الجزء ٤ — ص ٢٢٢–٢٣١
واما الرابعة فهو يشعر بالاتمام ولا نسلم إن الاصل الاتمام وقد قالت عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة ركعتين فاقرت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر
واما البواقي فظاهر الشرط ممتنع فيه بدليل التعجب المذكور لكنه لا يمنع مخالفة الظاهر لعارض
& إن المفتوحة الهمزة الساكنة النون
ترد لمعان
الاول حرفا مصدريا ناصبا للفعل المضارع وتقع معه في موقع المبتدأ والفاعل والمفعول والمضاف إليه
فالمبتدأ يكون في موضع رفع نحو وأن تصوموا خير لكم 1 وأن تصبروا خير لكم 2 وأن يستعففن خير لهن 3 وأن تعفوا أقرب للتقوى 4 والفاعل كقوله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا 5 أكان للناس عجبا أن أوحينا 6
وما كان جواب قومه إلا أن قالوا 7 في قراءة من نصب جواب
وتقع معه موقع المفعول به فيكون في موضع نصب نحو وما كان هذا القرآن أن يفترى 8
يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة 9
فأردت أن أعيبها 10
وأمرت لأن أكون 1
وقوله فإن استطعت أن تبتغي 2
يريد الله أن يخفف عنكم 3
إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر 4 معناه بان انذر فلما حذفت الباء تعدي الفعل فنصب
ومنه في أحد القولين إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله 5 نصب على البدل من قوله ما أمرتني به 5
والمضاف إليه فيكون في موضع جر كقوله قل هو القادر على أن يبعث عليكم 6 قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا 7 أي من قبل اتيانك
وانما لم ينصب في قوله تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا 8 وان كان المعنى لوحينا لان الفعل بعدها لم يكن مستحقا للاعراب ولا يستعمل إلا إن تعمل فيه العوامل
وقد يعرض ل إن هذه حذف حرف الجر كقوله تعالى الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا 9 أي بان يقولوا كما قدرت في قوله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم ( 10 ) أي بان لهم ومذهب سيبويه انها في موضع نصب ونفاها الخليل على اصل الجر
وتقع بعد عسى فتكون مع صلتها في تاويل مصدر منصوب إن كانت ناقصة نحو عسى زيد إن يقوم
ومثله عسى ربكم أن يرحمكم 1 وتكون في تاويل مصدر مرفوع إن كانت اتامة كقولك عسى إن ينطلق زيد ومثله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا 2
الثاني مخففة من الثقيلة فتقع بعد فعل اليقين وما في معناه ويكون اسمها ضمير الشان وتقع بعدها الجملة خبرا عنها نحو أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا 3
علم أن سيكون منكم مرضى 4 وحسبوا ألا تكون فتنة 5
وأن عسى أن يكون 6 وأن لو استقاموا 7
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين 8
وجعل ابن الشجري منه وناديناه أن يا إبراهيم 9 أي انه يا إبراهيم
الثالث مفسرة بمنزلة أي التي لتفسير ما قبلها بثلاثة شروط تمام ما قبلها من الجملة وعدم تعلقها بما بعدها وان يكون الفعل الذي تفسره في معنى القول كقوله تعالى وناديناه أن يا إبراهيم 9 فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا 10 أن طهرا بيتي 11
قال ابن الشجري تكون هذه في الامر خاصة وانما شرط مجيئها بعد كلام تام لانها تفسير ولا موضع لها من الاعراب لانها حرف يعبر به عن المعنى
وخرج بالاول وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين 1 لان الكلام لم يتم فان ما قبلها مبتدأ وهي في موضع الخبر ولا يمكن إن تكون ناصبة لوقوع الاسم بعدها بمقتضى انها المخففة من الثقيلة
واما قوله تعالى وانطلق الملأ منهم أن امشوا 02 ) فقيل انها مفسرة لان الانطلاق متضمن لمعنى القول
وقال الخليل يريدون انهم انطلقوا في الكلام بهذا وهو امشوا أي اكثروا يقال امشي الرجل ومشى اذا كثرت ماشيته فهو لايريد انطلقوا بالمشي الذي هو انتقال انما يريد قالوا هذا
وقيل عبارة عن الاخذ في القول فيكون بمنزلة صريحة وان مفسرة وقيل مصدرية
فان قيل قد جاءت بعد صريح القول كقوله تعالى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله 3
قلنا لا دلالة فيه لاحتمال انها مصدرية
وقال الصفار لاتتصور المصدرية هنا بمعنى إلا عبادة الله لان القول لا يقع بعده المفرد إلا إن يكون هو المقول بنفسه أو يكون في معنى المقول نحو قلت خبرا وشعرا لانهما في معنى الكلام أو يقول قلت زيدا أي هذا اللفظ وهذا لا يمكن في الاية لأنهم لم يقولوا هذه العبارة فثبت انها تفسيرية أي اعبدوا الله
وقال السيرافي ليست لإن تفسيرا للقول بل للقول بل للامر لان فيه معنى القول فلو كان ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله لم يجز لذكر القول
الرابع زائدة وتكون بعد لما التوقيتية كقوله تعالى في سورة العنكبوت ولما أن جاءت رسلنا لوطا 1 بدليل قوله في سورة هود ولما جاءت رسلنا لوطا 2 فجاء فيها على الاصل
واما قوله فلما أن جاء البشير 3 فجئ ب إن ولم يات على الأصل من الحذف لانه لما كان مجئ البشير إلى يعقوب عليه السلام بعد طول الحزن وتباعد المدة ناسب ذلك زيادة إن لما في مقتضى وصفها من التراخي
وذهب الاخفش إلى انها قد تنصب الفعل وهي مزيدة كقوله تعالى وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله 4 وما لكم ألا تنفقوا 5 وان في الآيتين زائدة بدليل وما لنا لا نؤمن بالله 6
الخامس شرطية في قول الكوفيين كقوله أن تضل إحداهما فتذكر 7 قالوا ولذلك دخلت الفاء
السادس نافية بمعنى لا في قوله تعالى قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد 8 أي لايؤتى أحد والصحيح انها مصدرية
وزعم المبرد إن يؤتى متصل بقوله ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم 1 واللام زائدة
وقيل إن يؤتى في موضع رفع أي إن الهدى إن يؤتى
السابع التعليل بمنزلة لئلا كقوله تعالى يبين الله لكم أن تضلوا 2
وقال البصريون على حذف مضاف أي كراهة إن تضلوا
وكذا قوله أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا 3 وقوله أن تقول نفس يا حسرتى 4
الثامن بمعنى اذ مع الماضي كقوله بل عجبوا أن جاءهم 5
وقيل بل المعنى لان جاءهم أي من اجله
قيل ومع المضارع كقوله أن تؤمنوا بالله ربكم 6 أي اذا آمنتم والصحيح انها مصدرية
واجاز الزمخشري إن تقع إن مثل ما في نيابتها عن ظرف الزمان وجعل منه قوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك 7 وقوله إلا أن يصدقوا 8
ورد بان استعمالها للتعليل مجمع عليه وهو لائق في هاتين الايتين والتقدير لان آتاه ولئلا يصدقوا
& إن المكسورة المشددة
لها ثلاثة اوجه
احدها للتاكيد نحو إن الله كان عليما حكيما 1
وللتعليل اثبته ابن جني من النحاة وكذا اهل البيان وسبق بيانه في نوع التعليل من قسم التاكيد
وبمعنى نعم في قوله تعالى إن هذان لساحران 2 فيمن شدد النون
قال أبو اسحاق عرضت هذا على محمد بن يزيد واسماعيل بن اسحاق فرضياه
وقال ابن برهان كانهم اجمعوا بعد التنازع على قذف النبيين بالسحر صلى الله عليهما
وعبارة غيره هي بمعنى اجل وان لم يتقدم سؤال عن سحرهم فقد تقدم أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك 3 فتكون على هذا القول مصروفة إلى تصديق السنتهم فيما ادعوه من السحر
واستضعفه الفارسي بدخول اللام في خبر المبتدأ وهو لايجوز إلا في ضرورة ز
فان قدرت مبتدأ محذوفا أي فهما ساحران فمردود لان التاكيد لايليق به الحذف
وقيل دخلت اللام في خبر المبتدأ مراعاة للفظ أو لما كانت تدخل معها في الخبرية
وقيل جاء على لغة بني الحارث في استعمال المثنى بالالف مطلقا
& إن المفتوحة المشددة
يجئ للتاكيد كالمكسورة واستشكله بعضهم لانك لوصرحت بالمصدر المنسبك منها لم تفد توكيدا وهو ضعيف لما علم من الفرق بين إن والفعل والمصدر وقال في المفصل إن وان تؤكدان مضمون الجملة إلا إن المكسورة الجملة معها على استقلالها بفائدتها والمفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد ( 1 )
قال ابن الحاجب لان وضع إن تاكيد للجملة من غير تغيير لمعناها فوجب إن تستقل بالفائدة بعد دخولها واما المفتوحة فوضعها وضع الموصولات في إن الجملة معها كالجملة مع الموصول فلذلك صارت مع جملتها في حكم الخبر فاحتاجت 000 إلى جزء آخر ليستقل معها بالكلام فتقول إن زيدا قائم وتسكت وتقول اعجبني إن زيدا قائم فلا تجد بدا من هذا الجزء الذي معها لكونها صارت في حكم الجزء الواجد اذ معناه اعجبني قيام زيد ولا يستقل بالفائدة مالم ينضم إليه جزء آخر فكذلك المفتوحة مع جملتها ولذلك وقعت فاعلة ومفعولة 00 ومضافا اليها وغير ذلك مما تقع فيه المفردات
ومن وجوه الفرق بينهما انه لاتصدر بالمفتوحة الجملة كما تصدر بالمكسورة لانها لو صدرت لوقعت مبتدأ والمبتدأ معرض لدخول إن فيؤدي إلى اجتماعهما
ولانها قد تكون بمعنى لعل كما في قوله تعالى وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون 2 وتلك لها صدر الكلام فقصدوا إلى إن تكون هذه مخالفة لتلك في الوضع
& إنما
لقصر الصفة على الموصوف أو الموصوف على الصفة وهي للحصر عند جماعة كالنفي والاستثناء
وفرق البيانيون بينهما فقالوا الاصل إن يكون ما يستعمل له انما مما يعلمه المخاطب ولا ينكره كقولك انما هو اخوك وانما هو صاحبك القديم لمن يعلم ذلك ويقر به وما يستعمل له النفي والاستثناء على العكس فاصله إن يكون مما يجهله المخاطب وينكره نحو وما من إله إلا الله 1
ثم انه قد ينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب فيستعمل له النفي والاستثناء نحو وما محمد إلا رسول 2 الاية ونحو إن أنتم إلا بشر مثلنا 3 والرسل ما كانوا على دفع البشرية عن انفسهم وادعاء الملائكية لكن الكفار كانوا يعتقدون إن الله لايرسل إلا الملائكة وجعلوا انهم بادعائهم النبوة ينفون عن انفسهم البشرية فاخرج الكلام مخرج ما يعتقدون واخرج الجواب أيضا مخرج ما قالوا حكاية لقولهم كما يحكى المجادل كلام خصمه ثم يكر عليه بالابطال كانه قيل الامر كما زعمتم اننا بشر ولكن ليس الامر كما زعمتم ( 4 ) من اختصاص الملائكة بالرسالة فان الله يبعث من الملائكة رسلا ومن الناس
وقد ينزل المجهول منزلة المعلوم لادعاء المتكلم ظهوره فيستعمل له انما كقوله تعالى إنما نحن مصلحون 5 فان كونهم مصلحين منتف فهو مجهول بمعنى انه لم يعلم بينهم صلاح ( 6 ) فقد نسبوا الاصلاح إلى انفسهم وادعوا انهم كذلك ظاهر جلى ولذلك جاء الرد عليهم مؤكدا من وجوه
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر