علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٦٧ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ١٧٢–١٨١

لما لم يصح في اعتقادهم هذا بعيد جاز الإخبار ب بعد نفع الوثن والشاهد له قوله تعالى حكاية عنهم أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد 1

السابعة افعل في الكلام على ثلاثة اضرب

مضاف كقوله تعالى أليس الله بأحكم الحاكمين 3

ومعرف بالام نحو سبح اسم ربك الأعلى 3 و ليخرجن الأعز منها الأذل 4

وخال منهما ويلزم اتصاله ب من التى لابتداء الغاية جارة للمفضل عليه كقوله تعالى أنا أكثر منك مالا 5

وقد يستغنى بتقديرها عن ذكرها كقوله تعالى وأعز نفرا 5

ويكثر ذلك إذا كان افعل التفضيل خبرا كقوله والآخرة خير وأبقى 6

وحيث اضيف إنما يضاف إلى جمع معرف نحو أحكم الحاكمين ولا يجوز زيد أفضل رجل ولا افضل رجال لأنه لا فائدة فيه لأن كل شخص لا بد أن يكون جماعة يفضلها وإنما الفائدة في إن تقول أفضل الرجال

فأما قوله تعالى ثم رددناه أسفل سافلين 7 فجوابه انه غير مضاف إليه تقديرا بل المضاف إليه محذوف وقامت صفته مقامه وكأنه قال أسفل قوم سافلين ولا خلاف انه يضاف إلى اسم الجمع معرفا ومنكرا نحو أفضل الناس والقوم وأفضل ناس أفضل قوم

فإن قيل لم أجازوا تنكير هذا ولم يجيزوا ذلك في الجمع

قلت لأن أفضل القوم ليس من ألفاظ الجموع بل من الألفاظ المفردة فخففوه بترك الألف واللام الثانية إذا كان افعل بالألف واللام أو مضافا جاز تثنيته وجمعه قال تعالى واتبعك الأرذلون 1 و بالأخسرين أعمالا 2

وقال في المفرد إذ انبعث أشقاها 3

وقال في الجمع أكابر مجرميها 4 إلا الذين هم أراذلنا 5

وتقول في المؤنث هذه الفضلى قال تعالى إنها لإحدى الكبر 6 فأولئك لهم الدرجات العلى 7

وحكم فعلى حكم افعل لا يستعمل بغير من إلا مضافا أو معرفا بأل

وأما قوله وأخر متشابهات 8 فقالوا إنه على تقدير من أي وأخر منها متشابهات $ تنبيه & لفظ سواء

سواء اصله بمعنى الاستواء وليس له اسم يجرى عليه يقال استوى استواء وساواه مساواة لا غير فإذا وقع صفة كان بمعنى مستو ولهذا تقول هما سواء هم سواء كما تقول هما عدل وهم عدل والسواء التام ومنه درهم سواءأي تام

ومنه قوله تعالى في أربعة أيام سواء 9 أي مستويات ومن نصب فعلى

المصدر اي استوت استواء كذا قال سيبويه ( 1 ) وجوز غيره أن يكون حالا من النكرة

ويجىء السواء بمعنى الوسط كقوله تعالى إلى كلمة سواء بيننا وبينكم 2 أي عدل وهو الحق

قال ابن أبي الربيع وسواء لا يرفع الظاهر إلا إذا كان معطوفا على المضمر في سواء وهو مرفوع بسواء وهو مما جاز في المعطوف ما ر يجوز في المعطوف عليه

$ النوع السابع والأربعون & في الكلام على المفردات من الأدوات والبحث عن معاني الحروف مما يحتاج إليه المفسر لاختلاف مدلولها

ولهذا توزع الكلام على حسب مواقعها وترجح استعمالها في بعض المحال على بعض بحسب مقتضى الحال

كما في قوله تعالى وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين 1 فاستعملت على في جانب الحق وفي في جانب الباطل لأن صاحب الحق كانه مستعل يرقب نظره كيف شاء ظاهرة له الأشياء وصاحب الباطل كانه منغمس في ظلام ولا يدري اين توجهه

وكما في قوله تعالى فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه 2 فعطف هذه الجمل الثلاث بالفاء ثم لما انقطع نظام الترتيب عطف بالواو فقال تعالى وليتلطف 3 إذ لم يكن التلطف مترتبا على الإتيان بالطعام كما كان الإتيان منه مرتبا على التوجه في طلبه والتوجه في طلبه مترتبا على قطع الجدال في المسألة عن مدة اللبث بتسليم العلم له سبحانه

وكما في قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء 3 الآية فعدل عن اللام

إلى في في الأربعة الأخيرة إيذانا بأنهم أكثر استحقاقا للتصدق عليهم ممن سبق ذكره باللام لأن في للوعاء فنبه باستعمالها على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مظنة لوضع الصدقات فيهم كما يوضع الشىء في وعائه مستقرا فيه وفي تكرير حرف الظرف داخلا على سبيل الله دليل على ترجيحه على الرقاب والغارمين

قال الفارسي وإنما قال وفي الرقاب ولم يقل والرقاب ليدل على أن العبد لا يملك

وفيه نظر بل ما ذكرناه من الحكمة فيه أقرب

وكما في قوله تعالى وقد أحسن بي 1 فإنه يقال أحسن بي وإلي وهي مختلفة المعاني واليقها بيوسف عليه السلام بي لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد الغاية التى صار إليها

وكما في قوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل 2 ولم يقل على كما ظن بعضهم لأن على للاستعلاء والمصلوب لا يجعل على رءوس النخل وإنما يصلب في وسطها فكانت في أحسن من على

وقال كل من عليها فان 3 ولم يقل في الأرض لأن عند الفناء ليس هناك حال القرار والتمكين

وقال وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا 4 وقال ولا تمش في الأرض مرحا 5 وما قال على الأرض وذلك لما وصف العباد بين أنهم لم يوطنوا انفسهم في الدنيا و إنما هم عليها مستوقرون ولما أرشده ونهاه عن فعل التبختر قال لا تمش فيها مرحا بل امش عليها هونا

وقال تعالى يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين 1

وقال ابن عباس الحمد الله الذي قال عن صلاتهم ساهون 2 ولم يقل في صلاتهم

وقال صاحب الكشاف في قوله تعالى ومن بيننا وبينك حجاب 3 فلو سقطت من جاز كون الحجاب في الوسط وإن تباعدت وإذا أتيت ب من افادت أن الحجاب ابتداء من أول ما ينطلق عليه من وانتهى إلى غايته فكأن الحجاب قد ملأ ما بينك وبينه ( 4 )

وقال كرر الجار في قوله وعلى سمعهم 5 ليكون أدل على شدة الختم في الموضعين حين استجد له تعدية اخرى

وهذا كثير لا يمكن إحصاؤه والمعين عليه معاني المفردات فلنذكر مهمات مطالبها على وجه الاختصار

$ الهمزة

أصلها الاستفهام وهو طلب الإفهام وتأتي لطلب التصور والتصديق بخلاف هل فإنها للتصور خاصة والهمزة أغلب دورانا ولذلك كانت أم الباب

واختصت بدخولها على الواو نحو أو كلما عاهدوا 1

وعلى الفاء نحو أفأمن أهل القرى 2

وعلى ثم نحو أثم إذا ما وقع 3

وهل أظهر في الاختصاص بالفعل من الهمزة وأما قوله تعالى فهل أنتم شاكرون 4 فهل أنتم منتهون 5 و فهل أنتم مسلمون 6 فذلك لتأكيد الطلب للأوصاف الثلاث حيث أن الجملة الإسمية أدل على حصول المطلوب وثبوته وهو أدل على طلبه من فهل تشكرون وهل تسلمون لإفادة التجدد واعلم أنه يعدل بالهمزة عن أصلها فيتجوز بها عن النفي والإيجاب والتقرير وغير ذلك المعاني السالفة في بحث الاستفهام مشروحة فانظره فيه $ مسالة & في دخول الهمزة على رأيت

وإذا دخلت على رأيت امتنع إن تكون من رؤية البصر أو القلب وصارت بمعنى أخبرني كقولك أرأيك زيدا ما صنع في المعنى تعدى بحرف وفي اللفظ تعدى بنفسه

ومنه قوله تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا 1

أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى 2

أرأيت الذي يكذب بالدين 3 $ مسالة & في دخول الهمزة على لم

وإذا دخلت على لم أفادت معنيين

أحدهما التنبيه والتذكير نحو ألم تر إلى ربك كيف مد الظل 4

والثاني التعجب من الأمر العظيم كقولك ألم تر إلى فلان يقول كذا ويعمل كذا على طريق التعجب منه وكيف كان فهي تحذير

& أم

حرف عطف نائب عن تكرير الاسم والفعل نحو أزيد عندك أم عمرو

وقيل إنما تشرك بين المتعاطفين كما تشرك بينها أو

وقيل فيها معنى العطف وهي استفهام كالألف ( 1 ) إلا أنها لا تكون في أول الكلام لأجل معنى العطف

وقيل هي أو أبدلت الميم ( 2 ) من الواو ليحول إلى معنى يريد إلى معنى أو

وهي قسمان متصلة ومنفصلة

فالمتصلة هي الواقعة في العطف والوارد بعدها وقبلها كلام واحد والمراد بها الاستفهام عن التعيين فلهذا يقدر باي وشرطها أن تتقدمها همزة الاستفهام ويكون ما بعدها مفردا أو في تقديره

والمنفصلة ما فقد فيها الشرطان أو أحدهما وتقدر بل والهمزة

ثم اختلف النحاة في كيفية تقدير المنفصلة في ثلاث مذاهب حكاها الصفار

أحدها أنها تقدر بهما وهي بمعناهما فتفيد الإضراب عما قبلها على سبيل التحول والانتقال ك بل والاستفهام عما بعدها ومن ثم لا يجوز أن تستفهم مبتدئا كلامك ب أم ولا تكون إلا بعد كلام لإفادتها الإضراب كما تقدم

قال أبو الفتح والفارق بينها وبين بل أن ما بعد بل منفي وما بعد أم مشكوك فيه

والثاني أنها بمنزلة بل خاصة والاستفهام محذوف بعدها وليست مفيدة الاستفهام وهو قول الفراء في معاني القرآن

والثالث انها بمعنى الهمزة والإضراب مفهوم من أخذك في كلام آخر وترك الأول

قال الصفار فأما الأول فباطل لأن الحرف لا يعطي في حيز واحد أكثر من معنى واحد فيبقى الترجيح بين المذهبين وينبغي أن يرجح الأخير لأنه ثبت من كلامهم إنها لإبل أم شاء

ويلزم على القول الثاني حذف همزة الاستفهام في الكلام وهو من مواضع الضرورة قال والصحيح أنها لا تخلو عن الاستفهام وكذلك قال سيبويه انتهى

واعلم أن المتصلة يصير معها الاسمان بمنزلة اي ويكون ماذكر خبرا عن اي فإذا قلت أزيد عندك أم عمرو فالمعنى ايهما عندك والظرف خبر لهما

ثم المتصلة تكون في عطف المفرد على مثله نحو أزيد عندك أم عمرو كقوله تعالى أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار 1 أي أي المعبودين خير وفي عطف الجملة على الجملة المتاولتين بالمفرد نحو أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون 2 أي الحال هذه أم هذه

والمنقطعة إنما تكون على عطف الجمل وهي في الخبر والاستفهام بمثابة بل

والهمزة ومعناها في القرآن التوبيخ كما كان في الهمزة كقوله تعالى أم اتخذ مما يخلق بنات 3 أي بل أتخذ لأن الذي قبلها ( 4 ) خبر والمراد بها التوبيخ لمن قال ذلك وجرى على كلام العباد

وقوله الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه 5 ثم قال أم يقولون

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر