين بخلاف ضربت إلا زيدا فانه لايصدق
@ 241
السابع مركبة من إن الشرطية ولا النافية ووقعت في عدة مواقع من القرآن نحو
إلا تنصروه فقد نصره الله 1
إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض 2
إلا تنفروا يعذبكم 3
وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين 4
وإلا تصرف عني كيدهن 5
ولاجل الشبه الصوري غلط بعضهم فقال في إلا تفعلوه إن الاستثناء منقطع أو متصل
وعجبت من ابن مالك في شرح التسهيل حيث عدها في اقسام إلا لكنه في شرح الكافية قال في باب الاستثناء لا حاجة للاحتراز عنها & فائدة
قال الرماني في تفسيره معنى إلا اللازم لها الاختصاص بالشئ دون غيره فاذا قلت جاءني القوم إلا زيدا فقد اختصصت زيدا بانه لم يجئ واذا قلت ما جاءني إلا زيد فقد اختصصته بالمجئ واذا قلت ما جاءني زيد إلا راكبا فقد اختصصت هذه الحال دون غيرها من المشي والعدو ونحوه
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر