الجزء ٤ — ص ١٨٢–١٩١
افتراه تقديره بل أيقولون كذا جعلها سيبويه ( 1 ) منقطعة لأنها بعد الخبر
ثم وجه اعتراضا كيف يستفهم الله عن قولهم هذا وأجيب بانه جاء في كلام العرب يريد أن في كلامهم يكون المستفهم محققا للشىء لكن يورده بالنظر إلى المخاطب كقوله فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى 2 وقد علم الله أنه لا يتذكر ولا يخشى لكنه اراد لعله يفعل ذلك في رجائكما
وقوله أم اتخذ مما يخلق بنات 3 تقديره بل أتخذ بهمزة منقطعة للإنكار
وقد تكون بمعنى بل من غير استفهام كقوله تعالى أم من خلق السماوات والأرض ( 4 ) وما بعدها في سورة النمل
قال ابن طاهر ( 5 ) ولا يمتنع عندي إذا كانت بمعنى بل أن تكون عاطفة كقوله تعالى أم يقولون شاعر 6 وقوله أم كان من الغائبين 7
وقال البغوي في قوله أم أنا خير من هذا الذي هو مهين 8 بمعنى بل وليس بحرف عطف على قول اكثر المفسرين
وقال الفراء وقوم من أهل المعاني الوقف على قوله أم وحينئذ تم الكلام وفي الآية إضمار والأصل أفلا تبصرون 9 أم تبصرون ثم ابتدأ فقال أنا خير 8
قلت فعلى الأول تكون منقطعة وعلى الثاني متصلة
وفيها قول ثالث قال أبو زيد إنها زائدة وإن التقدير أفلا تبصرون أنا خير منه
والمشهور أنها منقطعة لأنه لا يسالهم عن استواء علمه في الأول والثاني لأنه إنما أدركه
الشك في تبصرهم بعد ما مضى كلامه على التقرير وهو مثبت وجواب السؤال بلى فلما أدركه الشك في تبصرهم قال أم أنا خير
وسال ابن طاهر شيخه أبا القاسم بن الرماك لم لم يجعل سيبويه أم متصله أي افلا تبصرون أم تبصرون أي أي هذين كان منكم فلم يحر جوابا وغضب وبقى جمعة لا يقرر حتى استعطفه
والجواب من وجهين أحدهما انه ظن أنهم لا يبصرون فاستفهم عن ذلك ثم ظن أنهم يبصرون لأنه معنى وقوله أم أنا خير من فأضرب عن الأول واستفهم كذلك أزيد عندك أم لا
والثاني أنه لو كان الإبصار وعدمه متعادلين لم يكن للبدء بالنفي معنى فلا يصح إلا أن تكون منقطعة
وقد تحتمل المتصلة والمنقطعة كما قال في قوله تعالى أم يريدون كيدا 1
قال الواحدي إن شئت جعلت قبله استفهاما رد عليه وهو قوله ألم تعلم 2 وإن شئت منقطعة عما قبلها مستأنفا بها الاستفهام فيكون استفهاما متوسطا في اللفظ مبتدأ في المعنى كقوله تعالى أليس لي ملك مصر 3 الآية ثم قال أم أنا خير 3 انتهى
والتحقيق ما قاله أبو البقاء إنها هاهنا منقطعة إذ ليس في الكلام همزة تقع موقعها وموقع أم أيهما والهمزة في قوله ألم تعلم ليست من أم في شىء والتقدير بل أتريدون إن تسالوا فخرج ب أم من كلام إلى آخر ( 4 )
وقد تكون بمعنى أو كما في قوله تعالى أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم 1
وقوله أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى 2
ومعنى الف الاستفهام عند أبي عبيد كقوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم 3 أي تريدون
وقوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة 4
وقوله أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله 5 أي أيحسدون
وقوله ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار 6 اي أزاغت عنهم الأبصار
وقوله أم له البنات ولكم البنون 7 أي أله
أم تسالهم أجرا ( 7 ) أي أتسألهم أجرا
وقوله أم حسبت أن أصحاب الكهف 8 قيل أي أظننت هذا ومن عجائب ربك ما هو أعجب من قصة أصحاب الكهف
وقيل بمعنى ألف الاستفهام كأنه قال أحسبت وحسبت بمعنى الأمر كما تقول لمن تخاطبه أعلمت إن زيدا خرج بمعنى الأمر أي اعلم إن زيد خرج فعلى هذا التدريج يكون معنى الآية اعلم يا محمد إن أصحاب الكهف والرقيم
وقال أبو البقاء في قوله تعالى أم اتخذ مما يخلق بنات 1 تقديره بل أتخذ بهمزة مقطوعة على الإنكار ولو جعلناه همزة وصل لصار إثباتا تعالى الله عن ذلك ولو كانت أم المنقطعة بمعنى بل وحدها دون الهمزة وما بعد بل متحقق فيصير ذلك في الآية متحققا تعالى الله عن ذلك $ مسالة في ضرورة تقدم الاستفهام على أم
أم لا بد أن يتقدمها استفهام أو مافي معناه والذي في معناه التسوية فإن الذي يستفهم استوى عنده الطرفان ولهذا ( 3 ) يسال وكذا المسئول استوى عنه الأمران
فإذا ثبت هذا فإن المعادلة تقع بين مفردين وبين جملتين والجملتان يكونان اسميتين وفعليتين ولا يجوز إن يعادل بين اسمية وفعلية إلا أن تكون الاسمية بمعنى الفعلية أو الفعلية بمعنى الاسمية كقوله تعالى سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون 3 أي أم صمتم
وقوله أفلا تبصرون أم أنا خير 4 لأنهم إذا قالوا له أنت خير كانوا عنده بصراء فكأنه قال أفلا تبصرون أم أنتم بصراء
قال الصفار إذا كانت الجملتان موجبتين قدمت ايهما شئت وإن كانت إحداهما منفية أخرتها فقلت اقام زيد أم لم يقم ولا يجوز ألم يقم أم لا ولا سواء على ألم ثم أم قمت لأنهم يقولون سواء على أقمت أم لا يريدون أم لم تقم فيحذفون لدلالة الأول فلا يجوز هذا سواء على أم قمت لأنه حذف من غير دليل فحملت سائر المواضع المنفية على هذا
قال فإنه لا بد أن يتقدمها الاستفهام أو التسوية بخلاف أو فإنه يتقدمها كل كلام إلا التسوية فلا تقول سواءعلى قمت أو قعدت لأن الواحد لا يكون سواء
مسالة
قال الصفار ينبغي إن يعلم السؤال أو غير السؤال ب أم
فإذا قلت أزيد عندك أم عمرو فجواب هذا زيد أو عمرو وجواب أو نعم أولا ولو قلت في جواب الأول نعم أو لا كان محالا لأنك مدع إن أحدهما عنده
فإن قلت وهل يجوز أن تقول زيد أو عمرو في جواب اقام زيد أو عمرو
قلت يكون تطوعا بما لا يلزم ولا قياس يمنعه
وقال الزمخشري ( 1 ) وابن الحاجب وضع أم للعلم بأحد الأمرين بخلاف أو فأنت مع أم عالم بأن أحدهما عنده مستفهم عن التعيين ومع أو مستفهم عن واحد منهما على حسب ما كان في الخبر فإذا قلت أزيد عندك أو عمرو فمعناه هل واحد منهما عندك ومن ثم كان جوابه نعم أو لا مستقيما ولم يكن ذلك مستقيما في أم لأن السؤال عن التعيين
إذن
نوعان
الأول أن تدل على إنشاء السببية والشرط بحيث لا يفهم ( 1 ) الارتباط من غيرها نحو أزورك فتقول إذن أكرمك وهي في هذا الوجه عاملة تدخل على الجملة الفعلية فتنصب المضارع المستقبل إذا صدرت ولم تفصل ولم يكن الفعل حالا
والثاني إن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمقدم أو منبهة على سبب حصل ( 3 ) في الحال وهي في الحال غير عاملة لأن المؤكدات لا يعتمد عليها والعامل يعتمد عليه نحو إن تأتن إذن آتك والله إذن لأفعلن ألا ترى انها لو سقطت لفهم الارتباط
وتدخل هذه على الاسمية نحو أزورك فتقول إن انا أكرمك
ويجوز توسطها وتأخرها
ومن هذا قوله تعالى ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين 3 فهي مؤكدة للجواب وتربطه بما تقدم
وذكر بعض المتأخرين لها معنى ثالثا وهي إن تكون مركبة من إذ التي هي ظرف زمن ماض ومن جملة بعدها تحقيقا أو تقديرا لكن حذفت الجملة تخفيفا وابدل التنوين منها كما في قولهم حينئذ
وليست هذه الناصبة المضارع لأن تلك تختص به وكذلك ما عملت فيه ولا يعمل إلا ما يختص وهذه لا تختص به بل تدخل على الماضي نحو وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما 4 إذا لأمسكتم خشية الإنفاق 5 و إذا لأذقناك 6
وعلى الاسم نحو إن كنت ظالما فإذن حكمك في ماض وقوله تعالى وإنكم إذا لمن المقربين 1
ورام بعض النحويين جعلها فيه بمعنى بعد
واعلم إن هذا المعنى لم يذكره النحاة لكنه قياس قولهم إنه قد تحذف الجملة المضاف إليها إذ ويعوض عنها التنوين كيومئذ ولم يذكروا حذف الجملة من إذا وتعويض التنوين عنها
وقال الشيخ أبو حيان في التذكرة ذكر لي علم الدين البلقيني إن القاضي تقي الدين بن رزين كان يذهب إلى أن إذن عوض من الجملة المحذوفة وليس هذا بقول نحوي انتهى
وقال القاضي ابن الجويني وأنا أظن أنه يجوز أن تقول لمن قال أنا آتيك إذن أكرمك بالرفع على معنى إذا أتيتني أكرمك فحذف أتيتني وعوض التنوين عن الجملة فسقطت الألف لالتقاء الساكنين
وقال ولا يقدح في ذلك اتفاق النحاة على أن الفعل في مثل هذا المثال منصوب ب إذن لأنهم يريدون بذلك ما إذا كانت حرفا ناصبا للفعل ولا ينفي ذلك رفع الفعل بعده إذا أريد به إذ الزمانية معوضا عن جملته التنوين كما أن منهم من يجزم ما بعدها نحو من يزرني أكرمه يريد بذلك الشرطية ولا يمنع مع ذلك الرفع بها إذا أريد الموصولة نحو من يزورني أكرمه
قيل ولو لا قول النحاة إنه لا يعمل إلا ما يختص وإن إذن عاملة في المضارع لقيل إن إذن في الموضعين واحدة وإن معناها تقييد ما بعدها بزمن أو حال لأن
معنى قولهم أنا أزورك فيقول السامع إذن أكرمك وهو بمعنى قوله أنا أكرمك زمن أو حال أو عند زيارتك لي
ثم عند سيبويه معناها الجواب فلا يجوز إن تقول إذن يقوم زيد ابتداء من غير أن تجيب به أحد
واما قوله تعالى فعلتها إذا وأنا من الضالين 1 على أنه لجواب مقدر وأنه أجاب بذلك قوله وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين أي بأنعمنا فأجاب لم أفعل ذلك كفرا للنعمة كما زعمت بل فعلتها وانا غير عارف بأن الوكزة تقضى بدليل قراءة بعضهم / < وانا من الجاهلين > /
إذا
نوعان ظرف ومفاجاة
فالتي للمفاجاة نحو خرجت فإذا السبع
وتجىء اسما وحرفا فإذا كانت اسما كانت ظرف مكان وإذا كانت حرفا كانت من حروف المعاني الدالة على المفاجأة كما أن الهمزة تدل على الاستفهام فإذا قلت خرجت فإذا زيد فلك أن تقدر إذا ظرف مكان ولك إن تقدرها حرفا فإن قدرتها حرفا كان الخبر محذوفا والتقدير موجود وإن قدرتها ظرفا كان الخبر وقد تقدم كما تقول عندي زيد فتخبر بظرف المكان عن الجثة والمعنى حيث خرجت فهناك زيد
ولا يجوز أن يكون في هذه الحالة ظرف زمان لامتناع وقوع الزمان خبرا عن الجثة وإذا امتنع إن تكون للزمان تعين إن تكون مكانا وقد اجتمعا في قوله تعالى فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون 1 فإذا الأولى ظرفية والثانية مفاجأة
وتجىء ظرف زمان وحق زمانها إن يكون مستقبلا نحو إذا جاء نصر الله والفتح 2
وقد تستعمل للماضي من الزمان ك إذ كما في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض 3 لأن قالوا ماض فيستحيل أن يكون زمانه مستقبلا
ومثله قوله تعالى حتى إذا أتوا على وادي النمل 4 حتى إذا جاؤوك يجادلونك
1 حتى إذا بلغ بين السدين 2 حتى إذا ساوى بين الصدفين 3 حتى إذا جعله نارا 4 وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها 5 لان الانفضاض واقع في الماضي
وتجئ للحال كقوله تعالى والنجم إذا هوى 6 والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى 7 والتقدير والنجم هاويا والليل غاشيا والنهار متجليا ف اذا ظرف زمان والعامل فيه استقرار محذوف في موضع نصب على الحال والعامل فيها اقسم المحذوف
وقد استشكل الزمخشري تقدير العامل في ذلك واوضحه الشيخ اثير الدين فقال اذا ظرف مستقبل ولا جائز إن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف لان اقسم انشائي فهو في الحال واذا لما يستقبل فيابى إن يعمل الحال في المستقبل لاختلاف زمان العامل والمعمول ولا جائز إن يكون ثم مضاف اقيم المقسم به مقامه أي وطلوع النجوم ومجئ الليل لانه معمول لذلك الفعل فالطلوع حال ولا يعمل في المستقبل ضرورة إن زمان العامل زمان المعمول ولاجائز إن يعمل فيه نفس المقسم به لانه ليس من قبيل ما يعمل ولا جائز إن يقدر محذوف قبل الظرف ويكون قد عمل فيه فيكون ذلك العامل في موضع الحال وتقديره والنجم كائنا اذا هوى والليل كائنا اذا يغشى لانه يلزم كائنا إلا يكون منصوبا بعامل إذ لا يصح إلا يكون معمولا لشئ مما فرضناه إن يكون عاملا
وايضا فيكون المقسم به جثة وظروف الزمان لا تكون اهوالا عن الجثث كما لا تكون اخبارا لهن
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر