علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٧١ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٢١٢–٢٢١

واما قوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا 1 فليس المراد منه النهي عن اطاعة احدهما دون الآخر بل النهي عن طاعتهمامفردين اومجتمعين وانما ذكرت أو لئلا يتوهم إن النهي عن طاعة من اجتمع فيه الوصفان

وقال ابن الحاجب استشكل قوم وقوع أو في النهي في هذه الاية فانه لو انتهى عن احدهما لم يتمثل ولا يعد يمتثل إلا بالانتهاء عنهما جميعا

فقيل انها بمعنى الواو والاولى انها على بابها وانما جاء التعيين فيها من القرينة لان المعنى قبل وجود النهي تطيع اثما أو كفورا اي واحدا منهما فاذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا في المعنى فيصير المعنى ولا تطع واحدا منهما فيجئ التعميم فيهما من جهة النهي الداخل وهي على بابها فيما ذكرناه لانه لايحصل الانتهاء عن احدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الاثبات فانه قد يفعل احدهما دون الاخر

قال فهذا معنى دقيق يعلم منه إن أو في الاية على بابها وان التعميم لم يجئ منها وانما جاء من جهة المضموم اليها انتهى

ومن هذا وان كان خبرا قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين 2 لان الميراث لا يكون إلا بعد انفاذ الوصية والدين وجد احدهما أو وجدا معا

وقال أبو البقاء في اللباب ( 3 ) إن اتصلت بالنهي وجب اجتناب الامرين عند النحويين كقوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا 4 ولو جمع بينهما لفعل المنهي عنه مرتين لان كل واحد منهما احدهما

وقال في موضع آخر مذهب سيبويه إن أو في النهي نقيضية أو في الاباحة

فقولك جالس الحسن اوب ابن سيرين اذن في مجالستهما ومجالسة من شاء منهما فضده في النهي لا تطع منهم آثما أو كفورا اي لا تطع هذا ولا هذا والمعنى لاتطع اجدهما ومن اطاع منهما كان احدهما فمن ها هنا كان نهيا عن كل واحد منهما ولو جاء بالواو في الموضعين أو احدهما لاوهم الجمع

وقيل أو بمعنى الواو لانه لو انتهى عن احدهما لم يعد ممتثلا بالانتهاء عنهما جميعا قال الخطيبي ( 1 ) والاولى انها على بابها وانما جاء التعميم فيها من النهي الذي فيه معنى النفي والنكرة في سياق النفي تعم لان المعنى قبل وجود النهي تطيع آثما أو كفورا اي واحدا منهما فالتعميم فيهما فاذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتا فالمعنى لا تطع واحدا منهما فسمى التعميم فيهما من جهة النهي وهي على بابها فيما ذكرناه لانه لا يحصل الانتهاء عن احدهما حتى ينتهي عنهما بخلاف الاثبات فانه قد ينتهي عن احدهما دون الاخر & تنبيهان

الاول روى البيهقي في سننه في باب الفدية بغير النعم عن ابن جريج قال كل شئ في القرآن فيه أو للتخيير إلا قوله تعالى أن يقتلوا أو يصلبوا 2 ليس بمخير فيهما

قال الشافعي وبهذا اقول

والثاني من اجل إن مبناها على عدم التشريك اعاد الضمير إلى مفرديها بالافراد

بخلاف الواو واما قوله تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما 1 فقد قيل إن أو بمعنى الواو ولهذا قال بهما ولو كانت لاحد الشيئين لقيل به وقيل على بابها ومعنى غنيا أو فقيرا إن يكن الخصمان غنيين أو فقيرين أو منهما اي الخصمين على اي حال كان لان ذلك ذكر عقيب قوله كونوا قوامين بالقسط شهداء لله 1 يشير للحاكم والشاهد وذلك يتعلق باثنين

وقيل الاولوية المحكوم بها ثابته للمفردين معا نحو جاءني زيد أو عمرو ورايتهما فالضمير راجع إلى الغني والفقير المعلومين من وجوه الكلام فصار كانه قيل فالله اولى بالغني والفقير

ويستعمل ذلك المذكور وغيره ولو قيل فالله اولى به لم يشمله ولانه لما لم يخرج المخلوقون عن الغنى والفقر صار المعنى افعلوا ذلك لان الله اولى ممن خلق ولو قيل اولى به لعاد إليه من حيث الشهادة فقط

إن

& المكسورة الخفية

ترد لمعان

الاول الشرطية وهو الكثير نحو إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا 1

إن ينتهوا يغفر لهم 2

ثم الاصل في عدم جزم المتكلم بوقوع الشرط كقوله إن كنت قلته فقد علمته 3 وعيسى جازم بعدم وقوع قوله

وقد تدخل على المتيقن وجوده اذا ابهم زمانه كقوله أفإن مت فهم الخالدون 4

وقد تدخل على المستحيل نحو إن كان للرحمن ولد 5 ومن احكامها انها للاستقبال وانها تخلص الفعل له وان كان ماضيا كقولك إن اكرمتني اكرمتك ومعناه إن تكرمني واما قولهم إن اكرمتني اليوم فقد اكرمتك امس وقوله إن كان قميصه قد من قبل فصدقت 6 فقيل معنى اكرمتني اليوم يكون سبب للاخبار بذلك وان ثبت كان قميصه قد من قبل يكون سببا للاخبار بذلك

قاله ابن الحاجب وهي عكس لو فانها للماضي وان دخلت على المضارع & مسأله

إن دخلت إن على لم يكن الجزم لم لابها كقوله تعالى وإن لم ينتهوا 7

فإن لم تفعلوا 1 وان دخلت على لا كان الجزم بها لا لا كقوله تعالى وإلا تغفر لي 6 ( 2 )

والفرق بينهما إن لم عامل يلزم معموله ولا يفرق بينهما بشئ وان يجوز إن يفرق بينهما وبين معمولها معمول معمولها نحو إن زيدا يضرب اضربه

وتدخل أيضا على الماضي فلا تعمل في لفظه ولا تفارق العمل واما لا فليست عاملة في الفعل فاضيف العمل إلى إن

الثاني بمنزلة لا وتدخل على الجملة الاسمية كقوله في الانعام إن هي إلا حياتنا الدنيا 3 بدليل ما في الجاثية ما هي إلا حياتنا الدنيا 4

وقوله إن أنت إلا نذير 5

إن الكافرون إلا في غرور 6 إن كل نفس لما عليها حافظ 7

إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا 9

إن نحن إلا بشر مثلكم 10

إن أنتم إلا بشر مثلنا 11

وعلى الجملة الفعلية نحو إن أردنا إلا الحسنى 13

إن يقولون إلا كذبا 1

إن يدعون من دونه إلا إناثا 2

وتظنون إن لبثتم إلا قليلا 3

إن كانت إلا صيحة واحدة 4

بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين 5

وزعم بعضهم إن شرط النافية مجئ إلا في خبرها كهذه الايات أو لما التي بمعناها كقراءة بعضهم إن كل نفس لما عليها حافظ 6 بتشديد الميم اي ما كان نفس إلا عليها حافظ

وإن كل لما جميع لدينا محضرون 7

وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا 8

ورد بقوله وإن أدري لعله فتنة لكم 9

وإن أدري أقريب أم بعيد 010 )

إن عندكم من سلطان 11

بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين 12

واما قوله وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به 13 فالتقدير وان أحد من اهل الكتاب

واما قوله ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده 1 فالاولى شرطيه والثانية نافية جواب للقسم الذي اذنت به اللام الداخلة على الاولى وجواب الشرط محذوف وجوبا

واختلف في قوله ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه 02 ) فقال الزمخشري وابن الشجري إن نافية اي فيما مامكناكم فيه إلا إن إن احسن في اللفظ لما في مجامعة مثلها من التكرار المستبشع ومثله يتجنب قالا ويدل على النفي قوله تعالى ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم 3

وحكى الزمخشري انها زائدة قال والاول افخم

وقال ابن عطية ما بمعنى الذي وان نافيه وقعت مكان ما فيختلف اللفظ ولا تتصل ما ب ما والمعنى لقد اعطيناهم من القوة والغنى مالم نعطكم ونالهم بسبب كفرهم هذا العقاب فانتم احرى بذلك اذا كفرتم

وقيل إن شرطية والجواب محذوف اي الذي إن مكناكم فيه طغيتم

وقال وهذا مطرح في التاويل

وعن قطرب انها بمعنى قد حكاه ابن الشجري

ويحتمل النكرة الموصوفة

واعلم إن بعضهم انكر مجئ النافية وقال في الايات السابقة إن ما محذوفة والتقدير ما إن الكافرون إلا في غرور ما إن تدعون ما إن ادري ونظائرها كما قال الشاعر

% % وما إن طبنا جبن ولكن % % منايانا ودولة آخرينا ( 1 %

فحذفت ما اختصارا كما حذف لا في تالله تفتأ 2

الثالث مخففه من الثقيلة فتعمل في اسمها وخبرها ويلزم خبرها اللام كقوله تعالى وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم 3

ويكثر اهمالها نحو وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا 4 وإن كل لما جميع لدينا محضرون 5

إن كل نفس لما عليها حافظ 6 في قراءة من خفف لما اي انه كل نفس لعليها حافظ

الرابع للتعليل بمعنى اذ عند الكوفيين كقوله وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين 7 قال بعضهم لم يخبرهم بعلوهم إلا بعد إن كانوا مؤمنين

وقوله اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين 8

قال بعضهم لو كانت للخبر لكان الخطاب لغير المؤمنين

وكذا وإن كنتم في ريب 9 ونحوه مما الفعل في محقق الوقوع والبصريون يمنعون ذلك وهو التحقيق كالمعنى مع اذا

واجابوا عن دخولها في هذه المواطن لنكته وهي انه من باب خطاب التهييج نحو إن كنت ولدي فاطعمني

واما قوله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين 1 فالاستثناء مع تحقق الدخول تادبا بادب الله في المشيئة والاستثناء من الداخلين لا من الر لانه كان بين الرؤيا وتصديقها سنة ومات بينهما خلق كثير فكانه قال كلكم إن شاء الله

الخامس بمعنى لقد في قوله إن كنا عن عبادتكم لغافلين 2 اي لقد كنا

إن كان وعد ربنا لمفعولا 3

و تالله إن كدت لتردين 4

تالله إن كنا لفي ضلال مبين ( 5 ) & فائدة

ادعى ابن جني في كتاب القد إن إن الشرطية تفيد معنى التكثير لما كان في هذا الشياع والعموم لانه شائع في كل مره ويدل لذلك دخولها على أحد التي لايستعمل إلا في النفي العام كقوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك 6 لانه ليس في واجد يقتصر عليه فلذلك ادخل عليه أحد الذي لا يستعمل في الايجاب

قال يجوز إن تكون أحد هنا ليست التي للعموم بل بمنزلة أحد من

احد وعشرين ونحوه إلا انه دخله معنى العموم لاجل إن كما في قوله وإن امرأة 1 إن امرؤ 2 & تنبيه

قيل قد وقع في القرآن الكريم إن بصيغة الشرط وهو غير مراد في مواضع

ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا 3 وقوله واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون 4 وقوله وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة 5 وقوله أن تقصروا من الصلاة إن خفتم 6 وقوله إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر 7

وقد يقال اما الاولى فيمتنع النهي عن ارادة التحصن فانهن اذا لم يردن التحصن يردن البغاء والاكراه على المراد ممتنع

وقيل انها بمعنى اذا لانه لايجوز اكراههن على الزنا إن لم يردن التحصن أو هو شرط مقحم لان ذكر الاكراه يدل عليه لانهن لا يكرهنهن إلا عند ارادة التحصين وفائدة ايجابه المبالغة في النهي عن الاكراه فالمعنى إن اردن العفة فالمولى احق بارادة ذلك

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر