الجزء ٤ — ص ٢٠٢–٢١١
ومنه قوله تعالى في سورة الروم وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون 1
وقوله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين 2
واما قوله تعالى وإذا مس الإنسان ضر 3 بلفظ اذا مع الضر فقال السكاكي نظر في ذلك إلى لفظ المس وتنكير الضر المفيد للتعليل ليستقيم التوبيخ والى الناس المستحقين إن يلحقهم كل ضرر وللتنبيه على إن مس قدر يسير من الضر لامثال هؤلاء حقه إن يكون في حكم المقطوع به
واما قوله تعالى وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض 4 بعد قوله وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه 4 أي اعرض عن الشكر وذهب بنفسه وتكبر والذي تقتضيه البلاغة إن يكون الضمير للمعرض المتكبر لا المطلق الانسان ويكون لفظ اذا للتنبيه على إن مثل هذا المعرض المتكبر يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا
الثاني من الاحكام المخالفة إن المشروط ب إن اذا كان عدما لم يمتنع الجزاء في الحال حتى يتحقق اليأس من وجوده ولو كان العدم مشروطا بن اذا وقع الجزاء في الحال مثل إن لم اطلقك فأنت طالق لم ( 5 ) تطلق إلا في آخر العمر واذا قال اذا لم اطلقك فانت طالق تطلق في الحال لان معناه انت طالق في زمان عدم تطليقي لك فاي زمان تخلف عن التطليق يقع فيه الطلاق وقوله إن لم اطلقك تعليق للطلاق على امتناع الطلاق ولا يتحقق ذلك إلا بموته غير مطلق
الثالث إن إن تجزم الفعل المضارع اذا دخلت عليه واذا لا تجزمه لانها لا تتمحض شرطا بل فيها معنى التزام الجزاء في وقت الشرط من غير وجوب إن يكون معللا بالشرط
وقد جاء الجزم بها اذا اريد بها معنى إن وأعرض عما فيها من معنى الزمان كقوله * واذا تصبك خصاصة فتجمل
الرابع إن اذا هل تفيد التكرار والعموم فيه قولان حكاهما ابن عصفور احدهما نعم فاذا قلت اذا قام زيد قام عمرو افادت انه كلما قام زيد قام عمرو
والثاني لايلزم
قال والصحيح إن المراد بها العموم كسائر اسماء الشرط واما إن ففيها كلام عن ابن جني ياتي في باب إن
الخامس انك تقول اقوم اذا قام زيد فيقتضي إن قيامك مرتبط بقيامه لا يتقدم عليه ولا يتاخر عنه بل يعاقبه على الاتصال بخلاف اقوم إن قام زيد فيقتضي إن قيامك بعد قيامه وقد يكون عقبه وقد يتاخر عنه
فالحاصل إن التقييد بالاستقبال دون اقتضاء مباعدة بخلاف اذا ذكره أبو جعفر ابن الزبير في كتابه ملاك التأويل
السابعة قيل قد تاتي زائدة كقوله إذا السماء انشقت 1 تقديره انشقت السماء كما قال اقتربت الساعة 2 أتى أمر الله 3 ورد هذا بان الجواب مضمر
ويحوز مجيئها بمعنى اذا وجعل منه ابن مالك قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا 1
ورد بفوات المعنى لان اذا تفيد إن هذا حالهم المستمر بخلاف اذا فانها لا تعطي ذلك
وقولهم اذا فعلت كذا فيكون على ثلاثة اضرب
احدها يكون المامور به قبل الفعل تقول اذا اتيت الباب فالبس احسن الثياب ومنه قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم 2 فإذا قرأت القرآن فاستعذ 3
الثاني إن يكون مع الفعل كقولك اذا قرات فترسل
الثالث إن يكون بعده كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا 4 إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا 5 & فائدة
من الاسئلة الحسنة في قوله تعالى كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا 6 انه يقال لم اتي قبل اضاء ب كلما وقبل اظلم ب اذا وما وجه المناسبة في ذلك وفيه وجوه الاول إن تكرار الاضاءة يستلزم تكرار الاظلام فكان تنويع الكلام اعذب
الثاني إن مراتب الاضاءة مختلفة متنوعة فذكر كلما تنبيها على ظهور التعدد وقوته لوجوده بالصورة والنوعية والاظلام نوع واجد فلم يؤت بصيغة التكرار لضعف التعدد فيه بعد ظهوره بالنوعية وان حصل بالصورة
الثالث قاله الزمخشري وفيه تكلف انهم لما اشتد حرصهم على الضوء المستفاد من النور كانوا كلما حدث لهم نور تجدد لهم باعث الضوء فيه لا يمنعهم من ذلك تقدم فقده واختفاؤه منهم واما التوقف بالظلام فهو نوع واحد
وهذا قريب من الجواب الثاني لكنه بمادة اخرى ويفترقان بان جواب الزمخشري يرجع التكرار فيه إلى جواب كلما لا إلى مشروطها الذي يليها ويباشرها فطلب تكراره وهو الاولي في مدلول التكرار والجواب المتقدم يرجع إلى تكرار مشروطها يتبعه الجواب من حيث هو ملزمه وتكرره فرع تكرر الاول
الرابع إن اضاءة البرق منسوبة إليه واظلامه ليس منسوبا إليه لان اضاءته هي لمعانه والظلام امر يحدث عن اختفائه فتظلم الاماكن كظلام الاجرام الكثائف فاتى باداة التكرار عند الفعل المتكرر من البرق وبالاداة التي لا تقتضي التكرار عند الفعل الذي ليس متكررا منه ولا صادرا عنه
الخامس ذكره ابن المنير إن المراد باضاءة البرق الحياة وبالظلام الموت فالمنافق تمر حالة في حياته بصورة الايمان لانها دار مبنية على الظاهر فاذا صار إلى الموت رفعت له اعماله وتحقق مقامه فتستقيم كلما في الحياة واذا في الممات وهكذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم احيني ما دامت الحياة خير لي وامتني اذا كانت الوفاة خيرا لي فاستعمل مع الحياة لفظ التكرار والدوام واستعمل مع لفظ الوفاة لفظ الاختصار والتقييد
وقيل إن ذلك لاحد معنيين اما لان الحياة ماثورة لازدياد العمل الصالح الذي الهمم العالية معقودة به فعرض بالاستكثار منه والدوام عليه ونبه على إن الموت لايتمنى ولكن اذا نزل وقته رضي به واما لان الحياة يتكرر زمانها واما الموت مرة واحدة
وجواب آخر إن الكلام في الانوار هو الاصل المستمر واما خفقان البرق في اثناء ذلك فعوارض تتصل بالحدوث والتكرار فناسب الاتيان فيها بكلما وفي تلك ب اذا والله اعلم
& اذا
ظرف لماضي ل 4 ماضي الزمان يضاف للجملتين كقوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل 1 وتقول ايدك الله اذ فعلت
واما قوله تعالى ولو ترى إذ وقفوا على النار 2 ف ترى مستقبل واذ ظرف للماضي وانما كان كذلك لان الشئ كائن وان لم يكن بعد وذلك عند الله قد كان لان علمه به سابق وقضاءه به نافذ فهو كائن لا محالة
وقيل المعنى ولو ترى ندمهم وخزيهم في ذلك اليوم بعد وقوفهم على النار ف اذا ظرف ماضي لكن بالاضافة إلى ندمهم الواقع بعد المعاينة فقد صار وقت التوقف ماضيا بالاضافة إلى مابعده والذي بعده هو مفعول ترى
واجاز بعضهم مجيئها مفعولا به كقوله واذكروا إذ أنتم قليل 1 ومنعه آخرون وجعلوا المفعول محذوفا واذ ظرف عامله ذلك المحذوف والتقدير واذكروا نعمة الله عليكم اذا واذكروا حالكم
ونحوه قوله إذ قال الله يا عيسى 3 قيل قال له ذلك لما رفعه إليه
وتكون بمعنى حين كقوله ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه 4 أي حين تفيضون فيه
وحرف تعليل نحو ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم 5 وإذ لم يهتدوا به 6
وقيل تاتي ظرفا لما يستقبل بمعنى اذا وخرج عليه بعض ما سبق
وكذا قوله فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم 7 وانكره السهيلي لان اذا لا يجئ بعدها المضارع مع النفي
وقد تجئ بعد القسم كقوله والليل إذا يسر 1 لانعدام معنى الشرطية فيه
وقيل تجئ زائدة نحو وإذ قال ربك للملائكة 2 وقيل هي فيه بمعنى قد
وقد تجئ بمعنى إن حكاه السهيلي في الروض عن نص سيبويه في كتابه قال ويشهد له قوله تعالى بعد إذ أنتم مسلمون 3
وعليه يحمل قوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون 4 قال وغفل الفارسي عما في الكتاب من هذا وجعل الفعل المستقبل الذي بعد لن عاملا في الظرف الماضي فصار بمنزلة من يقول سآتيك اليوم امس ( 5 ) قال وليت شعري ما تقول في قوله تعالى وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم 6 فان جوز وقوع الفعل في الظرف الماضي على اصله فكيف يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها لا سيما مع السين وهو قبيح إن تقول غدا سآتيك فكيف إن قلت غدا فسآتيك فكيف إن زدت على هذا وقلت امس فسآتيك واذا على اصله بمعنى امس
تنبيه
& في وقوع اذ بعد واذكر
حيث وقعت اذ بعد واذكر فالمراد به الامر بالنظر إلى ما اشتمل عليه ذلك الزمان لغرابة ما وقع فيه فهو جدير بان ينظر فيه وقد اشار إلى هذا الزمخشري في قوله تعالى واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت 7
وقوله واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه 8 ونظائره
& أو
تقع في الخبر والطلب فاما في الخبر فلها فيه معان
الاول الشك نحو قام زيد أو عمرو
الثاني الابهام وهو إخفاء الامر على السامع مع العلم به كقوله تعالى وإنا أو إياكم لعلى هدى 1
وقوله أتاها أمرنا ليلا أو نهارا 2 يريد اذا اخذت الأرض زخرفها واخذ أهلها الامن اتاها امرنا وهم لايعلمون أي فجأة فهذا ابهام لان الشك محال على الله تعالى
وقوله إلى مائة ألف أو يزيدون 3
فإن قلت يزيدون فعل ولا يصح عطفه على المجرور ب إلى فان حرف الجر لا يصح تقديره على الفعل ولذلك لايجوز مررت بقائم ويقعد على تاويل قائم وقاعد
قلت يزيدون خبر مبتدأ محذوف في محل رفع والتقدير اوهم يزيدون قاله ابن جني في المحتسب
وجاز عطف الاسمية على الفعلية ب أو لاشتراكهما في مطلق الجملة
فان قلت فكيف تكون أو هنا لاحد الشيئين والزيادة لاتنفك عن المزيد عليه
قلت الأمر كذلك ولهذا قدروا في المبتدأ ضمير المائة الف والتقدير وأرسلناك إلى مائة الف معها زيادة ويحتمل إن تكون على بابها للشك وهو بالنسبة إلى المخاطب أي لو رايتموهم لعلمتم أنهم مائة ألف أو يزيدون
الثالث التنويع كقوله تعالى فهي كالحجارة أو أشد قسوة 1 أي أن قلوبهم تارة تزداد قسوة وتارة ترد إلى قسوتها الأولى فجىء ب أو لاختلاف أحوال قلوبهم
الرابع التفصيل كقوله وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى 2 أي قالت اليهود لا يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا الذين هم نصارى وكذلك قوله كونوا هودا أو نصارى 3
الخامس للإضراب ك بل كقوله كلمح البصر أو هو أقرب 4 و مائة ألف أو يزيدون 5 على حد قوله قاب قوسين أو أدنى السادس بمعنى الواو كقوله فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا 7
لعله يتذكر أو يخشى 8
لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا 9
وأما في الطلب فلها معان
الأول الإباحة نحو تعلم فقها أو نحوا كقوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم 10 الاية
وكذلك قوله كالحجارة أو أشد قسوة 11 يعني إن شبهت قلوبهم بالحجارة فصواب أو بما هو أشد فصواب
وقوله كمثل الذي استوقد نارا 1 أو كصيب 1
والمعنى إن التمثيل مباح في المنافقين إن شبهتموهم بأي النوعين
قوله لعله يتذكر أو يخشى 2 إباحة لإيقاع أحد الأمرين
الثاني التخيير نحو خذ هذا الثوب أو ذاك ومنه قوله تعالى فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء 3 الآية فتقديره فافعل كأنه خير على تقدير الاستطاعة إن يختار أحد الأمرين لأن الجمع بينهما غير ممكن
والفرق بينهما إن التخيير فيما أصله المنع ثم يرد الأمر بأحدهما لا على التعيين ويمتنع الجمع بينهما وأما الأحة فأن يكون كل منهما مباخا ويطلب الإتيان بأحدهما ولا يمتنع من الجمع بينهما وإنما يذكر ب أو لئلا يوهم بأن الجمع بينهما هو الواجب لو ذكرت الواو ولهذا مثل النحاة الإباحة بقوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين 4 وقوله ففدية من صيام أو صدقة أو نسك 5 لأن المراد به الأمر بأحدهما رفقا بالمكلف فلو اتى بالجمع لم يمنع منه بل يكون أفضل
واما تمثيل الأصوليين بآيتي الكفارة والفدية للتخيير مع إمكان الجمع فقد أجاب عنه صاحب البسيط ( 6 ) بأنهإنما يمتنع الجمع بينهما في المحظور لأن احدهما ينصرف إليه الأمر والآخر يبقى محظورا لا يجوز له فعله ولا يمتنع في خصال الكفارة لأنه ياتى بما عدا الواجب تبرعا ولا يمنع من التبرع
وأعلم أنه إذا ورد النهي عن الإباحة جاز صرفه إلى مجموعهما وهو ما كان يجوز فعله أو إلى أحدهما وهو ما تقتضيه او
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر