علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٦٦ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ١٦٢–١٧١

لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا 1

كمثل العنكبوت اتخذت بيتا 2

والثاني ما يتعدى لمفعولين والثاني منهما الأول في المعنى

وهما إما مذكوران كقوله تعالى اتخذوا أيمانهم جنة 3

وقال لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء 4

فاتخذتموهم سخريا 5

وإما مع حذف الأول كقوله فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة 6 فمفعول اتخذوا الأول الضمير المحذوف الراجع إلى الذين الثاني آلهة وقربانا على الحال

قال الكواشي ولو نصب قربانا مفعولا ثانيا وآلهته بدلا منه فسد المعنى

وإما مع حذف الثاني كقوله اتخذتم العجل 7

باتخاذكم العجل 8

اتخذوه وكانوا ظالمين 9

واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا 9 تقديره في الجمع اتخذوه آلهة لأن نفس اقتناء العجل لا يلحقه الوعيد الشديد فيتعين تقدير آلهة

الثالث ما يجوز فيه الأمران كقوله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى 10

فإن جوزنا زيادة من في الايجاب كان من المتعدي لاثنين وإن منعنا كان لواحد

ونظيره جعلت قال وجعل الظلمات والنور 1 أي خلقهما

فإذا تعدى لمفعولين كان الثاني الأول في المعنى كقوله واجعلوا بيوتكم قبلة 2 وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار 3 وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا 4

أخذ

تجىء بمعنى غصب ومنه من أخذ قيد شبر من أرض طوق من سبع أرضين

وبمعنى عاقب كقوله تعالى وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد 5

أخذنا أهلها بالبأساء والضراء 6

وأخذ الذين ظلموا الصيحة 7

وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس 8

فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر 9

لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب 10

ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا 11

و لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا 1

لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم 2

وتجىء للمقاربة قالوا أخذ يفعل كذا كما قالوا جعل يقول وكرب يقول

وتجىء قبل القسم كقوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه 3

وإذ أخذنا ميثاقكم 4

وبمعنى اعمل كقوله تعالى خذوا ما آتيناكم بقوة 4 أي اعملوا بما أمرتم به وانتهوا عما نهيتهم عنه بجد واجتهاد

سأل

تتعدى لمفعوليين كأعطى ويجوز الاقتصار على أحدهما

ثم قد تتعدى بغير حرف كقوله تعالى واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا 5

فاسألوا أهل الذكر 6

وقد تتعدى بالحرف إما بالباء كقوله سأل سائل بعذاب واقع 7 وإما ب من كقولك سل عن زيد وكذا واسألهم عن القرية 8 والمتعدية لمفعولين ثلاثة اضرب

أحدها إن تكون بمنزلة أعطيت كقولك سألت زيدا بعد عمرو حقا أي استعطيته أو سألته أن يفعل ذلك

والثاني بمنزلة اخترت الرجال زيدا كقوله تعالى ولا يسأل حميم حميما 1 أي عن حميم لذهوله عنه

والثاني أن يقع موقع الثاني منهما استفهام كقوله تعالى سل بني إسرائيل كم آتيناهم 3

واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون 3

واما قوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع 4 فالمعنى سأل سائل النبي صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب واقع فذكر المفعول الأول وسؤالهم عن العذاب إنما هو استعجالهم له كاستبعادهم لوقوعه ولردهم ما يوعدون به منه

وعلى هذا ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات 5

واما قوله تعالى واسألوا الله من فضله 6 فيجوز أن تكون من فيه موضوع المفعول الثاني وان يكون المفعول الثاني محذوفا والصفة قائمة مقامه

وأما قوله تعالى يسألونك كأنك حفي عنها 7 فيحتمل أن عنها متعلقة بالسؤال كانه يسألونك عنها كانك حفي عنها فحذف الجار والمجرور فحسن ذلك لطول الكلام ويجوز أن يكون عنها بمنزلة بها وتتصل بالحفاوة

وعد

فعل يتعدى لمفعوليين يجوز الاقتصار على احدهما كأعطيته وليس كظننت قال

تعالى لا وواعدناكم جانب الطور الأيمن 1 فجانب مفعول ثان ولا يكون ظرفا لاختصاصه اي وعدناكم إتيانه أو مكثا فيه

وقوله تعالى وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها 3 فالغنيمة تكون الغنم

فإن قلت الغنم حدث لا يؤخذ إنما يقع الأخذ على الأعيان دون المعاني

قلت يجوز إن يكون سمى باسم المصدر كالخلق والمخلوق أو يقدر محذوف أي تمليك مغانم

فأما قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة 3 وقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم 4 فإن الفعل لم يتعد فيه إلى مفعول ثان ولكن قوله ليستخلفنهم ولهم مغفرة تفسير للوعد كما أن قوله للذكر مثل حظ الأنثيين 5 تبيين للوصية في قوله يوصيكم الله في أولادكم 5

واما قوله تعالى ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا 6 إن الله وعدكم وعد الحق 7 فيحتمل انتصاب الواحد بالمصدر أو بأنه المفعول الثاني وسمى الموعود به الوعد كالمخلوق الخلق

وأما قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم 8 و إحدى في موضع نصب مفعول ثان و أنها لكم بدل منه أي إتيان إحدى الطائفتين أو تمليكه والطائفتان العير والنصر

وأما قوله أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم 9 فمن قدر في أن الثانية البدل

فينبغي أن يقدر محذوفا ليتم الكلام فيصح البدل والتقدير أيعدكم إرادة أنكم إذا متم ليكون اسم الزمان خبرا عن الحدث ومن قدر في الثانية البدل لم يحتج إلى ذلك

وأما قوله وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه 1 فالجملة في موضع جر صفة للنكرة وقد عاد الضمير فيها إلى الموصوف والفعل متعد إلى واحد

وأما قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة 2 فلا يجوز أن يكون ثلاثين ظرفا لأن الوعد ليس في كلها بل في بعضها فيكون مفعولا ثانيا

ود

قال أبو مسلم الأصبهاني ( 3 ) بمعنى تمنى يستعمل معها لو وأن وربما جمع بينهما نحو ودوا لو أن فعل ومصدره الودادة والاسم منه ود وقد يتداخلان في الاسم والمصدر

وقال الراغب إذا كان ود بمعنى أحب لا يجوز إدخال لو فيه ابدا

وقال علي بن عيسى ( 4 ) إذا كان بمعنى تمنى صلح للمضي والحال والاستقبال وإذا كان بمعنى المحبة لم يصلح للماضي لأن الإرادة هي استدعاء الفعل وإذا كان للماضي لم يجز أن وإذا كان للحال أو للاستقبال جاز إن و لو

وفيما قاله نظرا لأن أن توصل بالماضي نحو سرني أن قمت

قلت فكان الأحسن الرد عليه بكلامه وهو انه جوز إذا كان بمعنى الحال دخول أن وهي للمستقبل فقد خرجت عن موضعها $ أفعل التفضيل & فيه قواعد

الأولى إذا أضيف إلى جنسه لم يكن بعضه كقولك زيد أشجع الأسود وأجود السحب فيصير المعنى زيد أشجع من الأسود وأجود من السحب وعليه قوله تعالى خير الرازقين 1 و أحكم الحاكمين 2 و أحسن الخالقين 3

أي خير من كل من تسمى برازق واحكم من كل من تسمى بحاكم كذا قاله أبو القاسم السعدي

قال الشيخ أثير الدين الذي تقرر عن الشيوخ أن أفعل هذه لا تضاف إلا ويكون المضاف بعض المضاف إليه فلا يقال هذا الفرس اسبق الحمير لأنه ليس بعض الحمير وعلى هذا بنى البصريون منع زيد افضل إخوته واجازوا أفضل الإخوة إلا إذا أخرجت عن معناها فإنه قد يجوز ذلك عن بعضهم

الثانية إذا ذكر بعد أفعل جنسه وواحد من آحاد جنسه وجب إضافته إليه كقولك زيد أحسن الرجال واحسن رجل قال تعالى ( 4 )

وإذا ذكر بعد ما هو من متعلقاته وجب نصبه على التمييز نحو زيد احسن وجها واغزر علما

وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى أو أشد خشية 1 وقوله أزكى طعاما 2 فقد أضيف إلى غير جنسه وانتصب

وقد تأول العلماء هذا حتى رجعوا به إلى جعل أشد لغير الخشية فقال الزمخشري معنى يخشون الناس كخشية الله 1 أي مثل أهل خشية الله أو مثل قوم أشد خشية من أهل خشية الله

قال ابن الحاجب وعلى مثل هذا يحمل ما خالف هذه القاعدة

الثالثة الأصل فيه الأفضلية على ما أضيف إليه وأشكل على ذلك قوله تعالى وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها 3 لأن معناه ما من آية من التسع إلا وهي أكبر من كل واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة

وأجاب الزمخشري بأن ( 4 ) الغرض وصفهن بالكبر من غير تفاوت فيه وكذلك العادة في الأشياء التى تتفاوت في الفضل التفاوت اليسير إن تختلف آراء ( 5 ) الناس في تفضيلها وربما اختلف آراء الواحد فيها كقول الحماسي % % من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم % % مثل النجوم التى يهدي بها الساري % $ ( 6 )

وأجاب ابن الحاجب بأن المراد الأعلى أكبر من أختها عندهم وقت حصولها لأن لمشاهدة الآية في النفس أثر عظيما ليس للغائب عنها

الرابعة قالوا لا ينبني من العاهات فلا يقال ما أعور هذه الفرس وأما قوله تعالى

ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى 1 ففيه وجهان

أحدهما انه من عمى القلب الذي يتولد من الضلالة وهو ما يقبل الزيادة والنقص لا من عمى البصر الذي يحجب المرئيات عنه

وقد صرح ببيان هذا المعنى قوله تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور 2 وعلى هذا فالأول اسم فاعل والثاني افعل تفضيل من فقد البصيرة

والثاني انه من عمى العين والمعنى من كان في هذه أعمى من الكفار فإنه يحشر أعمى فلا يكون افعل تفضيل

ومنهم من حمل الأول على عمى القلب والثاني على فقد البصيرة وإليه ذهب أبو عمرو فأمال الأول وترك الإمالة في الثاني لما كان اسما والاسم ابعد من الإمالة

الخامسة يكثر حذف المفضول إذا دل عليه دليل وكان افعل خبرا كقوله تعالى أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير 3

ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا 4

والله أعلم بما وضعت 5

وما تخفي صدورهم أكبر 6

إنما عند الله هو خير لكم 7

والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا 8

أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا 9

فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا 6

وقد يحذف المفضول و افعل ليس بخبر كقوله تعالى فإنه يعلم السر وأخفى 2

السادسة قد يجىء مجردا من معنى التفضيل فيكون للتفضيل لا للأفضلية

ثم هو تارة يجىء مؤولا باسم الفاعل كقوله تعالى هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض 3

ومؤولا بصفة مشبهة كقوله تعالى وهو أهون عليه 4

ف أعلم هاهنا بمهنة عالم بكم إذ لا مشارك لله تعالى في علمه بذلك وأهون عليه بمعنى هين إذ لا تفاوت في نسبة المقدورات إلى قدرته تعالى

وقوله تعالى أفمن يلقى في النار خير 5

وقوله أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا 7 أو لفظا لا معنى

كقوله تعالى نحن أعلم بما يستمعون به و نحن أعلم بما يقولون 8

وأما قوله تعالى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه 9 فمعناه الضرر بعبادته أقرب من النفع بها

فإن قيل كيف قال أقرب من نفعه 9 ولا نفع من قبله البتة

قيل لما كان في قوله لمن ضره أقرب من نفعه تبعيد لنفعه والعرب تقول

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر