الجزء ٤ — ص ١٩٢–٢٠١
فاما الوجه الاول فهو الذي ذكره أبو البقاء قال في قوله تعالى والنجم إذا هوى 1 العامل في الظرف فعل القسم المحذوف تقديره اقسم بالنجم وقت هوية ( 2 )
وما ذكره الشيخ عليه من الاشكال فقد يجاب عنه بوجهين
احدهما إن الزمانين لما اشتركا في الوقوع المحقق نزلا منزلة الزمان الواحد ولهذا يصح عطف احدهما على الاخر كقوله تعالى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك 3 ثم قال ويجعل 3
وهو قريب من جواب الفارسي لما ساله أبو الفتح عن قوله تعالى ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم 4 مستشكلا ابدال اذ من اليوم فقال اليوم حال وظلمتم في الماضي فقال إن الدنيا والآخرة متصلتان وانهما في حكم الله تعالى سواء ( 5 ) فكأن اليوم ماض وكان اذ مستقبله
والثاني انه على ظاهره ولا يلزم ما ذكر لان الحال كما تاتى مقارنة تاتى مقدره وهي إن تقدر المستقبل مقارنا فتكون اطلقت ما بالفعل على ما بالقوة مجازا وجعلت المستقبل حاضرا كقوله تعالى فادخلوها خالدين 6
واما الوجه الثاني فيمكن إن يقال يجوز تقديره وهو العامل ولا يلزم ما قال من اختلاف الزمانين لانه يجوز الآن إن يقسم بطلوع النجم في المستقبل ويجوز إن يقسم بالشئ الذي سيوجد
واما الوجه الاخير فهو الذي ذكره ابن الحاجب في شرح المفصل فقال اذا
ثبت انها لمجرد الظرفية فليست متعلقة بفعل القسم لانه يصير المعنى اقسم في هذا الوقت فهي اذن في موضع الحال من الليل انتهى
وقد وقع في محذور آخر وهو إن الليل عبارة عن الزمان المعروف فاذا جعلت اذا معمولة لفعل هو حال من الليل لزم وقوع الزمان في الزمان وهو محال وقوله يلزم ألا يكون له عامل
قلنا بل له عامل وهو فعل القسم ولا يضر كونه انشاء ( 1 ) لما ذكرنا انها حال مقدرة
واما الشبهة الاخيرة فقد سالها أبو الفتح فقال كيف جاز لظرف الزمان هنا إن يكون حالا من الجثة وقد علم امتناع كونه صلة له وصفه وخبرا واجاب بانها جرت مجرى الوقت الذي يؤخر ويقدم وهي أيضا بعيدة لاتنالها ايدينا ولا يحيط علمنا بها في حال نصبها احاطتنا بما يقرب منها فجرت لذلك ( 2 ) مجرى المعدوم
فان قيل كيف جاز لظرف الزمان إن يكون حالا من النجم
واجاب بان مثل هذا يجوز في الحال من حيث كان فضله انتهى
وقد يقال ولئن سلمنا الامتناع في الحال أيضا فيكون على حذف مضاف أي وحضور الليل وتجعله حالا من الحضور لا من الجثة
والتحقيق وبه يرتفع الاشكال في هذه المسالة إن يدعي إن اذا كما تجرد عن الشرطية كذلك تجرد عن الظرفية فهي في هذه الآية الشريفة لمجرد الوقت من دون تعلق بالشئ تعلق الظرفية الصناعية وهي مجرورة المحل هاهنا لكونها بدلا عن الليل كما جرت حتى في قوله حتى إذا جاؤوها 3 والتقدير اقسم بالليل وقت
غشيانه أي اقسم بوقت غشيان الليل وهذا واضح
فان قلت هل صار أحد إلى تجردها عن الظرفية والشرطية معا
قلت نعم نص عليه في التسهيل فقال وقد تفارقها الظرفية مفعولا بها أو مجرورة بحتى أو مبتدأ
وعلم مما ذكرنا زيادة رابع وهو البدلية & فائدة
وتستعمل أيضا للاستمرار كقوله وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا 1 وقوله لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض 2 فهذا فيما مضى لكن دخلت اذا لتدل على إن هذا شأنهم ابدا ومستمر فيما سياتي كما في قوله % % وندمان يزيد الكاس طيبا % % سقيت اذا تغورت النجوم % $ ثم فيه مسائل
الاولى المفاجأة عبارة عن موافقة الشئ في حال انت فيها قال تعالى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين وقوله وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون 4
قالوا ولا تقع بعد اذا المفاجأة إلا الجملة الاسمية وبعد اذ إلاالفعل الماضي
ومذهب المبرد وتبعه اكثر المتاخرين إن المفاجاة نقلها إلى المكان عن الزمان ومعنى الآية موافقة الثعبان لالقاء موسى العصا في المكان وكذلك قولهم خرجت فاذا السبع أي فاذا موافقة السبع وعلى هذا لا يكون مضافا إلى الجملة بعدها
الثانية الظرفية ضربان ظرف محض وظرف مضمن معنى الشرط
فالأول نحو قولك راحة المؤمن اذا دخل الجنة
ومنه قوله تعالى والليل إذا يغشى 1 ومنه اذا كنت على راضية واذا كنت على غضبى لانه لو كان فيها معنى الشرط لكان جوابها معنى ما تقدم ويصير التقدير الاول اذا يغشى اقسم فيفسد المعنى أو يصير القسم متعلقا على شرط لا مطلقا فيؤدي إلى إن يكون القسم غير حاصل الآن وإنما يحصل اذا وجد شرطه وليس المعنى عليه بل على حصول القسم الآن من غير تقييد وكذا حكم والنجم إذا هوى 2 والليل إذا يسر 3
ومما يتمحض للظرفية العارية من الشرط قوله والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون 4 لانه لو كان فيها معنى الشرط لوجبت الفاء في جوابها
والضرب الثاني يقتضي شرطا وجوابا ولهذا تقع الفاء بعدها على حد وقوعها بعد اذ كقوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا 5 وكذا كثر وقوع الفعل بعد ماضي اللفظ مستقبل المعنى نحو اذا جئتني اكرمتك
ومنه اذا قلت لصاحبك انصت فقد لغوت
وتختص المضمنه معنى الشرط بالفعل ومذهب سيبويه انها لا تضاف إلى جملة
فعلية ولهذا اذا وقع بعدها اسم قدر بينه وبينها فعل محافظة على اصلها فان كان الاسم مرفوعا كان فاعل ذلك الفعل المقدر كقوله تعالى إذا السماء انشقت 1 وان كان منصوبا كان مفعولا والفاعل فيه أيضا ذلك المقدر كقوله * اذا ابن أبي موسى بلالا بلغته * والتقدير اذا بلغت
ومنهم من منع اختصاصها بالفعل لجواز اذا زيد ضربته
وعلى هذا فالمرفوع بعدها مبتدأ وهو قول الكوفيين واختاره ابن مالك وعلى القولين فمحل الجملة بعدها الجر بالاضافة والفاعل فيها جوابها وقيل ليست مضافة والعامل فيها الفعل الذي يليها لا جوابها
تنبيه مما يفرق فيه بين المفاجأة والمجازاة إن اذا التي للمفاجأة لا يبتدأ بها كقوله إذا هم يقنطون 2 والتي بمعنى المجازاة يبتدأ بها نص عليه سيبويه فقال في الاولى اذا جواب بمنزلة الفاء وانما صارت جوابا بمنزلة الفاء لانه لا يبدأ بها كما لايبدأ بالفاء
قال ابن النحاس ولكن قد عورض سيبويه بأن الفاء قد تدخل عليها فكيف تكون عوضا منها
والجواب انها انما تدخل توكيدا وأما قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم 3 فيحتمل انها متمحضة الظرفية لعدم الفاء في جوابها
مع ما ويحتمل إن يكون ما جواب قسم مقدر لا جواب الشرط فلذلك لم يجئ بالفاء
الثالثة جوز ابن مالك إن تجئ لا ظرفا ولا شرطا وهي الداخلة عليها حتى الجارة كقوله تعالى حتى إذا جاؤوها 1 أو الواقعة مفعولا كقوله عليه السلام اني لاعلم اذا كنت على راضية وكما جاز تجردها عن الشرط جاز تجردها عن الظرف
وتحصل انها تارة ظرف لما يستقبل وفيها معنى الشرط نحو إذا طلقتم النساء 2 وتارة ظرف مستقبل غير شرط نحو ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا 3 وتارة ظرف غير مستقبل نحو إذا ما أتوك لتحملهم 4 وتارة لا ظرف ولا شرط وتارة لا تكون اسم زمان وهي المفاجأة
الرابعة اصل اذا الظرفية لما يستقبل من الزمان كما إن اذا لما مضى منه ثم يتوسع فيها فتستعمل في الفعل المستمر في الاحوال كلها الحاضرة والماضية والمستقبلة فهي في ذلك شقيقة الفعل المستقبل الذي هو يفعل حيث يفعل به نحو ذلك قالوا اذا استعطى فلان اعطى واذا استنصر نصر كما قالوا فلان يعطي الراغب وينصر المستغيث من غير قصد إلى تخصيص وقت دون وقت قال الزمخشري في كشافة القديم
الخامسة تجاب الشرطية بثلاثة أشياء
احدها الفعل نحو اذا جئتني اكرمتك
وثانيها الفاء نحو اذا جئتني فانا اكرمك
وثالثها اذا المكانية قال تعالى ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون 1 وقوله حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون 2
وما قبلها اما جوابها نحو اذا جئتني اكرمتك أو ما دل عليه جوابها كقوله تعالى فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ 3 والمعنى فاذا نفخ في الصور تقاطعوا ودل عليه قوله فلا أنساب
وكذا قوله يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين 4 وانما احتج لهذا التقدير لان ما بعد ما النافية في مثل هذا الموضع لا يعمل فيه ما قبلها
وايضا فان بشرى مصدر والمصدر لا يتقدم عليه ما كان في صلته
ومن ذلك قوله إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون 1 فالعامل في اذا الاولى مادل عليه إذا أنتم تخرجون والتقدير خرجتم
ولا يجوز ان يعمل فيه تخرجون لا متناع إن يعمل ما بعد اذا المكانية فيما قبلها وحكمها في ذلك حكم الفاء
ومنه قوله تعالى فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير 5 فالعامل في اذا ما دل عليه قوله فذلك يومئذ يوم عسير والتقدير فاذا نقر في الناقور صعب الامر
وقوله هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم 6 فالعامل
في اذا ما دل عليه قوله تعالى إنكم لفي خلق جديد 1 من معنى بعثتم أو مبعوثون
فان قيل ايجوز نصب اذا بقوله جديد لان المعنى عليه قيل لايجوز لامتناع إن يعمل ما بعد إن فيما قبلها وهذا يسمى مجاوبة الاعراب والمعنى للشئ الواحد وكان أبو علي الفارسي يلم به كثيرا وذلك انه يوجد في المنظوم والمنثور
والمعنى يدعو إلى امر والاعراب يمنع منه وقد سبق بيانه في نوع ما يتعلق بالاعراب
السادسة اذا توافق إن في بعض الاحكام وتخالفها في بعض فاما الموافقة فهي إن كل واحد منهما يطلب شرطا وجزاء نحو اذا قمت قمت واذا زرتني اكرمتك
وكل واحدة منهما تطلب الفعل فان وقع الاسم بعد واحدة منهما قدر له فعل يرفعه يفسره الظاهر مثاله في إن قوله تعالى وإن امرأة خافت 2 إن امرؤ هلك 3 وقوله وإن أحد من المشركين استجارك 4 ومثاله في اذا قوله تعالى إذا السماء انشقت 5 إذا الشمس كورت 6 وما بعدها في السورة من النظائر وكذا قوله إذا السماء انفطرت 7 وما بعدها من النظائر و إذا وقعت الواقعة 8
واما الاحكام التي تخالفها ففي مواضع
الاول إلا تدخل إلا على مشكوك نحو إن جئتني اكرمتك ولا يجوز إن طلعت الشمس اتيك لان طلوع الشمس متيقن ثم إن كان المتيقن الوقوع مبهم الوقت جاز كقوله تعالى أفإن مت 1 ونظائره
واما اذا فظاهر كلام النجاة يشعر بانها لاتدخل إلا على المتيقن وما في معناه نحو اذا طلعت الشمس فاتني وقوله * اذا مت فادفني إلى جنب كرمة ( 2 ) * * اذا طلعت شمس النهار فسلمي * وذلك لكونها للزمن المعين بالاضافة على مذهب الاكثر ولم يجزموا بها في الاختيار لعدم ابهامها كالشرط ولذلك وردت شروط القرآن بها كقوله إذا الشمس كورت 3 ونظائرها السابقة لكونها متحققة الوقوع
واما قوله تعالى وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا 4 فقد اشكل دخولها على غير الواقع واجيب بان التبديل محتمل وجهين احدهما اعادتهم في الآخرة لانهم انكروا البعث
والثاني اهلاكهم في الدنيا وتبديل امثالهم فيكون كقوله إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين 1 فان كان المراد في الدنيا وجب إن يجعل هذا بمعنى إن الشرطية لان هذا شئ لم يكن فهي مكان إن لان الشرط يمكن إن يكون والا يكون إلا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين 1 إن نشأ نخسف بهم الأرض 2 وانما اجاز ل اذا إن تقع موقع إن لما بينهما من التداخل والتشابه
وقال ابن الجويني الذي اظنه إن يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك لانها ظرف وشرط فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك ك إن وبالنظر إلى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف
وانما اشترط فيما تدخل عليه إن إن يكون مشكوكا فيه لانها تفيد الحث على الفعل المشروط لاستحقاق الجزاء ويمتنع فيه لامتناع الجزاء وانما يحث على فعل ما يجوز إلا يقع اما ما لابد من وقوعه فلا يحث عليه وإنما امتنع دخول اذا على المشكوك اذا لحظت فيها الظرفية لان المعنى حينئذ التزام الجزاء في زمان وجود الشرط والتزام الشئ في زمان لا يعلم وجود شرط فيه ليس بالتزام ولما كان الفعل بعد إن مجزوما به يستعمل فيه ما ينبئ عن تحققه فيغلب لفظ الماضي كقوله فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة 3 فجئ ب اذا في جانب الحسنة وب إن في جانب السيئة لان المراد بالحسنة حنس الحسنة ولهذا عرفقت وحصول الحسنة المطلفة مقطوع به فاقتضت البلاغة التعبير ب اذا وجئ ب إن في جانب السيئة لانها نادرة بالنسبة إلى الحسنة المطلقة كالمرض بالنسبة إلى الصحة والخوف بالنسبة إلى الامن
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر